Skip to main content

Full text of "حسن حنفي التراث والتجديد"

See other formats


مسوراحى 


ص سن را عي لعا م دف 


ع ون جنل 
الطبعة اابعة 


2 ه - 1992م 


ل أمؤسة اجاص لاما ونشو أتايه 


بيروت الحصراء - شارع اميل اده ل بناية سلام 
هاتف ا 75م ال الم 000 5555م 
بدروت ‏ المصيطية ‏ شابة ظطاهر هاتف 51١810-90‏ 
511 118 لكس :18 50580-5556 - لبان 


ف المؤسسة الجامعية للدرأسات والنشرو النوزيع 


الإإهد أء 


إلى كل من يساهم في صياغة مشر وعنا القومي 


حسن حنفي 


مقدمة الطبعة الرابعة 


ما زال هذا البيان النظري لشروع « التراث والتجديد » من جهته الأولى ١‏ « موقفنا 
من التراث القديم » يمثل فكراً حياً ما زال غضاً وكأنه كتب اليوم بالرغم من مرور عشر 
سنوات على إصدار الطبعة المصرية الأولى عام 1980 في المركز العربي للبحث والنشر . 
وهذه هي الطبعة الرابعة ؛» تظهر مواكبة لصدور البيان النظري الثاني للمشروع ذاته من 
جهته الثانية « موقفنا من التراث الغربي » بعنوان « مقدمة في علم الاستغراب » . بقي 
البيان النظري الثالث للمشروع من جهته الثالثة والأخيرة « موقفنا من الواقع أو نظرية 
التفسير» الذي قد يظهر بعد عشر سنوات أخرى وفي نهاية هذا القرن » وبعد تحقيق 
باقى أجزاء الحبهتين الآولى والثانية . 
تحية إلى « المؤسسة الجامعية » التي تقوم الآن في إعداد الطبعة العربية لمشروع 
« التراث والتجديد » بعد الطبعة المصرية . 


د. حسن حنفي 
القاهرة ) ١55١‏ 


مقدمة الطبعة الثالثة 


صدرت الطبعة الأولى من « التراث والتجديد » في « المركز العربي للبحث 
والنشر » . القاهرة 1980 . وصدرت الطبعة الثانية ( الطبعة العربية الأولى ) في دار 
التنوير » بيروت 1981 . وهذه هى الطبعة الثالثة تصدر عن مكتبة الانجلو المصرية 
القاهرة 1987 بعد أن نفذت الطبعتان الأوليان . 


وما زال الكتاب يثير ردود أفعال عديدة ويحظى بقبول عام بصرف النظر عن 
اختلااف وجهات النظر حوله . وقل صدرت عدة مقالاات لمراجعته(1) : ىا صدرت 
مؤلفات بأكملها حول موضوع الكتاب وعدة أعمال أخرى©» وتم إعداد رسالتين 
للاجستير الأولى في جامعة أمستردام بهولند! والثانية بالجامعة الأردنية في المملكة الأردنية 
الهاشمية حول نفس الموضوع27 . 


(1) مثل د . عبد المنعم تليمة : التراث والتجديد .» فصول . العدد الأول . اكتوبر 1980 ناهض حتر : في 
نقض منطق تجديد التراث . 
فايد دياب : كتاب التراث والتجديد . البيان » العدد 197 . أغسطس 1982 . 
(2) د . محمود اساعيل : أدلجحة التراث . أدب وفقه . نوفمير 1987 ْ 
محمود أمين العالم : الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر . دار الثقافة الجديدة . القاهرة 1986 . 
د . عزيز العظمة : التراث بين السلطان والتاريخ ٠‏ دار الطليعة . بيروت 1987 . 
محسن اليل : ظاهرة اليسار الاسلامي . تونس 1983 . 
(3) ناهض حتر : التراث . الغرب . الثورة » بحث حول الأصالة والمعاصرة في فكر حسن حنفي » عمان 
6 . 
19854 متملنع اعم ,أعتااععمووء2 طأعذنا نتمدأذ] مز مدصء154 عل مهل عمتل زتر؟ء8 :لم8 وعل روما .31 


و« التراث والتجديد » هو مقدمة نظرية عامة للقسم الأول من المشروع ١‏ موقفنا 
من التراث القديم » . ويصدر الآن الجزء الأول منه « من العقيدة إلى الثورة » محاولة 
لوعادة بناء علم أصول الدين 8 في خمسة أجزاء ( والذى انتهينا منه في صيف 1984 . 

والنص نفسه لم يتغير منذ الطبعة الأولى . وما زال يحتفظ بجدته وأصالته وقدرته 
على إثارة الأذهان والدعوة للحوار . إني أتوجه بالشكر الخالص لكل الذين قبلوا الدعوة 
ولهم وافر التعظيم والاحترام 1 

د . حسن حلفي 
القاهرة في أغسطس 1987 


مقدمة الطعة الأولى 


لقد تأخر « التراث والتجديد » أكثر نما يجب . ولكن آن الأوان لظهوره في مطلع 

وتصدر هذه « المقدمات » العامة أولاً قبل الجزء الأول منه « من العقيدة إلى 
الثورة 6١‏ محاولة لإعادة بناء علم أصول الذين التقليدي كأيديولوجية نورية للشعوب 
الاسلامية تمدها بأسس النظرية العامة وتعطيها موجهات السلوك . 

وأرجو أن تصدر باقي الأجزاء على التوالي حتى يتحول الاصلاح الديني الى خنمضة 


1 تحديد معنى التراث 
2 - الوضع الال للمشكلة 


مادا يعنى : « التراث والتحديد ) ؟ 


ماذا يعنى « التراث والتجديد ؟ » . التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل 
الحضارة السائدة » فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على 
عديد من المستويات . 


وليست القضية هي «١‏ تجديد التراث » أو « التراث والتجديد » لأن البداية هي 
«التراث » وليس التجديد» من أجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة الوطنية ‏ 
وتأصيل الحاضر . ودفعه نحو التقدم ٠‏ والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي . التراث 
هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية . والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقا 
لحاجات العصر . فالقديم يسبق الحديد . والأصالة أساس المعاصرة . والوسيلة تؤدي 
الى الغاية . التراث هو الوسيلة » والتجديد هو الغاية وهي المساهمة ي تطوير الواقع , 
وحل مشكلاته . والقضاء على أسباب معوقاته . وفتح مغاليقه التي تمنع أي محاولة 
لتطويره . والتراث ليس قيمة في ذاته إلا بقدر ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع 
والعمل على تطويره » فهو ليس متحفاً للأفكار نفخر بها وننظر إليها بإعجاب . ونقف 
أمامها في انبهار وندعو العالم معنا للمشاهدة والسياحة الفكرية بل هو نظرية للعمل . 
وموجه للسلوك . وذخيرة قومية يمكن إكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء 
الانسان وعلاقته بالارض وهما حجرا العثرة اللتان تتحطم عليههما كل جهود البلاد النامية 
في التطور والتنمية . فالتصنيع والاصلاح الزراعي قد يتحطمان لأن الانسان وهو العامل 
والفلاح ٠ل‏ تتم إعادة بنائه ووضعه في العالم 5 وظل متخلفاً عن مظاهر التقدم » فالثورة 
الصناعية والزراعية في البلاد النامية لا تتم إلا بعد القيام بثورة إنسانية سابقة عليها 
وشرط لها . لذلك تعثر العمل السيامي في البلاد النامية وفشلت الجحهود لقيام أحزاب 
تقدمية وتنظييات شعبية تملا الفراغ بين السلطة والحاهير . فالغهبضةسابقة على التنمية 


13 


وشرط لها. والاصلاح سابق على النهبضة وشرط لحاء والقفز الى التنمية هو تحقيق 
لظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه . 

« التراث والتجديد » إذن يحاول تأسيس قضايا التغير الاجتاعي على نحو طبيعى 
وفي منظور تاريخي . يبدأ بالاساس والشرط قبل المؤسس والمشروط . ْ 

1 تحديد معنى التراث 

أ مستويات التراث : 

يوجد التراث على عدة مستويات . فهو أولاً تراث موجود في المكتبات والمخازن 
والمساجد والدور الخاصة يُعمل على نشره . فهو تراث مكتوب ٠‏ مخطوط أو مطبوع ء له 
وجود مادي على مستوى أولي » مستوى الأشياء . وتعقد المؤتمرات . وتقام المعاهد . 
وتنشر الفهارس . وتعد الاحصائيات عن الموجود منه في مكتبات العالم » ما نشر منه وما 
لم ينشر بعد . ما بقى منه وما ضاع . 

وهي فضية مثارة قُْ عصرنا على هذا المستوى المادي عندما يكثر الحديث عن 
إحياء التراث . وبعث التراث . ونشر التراث . وتحقيق التراث . وترسل البعثات إلى 
شتى مكتبات العالم لجمعه وتصويره وتخزينه » وتصدر السلاسل التي قد تستمر وقد 
تتوقف » وترصد الأموال . أويوظف الباحثون . وتكثر الدعايات حول نشر التراث وكأن 
البعث والاحياء والنشر يعنى إعادة طبع القديم طبعات عدة . واختيار م داق مر 
العصر دون متطلباته . فإذا لجأ العصر الى التصوف تعويضاً عن روح المزيمة أو 
للنصر فإنه يعاد نشر المؤلفات الصوفية . وإذا تشوف العصر الى المدينة الفاضلة 5 
الى المجتمع الحديد تعويضاً عن الفساد الخلقي والانحراف السيامي نشرت المؤلفات عن 
فضائل الصحابة . وعن العشرة المبشرين بالجنة . وإذا شاعت الخرافة في الناس . وساد 
الانفعال على العقل » واشتدت الحاجة . وزاد الضنك . نشرت المؤلفات عن المعاد 
وعن عالم العدل القادم الذي تملا فيه الأرض عدلاً كا مُائت حورا . وانقلب أهل السنة 
الى شيعة بأحد ما يكون التشخيص . وإذا قيل أن السبب في المهزيمة هو البعد عن 
الكتاب والسنة أعيد نشر الكتاب والسنة في طبعات مذهبة » منمقة مزركشة . لزيادة 
ثروات التجار ء وليتبرك مها الناس وهم في بيوتهم . تقيهم الشرء وتمنعهم الحسد . 
وتجلب لهم الخير. ويتبادها رؤساء. الدول هدايا فيم| بيهم . وترسلها المؤتمرات 
والجمعيات الاسلامية الى الدول الاسلامية غير الناطقة بالعربية لنشر الوعي 
الإسلامي . ونكون جميعاً كالحمار يحمل أسفاراً . 


14 


ولكن هذا التراث ليس مخزوناً مادياً فحسب , هذا الكم الهائل من المخطوطات 
القديمة المنشور منها وغير المنشور والذي حرر في عصور لم توجد فيها المطابع بعد . ولكنه 
أيضاً ليس كياناً مستقلا بذاته يدافع عنه وكأنه يحتوي على حقائق نظرية مسبقة توجد 
بذاتها » مهددة بالضياع إن غابت . وتحشد لها العقول في مرحلة الخطر . حقيقيا أم 
وهمياً . ليس التراث موجوداً صورياً له استقلال عن الواقع الذي نشأ فيه وبصرف النظر 
عن الواقع الذي يهدف الى تطويره بل هو تراث يعبر عن الواقع الأول الذي هو جزء من 
مكوناته . وإن ما عير عنه القدماء باسم « أسباب النزول » هو في الحقيقة أسبقية الواقع 
على الفكر . ومناداته له . كا أن ما عبر عنه القدماء باسم « الناسخ والمنسوخ » ليدل 
على أن الفكر يتحدد طبقاً لقدرات الواقع وبناء على متطلباته . إِنْ تراخى الواقع تراخى 
الفكر وإن اشتد الواقع اشتد الفكر . فالتراث إذن ليس له وجود مستقل عن واقع حي 
يتغير ويتبدل . يعبر عن روح العصر . وتكوين الجيل . ومرحلة التطور التاريخي . 
التراث إذن هو مجموعة التفاسير التى يعطيها كل جيل بناء على متطلباته » خاصة وأن 
الأصول الأولى التى صدر منها التراث تسمح بهذا التعدد لأن الواقع هو أساسها الذي 
تكونت عليه . ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا 
تتغير بل هو مجموع تحققات هذه النظرية في ظرف معين , وفي موقف تاريحي محدد , 
وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها » وتكوّن تصوراتها للعالم . 

لا كان التراث إذن ليس مخزوناً مادياً في المكتبات . وليس كياناً نظرياً مستقلا 
بذاته » فالأول وجود على المستوى المادي . والثاني وجود على المستوى الصوري فإ 
التراث في الحقيقة مخزون نفسي عند الجم|هير”2 . فالتراث القديم ليس قضية دراسة 
للماضي العتين فحسب .ء الذي ولى وطواه النسيان. ولا يزار إلا في المتاحف . ولا ينقب 
عنه إلا علماء الآثار بل هو أيضاً جزء من الواقع ومكوناته النفسية . ما زال التراث 


(1) «الجمهور » لفظ مستعمل في تراثنا القديم على نحو معرفي خالص ويعني العامة » ويقابل العقلاء أو الفلاسفة 
وهم الخاصة . ١‏ الجمهور » له معنى سلبي يرادف السطحية أو البلاهة أو عدم القدرة على فهم الحقائق 
النظرية المجردة ولا يقدر إلا على التشبيه والتجسيم . والجمهور أيضا غير قادر على التحقق من صدى ما 
يقال له لأنه أقرب الى الطاعة العمياء أو التقليد . وهذا المعهى غير مقصود هنا بل نعني بالجاهير المعنى 
العمل الخالص كا تعني أيضاً الصدق في التعبير والحدس في الأدراك والحس الشعبي التلقائي . فالجمهور 
هو التاريخ . عملا ونظراً . ومن ثم فاللفظ له مدلول إيجابي . 


أما لفظ « نفس » فهو لا يدل على مدلوله في علم النفس بل يدل على الوعي أو الشعور ‏ وهو عام البواعث 
والدوافع والموجهات دون الوقوع في أي من نظريات علم النفس من حيث هو علم . بل يكفي المعنى 
الشائع من اللفظ . 


15 


القديم بأفكاره وتصوراته ومثله موجهاً لسلوك الجماهير في حياتها اليومية إما بعاطفة 
التقديس في عصر لا يسلك الانسان فيه إلا مداحا . أو بالارتكان الى ماض زاهر تجد 
فيه الجماهير عزاء عن واقعها المضني . 

وإذا كانت البداية العلمية للغير تعني البدء بالواقع واعتباره هو المصدر الأول 
والأخير لكل فكر فإن القيم القديمة التي حواها التراث جزء من هذا الواقع . فنحن مثلا 
نئن نحت الايمان بالقضاء والقدر الموروث من أهل السلف . وتفسر هزيتنا بأنه« لا يغنى 
حذر من قدر». والذي حاولت الحركات الاصلاحية الحديثة الخف من حدته . كما 
نرهق عقولنا بالتشبيه والتشخيص سواء في الأوليات ‏ أي العقليات ‏ مثل وجود حقيقة 
أولى أو أفكار عامة أو في الأخرويات في| يتعلق بنهاية العالم » ونجد في ذلك عزاء عن 
عدم الوعي بأنفسنا إما من حيث النشأة أو من حيث المصير . كما أننا نلحق عقولنا 
بالنصوص ٠‏ ونقع في التأويلات ٠‏ ونقطع الصلة بين العقل والتحليل المباشر للواقع 
بإعتباره مصدرا للنص . ونقبل الامام بالتعيين » ونطيع له خانعين » ضعفاء أو خائفين 


إستقلالها . وعادمين وجودها وقاضين على قوانينها » ونصفها بالشر والوبال » وندعو 
للخلاص منها . ومتهمين كل اتجاه طبيعي بالمادية والالحاد . وحاكمين عليه بالانحلال 
والسفور دون دراية منا بأن هذا الموقف يعبر عن تطهير أو حرمان أو نفاق . كما أننا نقطع 
وجودنا الى جزأين .» واحد نقذف به تحت التراب والآخر نرفعه الى عنان السماء ‏ 
متطهرين أو عاجزين أو منافقين » ومعاقبين البدن وهولم يحصل على حقه منا . ومزكين 
النفئس وهي عاجزة عن فعل شيء . ذاك بعض الموروث النفسي القديم من علم أصول 
الدين أو ما يسمى بعلم التوحيد . 

فإذا أخذنا موروثاً نفسياً مثلا وجدنا أننا ما زلنا نعيش التصور الثنائي للعالم كما 
ورثناه من الكندي وآثار ذلك على وحدة السلوك وما يترتب عنه من تطهير وترير 
للنفس . ونفاق وتغطية وتعمية وازدواجية . كا أننا نسلك طبقا للتصور الهرمي للعالم 
الذي ورثناه من الفارابي خاصة في تصور مجتمعنا ومؤسساته التي يقوم كل منها على 
الرئيس الذي هو وحده الملهم والقائد والمعلم والكامل والمقدس والمعبود . ثم تقل 
مراتب الشرف والكمال حتى نصل الى المرؤوسين الذين عليهم إما الطاعة والولاء وإما 
السجن والعقاب . وإذا كنا نخلط بين العقل والوجدان في فكرنا المعاصر . فنخطب 
ونظن أننا نفكر .» وننفعل ونظن أننا نفعل فذلك لأن العقل في التراث القديم وما ورثناه 
من السلف كانت مهمته تبرير الدين على الأقل في علم أصول الدين وفي علوم 
الحكمة . وأن العقل لم يستقل على الاطلاق ولم يوجه نحو الواقع وهو طرفه الأصيل إلا 


16 


في علم أصول الفقه الذي انتهى أيضاً الى الثبات وتحجير الأصول وتغليبها على الواقع 
حتى أنه لم يبق إلا التقليد . 
وإن كنا نقامى في عالمنا المعاصر من إعطاء الأولوية للكليات النظرية على الكليات 
العملية , واعتبار الجامعات أعلى من المعاهد العليا والمدارس الفنية المتخصصة . وأن 
الذي يعمل بعقله أفضل قيمة وأعلى شرفاً وأزهى منصباً من الذي يعمل بيده » وأن 
الموظف أفضل من العامل . والمثقف أعلى من الفلاح . فإن ذلك كله قد يرجع الى 
إعطاء الأولوية في تراثنا القديم للفضائل النظرية على الفضائل العملية واعتبار التأمل 
قمة الفضائل النظرية . وإذا كنا نبغي تغيير واقعنا بين يوم وليلة » وطرد المحتل في التو 
واللحظة فقد يرجع ذلك الى نقص في إحساسنا بالتاريخ 
لغياب البعد التاريخي في تراثنا القديم الذي غرق في البعد الرأسبى واضعا الإنسان في 
طرف مقابل مع الله دون وضعه في التاريخ وفي طرف مقابل مع الجماهير . بل إن علم 
اصول الفقه الذي حوى بوادر لامكانية قيام فلسفة في التاريخ من خلال الاجماع 
والاجتهاد قد انطوى على نفسه وغلّب الكتاب والسنة . ولحق بالبعد الرأسى مع علم 
أصول الدين وعلوم الحكمة وعلوم التصوف©) . وإذا كان الانسان بيننا يخرج من منزله 
في الصباح ولا يعود في المساء . ولا يعلم أحد عنه شيئا » وإذا كان الانسان حشر في 
المركبات وفي المكاتب وفي الطرقات . وإذا كنا نبي ونعمر ثم ينهدم البناء ويخرب العمار 
فإن ذلك قد يرجع الى غياب الانسان كبعد مستقل في تراثنا القديم وحصاره بين 
الالهيات والطبيعيات في علوم الحكمة . وابتلاعه في علم التوحيد . وفنائه في علوم 
التصوف . ومحقه في علوم التشريع . فالأفكار إذن ليست مجرد آراء فارغة أو تصورات 
مجردة بل هي أتماط حياة . ومناهج سلوك . فنحن نعمل بالكندي في كل يوم ٠‏ ونتنفس 
الفارابي في كل لحظة . ونرى ابن سينا في كل الطرقات . وبالتالي يكون تراثنا القديم 
حيا يرزق يوجه حياتنا اليومية ونحن نظن أننا نبحث عن الرزق ٠‏ ونلهث وراء قوتنا 
اليومى ! . 
والأمثلة كثيرة أيضاً من تراثنا الصوفي . فا نشأ هذا التراث كمقاومة سلبية 
للانحرافات في الحياة أصبح هو ذاته تقوياً لهذا الانحراف بانحراف آخر . ودفاعاً 
بالرجوع الى الوراء . فكل القيم الصوفية السلبية التي تدعو إلى الفقر والخوف والجوع 
والصير والتوكل والرضا والقناعة والتسليم ؛ كلها دفاع عن النفس ولكنه دفاع العاجز 
(2) أنظر مقالنا ه العرب والفكر التاريخي » قضايا معاصرة ج 3 « في الثقافة الوطنية » تحت الطبع . ( ضاع المقال 
وأصبح قضايا معاصرة ج 3 , 4 هوه الدين والثورة في مصر ؛ ثانية أجزاء . « الدين والثقافة الوطنية » الجزء 


الأول . مدبولي القاهرة 1989 ) . 


17 


الضعيف الذي لا يرى فضائله إلا في أنه صاحب الحق الضائع . هذه القيم ما زالت 
تفعل في سلوك الحاهير . يذكرها في معازيه » ويعلق على جدران محاله العامة « الصبر 
مفتاح الفرج » ١‏ «وتوكلت على الله » » وتغنى المواويل الشعبية » وكلها يدور حول 
فضائل الصير . والتحليلات الصوفية لعالم القلب ولأنواع المعرفة الاهية يأس من العقل 
ومن تحليل الواقع . وإيثار لعلم آخر حيث يغيب العلم . والمعرفة حيث تشح المعرفة . 
وما زلنا تأخذ بالعلم اللدني . ونقيم عليه حياتنا . ونطمع في الكشف وفي رفع الحجاب 
إلى درجة السفور . وأخيراً تخيلنا الغاية وقد تحققت بالفعل , والعالم وقد أصبح 
واحدا . والحقيقة وقد صارت واقعة . ورأينا وحدة الشهود رؤيا ذاتية خالصة تقرب من 
الوهم . وتحققنا بوحدة الوجود عن طريق الخيال » مغرقين في عالم التمنيات » وكل 
ذلك لا يزيد على محرد انفعال » وإحساس ذاتي بالانتصار . وشتان ما بين الاحساس 
والواقع » وفرق بين الانفعال الذاتي والحقيقة الموضوعية . فالقيم السلبية تسلبنا المقاومة 
الفعلية » ويقضي الحب على الصراع بين الاضداد . ويهدم العقل تحت وطأة الانفعال ‏ 
يحول الواقع الى مثال » وهوما زال الواقع المضني . 

والأمثلة كثيرة أيضاً مما ورثناه من فقهنا القديم . إذ تتشعب المناقشات النظرية التي 
لا تغير من الواقع شيئا . ويشتد الجدل الذي لا يدل إلا على احتراف أو تعصب أو 
إدعاء . وكأن المعركة الحقيقية هي معركة الفكر مع نفسه ك) هو الحال في فقهنا 
الافتراضي القديم . تكثر الأحاديث حول النظريات وتتصارع الآراء » والواقع لم 
يتغير 0 وتظهر مهارة المفكرين والكتاب في عبقرية الصياغات . وتتنائثر الشعارات عن 
العدل والظلم سائد » وتكثر الخطب عن الفضيلة . والرذيلة هي الأساس . فواقعنا 
المنهار وجد في تراثنا القديم ما يبرر له انهياره ويؤكده » وكأننا لا نختار من القديم إلا ما 
نريد ونبغي . وإذا طبقنا الاسلام » وأردنا إعادة الدولة الاسلامية بدأنا بقانون 
العقوبات وكأن الغاية هي العقوبة وليست الوسيلة . وكأن المسلم يعاقب وهو لا يعيش 
في دولة إسلامية » ولم ينشأ نشأة إسلامية , نطلب منه واجباته قبل أن تعطى إليه 
حقوقه . وإذا أردنا تطبيق الاسلام بدأنا بالمحرمات ٠‏ ونادينا بتحريم الخمور. أما 
الرقص الشرقي . والعري . والأغاني الفاضحة . والمسارح العابثة » وأفلام الجنس 
فنتمتع بها . وكأن الاسلام أساسا هو دولة المحرمات دون أن نبدأ بالمبيحات حتى ينعم 
الناس بالعالم ويبتهجوا بالطبيعة . وإذا طبقنا الاسلام بدأنا بقانون الأحوال الشخصية » 
الزواج والطلاق . والخطوبة والمهر . والخلوة والمحارم » أما النظام الاقتصادي السيامي 
الاسلامي فنطويه الى ما وراء ظهورنا ونترك للحاكم أن يفعل ما يشاء » ونرضى بأي 
حكم . ونطيع أي نظام . وكأن الدولة الاسلامية هي الأسرة » وكأن المسلم هو رب 
الأسرة وليس المواطن الذي يعيش في دولة . 


18 


التراث إذن ما زال قيمة حية في وجدان العصر يمكن أن يؤثر فيه » و« حون باعثا 
على السلوك ٠:‏ نجديد التراث إذن صرورة واقعية » ورؤية صاشة للواقع » فالئراث جزءا 
من مكونات الواقع وليس دفاعا عن موروث قديم . التراث حي يفعل في الناس ويوجه 
سلوكهم . وبالتالي يكون تجديد التراث هو وصف لسلوك الجاهير وتغييره لصالح قضية 
التغير الاجتماعي . تجديد التراث هو إطلاق لطاقات محتزنة عند الجماهير بدلا من وجود 
التراث كمصدر لطاقة محتزنة . لا تستعمل أو تصرف بطرق غير سوية على دفعات 
عشوائية في سلوك قائم على التعصب أو الجهل أو الحمية الدينية والايمان الأعمى . أو 
يستعملها أنصار تثبيت الأوضاع القائمة لحسابهم الخاص من أجل الدفاع عن الثبات 
الاجتماعى . وقد لحأ الثوريون المعاصرون الى المأثورات الشعبية وإلى تراث الجماعة 
الممثل في أمثلتها العامية ودياناتها القديمة من أجل تجنيد الجماهير » وصب طاقتها في 
وافعها المعاص (2) . تجديل التراث هو حل لطلاسم القديم وللعقد الموروثة 4 وقضاء 
على معوقات التطور والتنمية والتمهيد لكل تغير جذري للواقع » فهو عمل لا بد 
للثوري من أن يقوم به وإلا ظل القديم شبحا ماثلا أمام الأعين يمثل أرواح الاسلاف 
الي تبعث من جديد . تتربص بالابناء شرا إذا هم خرجوا من جبتهم . ورفضوا 
القائمة باستغلال هذا المخزون لصالحهم 5 وأخخذ الجماهير من جانبهم 5 وقطع خط 
الرجعة على أنصار التغيير والتقدم ؛ وسحب البساط من تحت أرجلهم . 


والتراث والتجديد يعيران عن موقف طبيعي للغاية . فالماضي والحاضر كلاههما 
معاشان في الشعور . ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف للمخزون النفسي 
المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر . اسقاطاً من الماضي أو رؤية الحاضر . 
فتحليل التراث هو في نفس الوقت نخليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسياب معوقاتها . 
وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكونا 
رئيسياً في عقليتنا المعاصرة ومن ثم يسهل علينا رؤية الحاضر في الماضي . ورؤيه ة الماضي 
قٍ الحاضر . فالتراث والتجديد يؤسسان معا علمأ جديداً وهو وصف للحاضر وكأنه 
ماض يتحرك . ووصف الماضي على أنه حاضر معاش . خاصة في بيئة كتلك التي 
(3) يتضح هذا في أعمال ماوتسي تونج المبكرة لاعادة تفسير الكونفوئيوسية تفسيراً ثوريا وكذلك في إعادة تفسير 
البوذية في فيتنام . والكاثوليكية الرومانية في أمريكا اللاتينية » والديانات الثورية الافريقية مثل « أنبياء بانتو» 
ود الاسلام الاسود » في حركة « أمة الاسلام » في أمريكا التى أسهها اليجا محمد وانضم اليها مالكوم 
اكس . والأمثلة كثيرة من « دين التحرر » في بلدان العالم الثالث خاصة عند جواتيريز وتوريز. أنظر مقالنا 
« كاميلوتوريز » . القديس الثائر قضايا معاصرة ج 1 « في فكرنا العربي المعاصر » ص 281 318 . وأيضا 
كتابنا 243 -125 .مم11 ,اعوط ,ممتاس اوناع 1 لمة عبع 101210 كناماوتاع] . 


19 


نعيشها حيث الحضارة فيها ما زالت قيمة » وحيث الموروث ما زال مقبولاً . فالحديث 
عن القديم يمكن من رؤية العصر فيه . وكليا أوغل الباحث في القديم وفك رموزه . 
وحل طلاسمه ء أمكن رؤية العصر . والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد ٠»‏ 
وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نبضتنا المعاصرة . ولما كان التراث يشير الى الماضي 
والتجديد يشيرالى الحاضر . فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان. وربط 
الماضي بالحاضر وإيجاد وحدة التاريخ . فكثيراً ما سمعنا في عصرنا هذا عن 
انفصال الماضي عن الحاضر أو عن قطع جذور الحاضر من الماضي أو عن ماضي عظيم 
ولى ولن يعود أو عن حاضر أصيل جديد عبقري المثال لا أصول له إلا من ذاته . ربط 
الماضي بالحاضر إذن ضرورة ملحة حتى لا يشعر الانسان بغربة عن الماضي أو بغربة عن 
الحاضر أو بوضع طبقة من الجديد فوق طبقة من القديم مما ينشأ عنه في كثير من الأحيان 
لفظ القديم للجديد . ورجوع للقديم كرفض العضو للجسم الغريب2» . فهي إذن 
مشكلة واقعة تبدأ بمعطى واقعي وهي كيف يمكن لشعب من الشعوب تحقيق تجانسه في 
الزمان والبحث عن مسار طبيعي لتطوره . والابقاء على الاستمرارية في تاريخه . قضية 
التراث والتجديد إذن هي قضية التجانس الحضاري لشعب من الشعوب . فلا يعني 
انتقال شعب ما من مرحلة إلى أخرى حدوث قطع أو إنفصال حضاري بل يعني إستمرار 
الحضارة ولكن على أساس جديد من احتياجات العصر”("©2 . قضية التراث والتجديد 
هي إذن الكفيلة بإظهار البعد التاريخي في وجداننا المعاصر . واكتشاف جذورنا في 
القديم حتى يمكننا الاجابة على سؤال : في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش ؟ وحتى 
نعود الى تطورنا الحضاري الطبيعى . فتحل مشكلة الجمود والتوقف من ناحية » ونحل 
مسألة التقليد للآخرين والتبعية هم من ناحية أخرى . 
التراث والتجديد يمئلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ . وهو حاجة ملحة 

ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر . كما يكشفان عن قضية « البحث عن الهوية » عن 
طريق الغوص في الحاضر إجابة على سؤال : من نحن ؟ واكتشاف أن الحاضر ما هو إلا 
تراكيات للاضي بالاضافة الى واقع جديد هو نفسه نتيجة لضياع الجهاد القديم . 
والتخلف قد يكون نتيجة لضياع النظرة العلمية الحضارية القديمة . والفقر قد يكون 
نتيجة لغياب النظم الاقتصادية القديمة . وإذا كان البحث عن اطوية يأتي عن طريق 
(4) الغربة عن الماضي مثلا في تركيا وأمانيا والجمهوريات السوفييتية في وسط آسياء والغربة عن الحاضر في 

المجتمعات التقليدية كالحجاز ودويلات الخليجح . ووضع طبقتين متجاورتين كما هو الحال في المجتمعات 

النامية في العالم العربي في مصر والعراق وسوريا والجزائر . والتحليل هنا على مستوى الشعوب وليس على 

مستوى الأنظمة الاجتاعية . 
(5) أنظر مقالنا ١‏ العرب والفكر التاريخي » قضايا معاصرة ح 3 ( أنظر الهامش 2 ) ص 15 . 


20 


تحديد الصلة بين الأنا والآخر فإن عملية « التراث والتجديد » هي الكفيلة بتحقيق ذلك 
لأنها اكتشاف الأنا وتأصيلها وتحريرها من سيطرة الثقافات الغازية . مناهجهاء 
وتصوراتها . ومذاهيها . ونظمها الفكرية . وتساعد أيضاً على مواجهة التحديات 
الحضارية والغزوات الثقافية التي نحن ضحية لما شق هذا القرن. وتنقلنا من وضع 
التحصيل والنقل الى وضع النقد والخلتق والابتكاردة 


لعفي م ليس سد ماحد ست ب سعد بحب لعا صو رار سي سا ليا 


ب - إعادة الاختيار بين البدائل : 


قضية « التراث والتجديد » هي أيضاً قضية إعادة كل الاحتتالات في المسائل 
المطروحة ٠‏ وإعادة الاختيار طبقا لحاجات العصر. ٠»‏ فلم يعد الدفاع عن التوحيد 
بالطريقة القديمة مفيداً ولا مطلوباً ٠‏ قكلنا موحدون منزهون . ولكن الدفاع عن 
التوحيد يأتي عن طريق ربطه بالارض . وهي أزمتنا المعاصرة . 


فالتجسيم . وهو الاختيار القديم المرفوض . قد يثير الأذهان حالياً في الربط بين 
الله وسيناء . بين التوحيد وفلسطين . فالفصل القديم بين الخالق والمخلوق كان دفاعا 
عن الخالق ضد ثقافات المخلوق القديمة . ولكن الحال قد تغير الآن » وأصبحت مأساتنا 
هى مكاسبنا القديمة » الفصل بين الخالق والمخلوق . ومطلبنا هو ما هاجمناه قديماً . 
الربط بين الله والعالم . لقد ساد الاختيار الأشعري أكثر من عشرة قرون » وقد تكون 
هذه السيادة إحدى معوقاته العصر لأا تعطي الأولوية لله في لفحل وفي العلم وني 
الحكم وفي التقيبم في حين أن وجداننا المعاصر يعاني من ضياع أ خذ زمام المبادرة منه 
باسم الله مرة . وباسم السلطان مرة ة أخرى . ومن ثم . فالاختيار البديل . الاختيار 
الاعتزاليي » الذي لم يسد لسوء الحظ إلا قرنا أو قرنين من الزمان . بلغت الحضارة 
الاسلامية فيها الذروة ؛ هذا الاختيار قد يكون أكثر تعبيراً عن حاجات العصر . وأكثر 
تلبية لمطاليبه . ما رفضناه قدياً قد نقبله حديثاً . وما قبلناه قدياً قد نرفضه حديثاً ٠‏ فكل 
الاحتمالات أمامنا متساوية ى! كان الحال عند القدماء ‏ فقبلوا منها ما عيبر عن حاجات 
عصرهم . وخطأنا نحن أننا نأخذ نفس الاختيار بالرغم من تغير حاجات العصر . فقد 
رفض المذهب الطبيعي قدياً لأنه كان خطرا على التوحيد وفاعليته9) , ولكنه قد يقبل 
حالياً لأن فيه عود الانسان الى الطبيعة منظراً إياها . وفاعلاً فيها . ومكتشفاً لقوانينها 
بدلا من فصم نفسه عنها » وإسقاطها من حسابه بالتركيز على التوحيد القديم . مهمة 


(6) هذا هو موضوع القسم الثاني من التراث « التراث والتجديد » بعنوان « موقفنا من التراث العربي » . 
(7) هو مذهب أصحاب الطبائع عند الحاحظ . والنظام » ومعمر بن عباد . وثامة بن الأشرس . 


21 


«والتراث والتجديد » إذن هى إعادة كل الاحتالات القديمة بل ووضع احتالاات 
جديدة » واختيار أنسبها لحاجات العصر ء إذ لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري 
للحكم عليها بل لا يوجد إلا مقياس عملي . فالاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب 
العصر هو الاختيار المطلوب . ولا يعني ذلك أن باقي الاختيارات خاطئة بل 
يعني أنها تظل تفسيرات حتملة لظروف أخرى . وعصور أخرى ولت أو ما زالت 
قادمة . وهذا لا يعني أن أصول الدين واحدة في كل زمان ومكان لا تتغير وإلا خلطنا 
بين الأصول والفروع . بين الدين والفقه » فالتوحيد ثابت كن تختلف أوجه فهمه 
طبقاً لحاجات العصر . وحرية الانسان وعقله ومسؤوليته ثابتة أيضاً ولكن تختلف طرق 
ممارستها من عصر الى عصر . ومن بيئة الى بيئة » ومن وضع اجتاعي الى وضع 
اجتماعي آخر . والتصور الدينامي للأصول هو أيضاً احتهال مع التصور الثابت لها , 
والتصور العمل للعقائد هو أيضاً احتمال أمام التصور النظري لها . ومن ثم يكون اتهام 
حضارتن بأا حضارة وحددة ل تعدد» وأا حضارةإتفاق لا اختلاف هام باطلا لآ 
أهم ما يميز تراثنا القديم هو أن نه أعطى مجموعة من الاحتمالات المتعددة تطايرت من 
أجلها الرقاب حين الاختيار بينها(ة) . فالاجتهاد ليس فقط منهجأً في أصول الفقه بل هو 
أيضاً منهج في أصول الدين » وليست وظيفته فقط هي القياس في الأحكام » وهي 
أفعال السلوك . بل أيضاً في اختيار النظريات وأنسبها طبقاً الحاجات العصر » فالاجتهاد 
يقوم بالتأسيس العلمي 5 علم أصول المقه طبقا لقدرات الفرد ويقوم بالتتأسيس 
النظري في علم أصول الدين طبقاً لمتطلبات العصر . 


وعندما نقول روح العصر أو احتياجات العصر أو واقعنا العاصر فنا - لشير إل 
أية جماعة بشرية تنتمى الى جنس معين . فالبشر لا تصنف الى أجناس أو إلى ماعات 
بيولوجية بل تشير الى أبئنية نفسية ولأوضاع اجتماعية وهذه الأبنية والأوضاع هي التي 
تحدد الهوية20) وأي تفسير عتصري أو قوني أو جني الوقائع عو تفسير يخضع 01 مو” 
والأمزجة ولا بخضع للعلم ولتحليل الواقع أو يكون تفسيراً ناشئاً عن انحراف في 
الموقف الحضاري . وتبعية لمسار الحضارة ري وبيئتها . 


ومن الصعب تناول قضية « التراث والتجديد » والاستقرار على أسلوب متسق 
للتحليل . فقد يغلب أحياناً تحليل القديم ما يؤدي الى الأكاديمية الخالصة, وما تتصف 


(8) وهذا هو معنى حديث المجددين المشهور : ١‏ إن الله يبعث هذه الامة على رأس كل مائة سنة يجدد لها دينها» . 
(9) لذلك يكون من السخف البحث عن هوية فرعونية أو قبطية أو عربية أو إسلامية . 


22 


به من برودة . وتعالم . وانعزال عن الواقع . وقد يغلب أحياناً أخرى تحليل الواقع 
المعاصر مما يعطى البحث طابع التحليل الاجتماعي الذي لا شأن له بالتراث القديم . 
والواقع أنها معادلة صعبة في النظر الى الواقع كحصيلة للتراث القديم . والنظر الى 
التراث القديم من خلال الواقع . وقد يقع الباحث في عيب الثقل الأكاديمي الذي يصل 
الى حد التعالم » ولكن هذا العيب أخف كثيراً من ترك القديم بطلاسمه ورموزه » وقد 
5 الباحث في عيب الوصف الاجتماعي للواقع المعاصر » ولكن هذا العيب أيضاً أخف 
من الثقل الأكاديمى وانعزال التراث عن واقعه الذي يتحرك بفعل التراث . 
ات 0 

وتراثنا القديم ليس قضية دينية لانطباعه بصبغة دينية » ولأنه قام ابتداء من 

الدين » ولكنه قضية وطنية تمس حياة المواطنين وتتدخل في شقائهم أو سعادتهم . 
والدافع على التجديد ليس عاطفة التقديس والاحترام والتبجيل الواجبة لكل موروث 
ديني بل انتساب الانسان المجدد الى أرض وانتهاؤه الى شعب2)09 . قضية « التراث 
والتجديد » قضية وطنية لانها جزء من واقعنا . نحن مسؤولون عنه كا أننا مسؤولون عن 
الشعب والأرض والثروة » وكا أننا مسؤولون عن الآثار القديمة والمأثورات الشعبية . 
لذلك آثرنا لفظ « التراث » وليس ١‏ الدين » فالدين جزء من التراث . وليس التراث 
جزءا من الدين » ويمكن التعامل مع التراث كما نتعامل مع المأثورات الشعبية 
بتطويرها » وصياغتها . وإبرازها تعبيرا عن روح الشعب وتاريخه . القضية إذن ليست 
قضية دينية بل قضية اجتاعية أو سياسية أو فنية أو تاريخية . تجديد التراث إذن ليس غاية 
في ذاته بل وسيلة للبحث عن روح الشعب وتطويرها كوسيلة لتطوير الواقع ذاته ولحل 
مشاكله . تجديد التراث هو دراسة للبعد الإجتتاعي . فهو أدخل في علم الاجتماع 
الديني أو علم الاجتماع الحضاري : ومن ثم كان أحد مشاكل العلوم الانسانية . 
الحديث عن التراث إذن ليس حديثا عن الدين . فالتراث حضارة . والحضارة ناشئة 
بفعل الزمان والمكان . وكل ما في التراث ليس في الدين » وكل ما في الدين ليس في 
التراث . فقد ظهر التأليه والتجسيم والتشبيه في التراث ولم يظهر في الدين » وظهر الحبر 
في التراث ولم يظهر ني الدين » وظهرت دعوات في التراث الى الخنوع والاستكانة والرضا 
والقناعة والخوف ولم تظهر في الدين . فالتراث إن هو إلا عطاء زماني أو مكاني .» يحمل 
(10) لذلك تأسف كل الأسف لغياب هذا الطابع الوطني من معظم دراسات معاصرينا في التراث وكأنهم لا 
يعيشون عصرهم أو أي عصر بلمرة . وربما يرجع ذلك إلى أن الدافع على التأليف هو الكتاب الجامعي المقرر 


أو على أكثر تقدير الحصول على درجة علمية دون الالمزا م بأي هدف أو مجرد الشهرة والتشدق بقضية يتاجر 
مها المشاهير على صفحات الجحرائد بغية التصدر والزعامة » وهم أقرب الناس الى الارتزاق والعهر الفكري . 


23 


في طياته كل شيء . « ودين الثورة » موجود في الدين وليس موجوداً في التراث » « ودين 
التحرر ) موجود قي الدين وليس موجوداً في التراث . والنزعة اليسارية موجودة في الدين 
وليست موجودة في التراث . والتاريخ ٍ موجود في الدين وليس موجوداً في التراث . 
والانسان موجود 1 الدينٍ وليس موجوداً في التراث . ومن ثم كانت أحكامنا على التراث 
بالرفض أو القبول أحكاماً لا تمس الدين في كثير أو في قليل . وكأن اختيارنا من التراث 
لا يؤدى الى تكفير أو تضليل في الدين , فالدين ذاته أصبح تراثناء لأن. الدين قد تمثلته 
جماعة وحولته الى ثقافة طبقاً لمتطلبات العصر . لا يوجد « دين في ذاته » يل يوجد تراث 
لجماعة معينة ظهر في لحظة تاريخية محددة ويمكن تطويرها طبقاً للحظة تاريخية قادمة . 


لذلك تحاشينا استعمال لفظ « اسلامية » كوصف للحضارة لأنه لفظ ديني والقضية 
حضارية بالأصالة تفرض أسلوبها العلمي الذي يمكن التعامل به مع عديد من 
الباحثين . وفي حالاات الاضطرار القصوى فإن أمثال هذه الألفاظ الدينية لا تدل على 
أي معنى ديني بل تعني وصفاً حضارياً أصرفا أي الحضارة التي نشأت حول الاسلام 
باعتباره معطى تاريخياً وليس باعتباره دينا . ولا يعني كونه معطى تاريخياً إنكاراً للوحي . 
0 هنا واقعة حضارية حدئت في التاريخ ويهمنا ما نشأ منه كحضارة وليس مصدره 
من أين أق . تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل . تجديد التراث لا يبحث عن النشأة بل 
عن التطور . والمجدد هنا كعالم الحديث مهمته البحث عن صحة الحديث في التاريخ 
وليس عن مصدر الحديث في النبوة وصدقها . 


٠ 0‏ فهو« إسلامي (" ونحن «مسامون' . والنسية تشير الى اخضارة 
في تراث مسيحي ولا يكون هو مسيحيا أو كما يعيش الهندي في تراث هندي ولا يكون 
هندوكياً أو بوذي . التراث قضية شخصية نلتزم ها , وتختلف دراستنا له عن دراستنا 
مثلا للتراث الهندي أو الفارسبى أو الصينى أو الغربي لأننا في هذه الحالة تكون مجرد 
باحثين في حين أننا في الحالة الأولى نكون أكثر من باحثين بل نكون ملتزمين بقضية 
سخصية . تجديد التراث هو حياة المجدد نفسه . وجزء من التحليل النفسبى لشخصيته 
الوطنية من أجل التعرف على مكوناته النفسية .» فتراث المجدد في نفس الوقت ذات 
وموضوع لأن موضوع البحث هو ذاته أي وجوده التاريخي في اللحظة الحاضرة بين 
الماضى والمستقبل . لا ينظر الباحث الى التراث إذن نظرة سائح الى عام غريب . لآن 


24 


فالأحكام الخاطئة لا ترصد بل يعاد صياغتها . وأوجه النقص في التراث لا تبرر أو تنقد 
بل تكمل وتزاد . فالباحث على نفس مستوى مسؤولية المفكرين القدماء . وهم أترابه 
وليسوا غرباء عنه . فإذا انفصل الباحث عنهم وقع في الغربة » وأصبحت مسؤوليته هو 
وليست مسؤولية التراث أن يقضى على اغترابه حتى يشعر بالانتتاء وبأنه جزء من التراث 
وبأن التراث جزء منه(2'7 . ولا ينقص الالتزام بالقضية من حياد الباحث أو من نزاهته 
أو من موضوعيته . فلا تعني الموضوعية لخ عن الحكم أو عدم الغوص في الأشياء 
وأخذ موقف . فالباحث عالم ملتزم » والتزامه أساس علمه ويقوم على علم . ٠‏ بل ان 
وبتعبير معاصر نقول : الايديولوجية هى العلم والعلم هو الأيديولوجية(2١)‏ . ولذلك 
تتكشف المشاكل القديمة في شعور الباحث عاضر الخال لصي في 0 » وححيوية 
الثقافة باعتباره تحزونا نفسياً موجهاً لسلوك الجماهير . وهو موحه نحو الواقه باعتباره 
أسساً لنظرية ممكنة للتغير والتنمية . وإذا كانت ثقافتنا الوطنية ما زالت تارجح بين 
« واقعنا» . و« حضارتنا » . و« موقعنا» ء و« عصرنا » لا لندل على موقف حضاري 
خاص أو على أسلوب شخصي جماعي بل للاشارة الى الحضارة كموقف حضاري خاص 
أو على أسلوب شخصي جماعي بل للاشارة الى الحضارة كموقف شعوري 45 والى أن 
الغاية هو البحث عن أسباب التوقف التاريخى أو الانحراف الفكري أو الاغتراب 
الوجداني أو التغير الحضاري » وهوما حدث 2 كل حضارة نضع نفسهأ موضع 


(171) لذلك تغيب على معظم دراسات باحدينا في التراث عدم أخذ قضاياه كقضايا شخصية, والاكتفاء نعرضص 
المادة القديمة ىا هى الى حد التبسيط الرخيص المخل بأهمية مثل هذه القضايا للقدماء » وقد تطايرت من 
أجلها الرقاب حينذاك . في حين أن المعاصرين وقد ضاعت أرضهم وثرواتهم لم يمتزوا وم يلتزموا » وظل 
التّراث بالنسبة لهم قضية ميتة لأنهم ميتون . لذلك استعملنا ضمير المتكلم الجمع مثل « تراثنا» , 
«مرقفنا» . «جيلنا» للدلالة على الطابع الشخصي للقضية . وهو الاسلوب الذي يعيبر عن الطابسع 
الحضاري والانتماء الشخصي . ولذلك أيضاً كان « التراث والتجديد» تعبيراً عن الحياة الشخصية 
للباحث . والمشاكل التي عرضت له | إبان العشرين سنة الماضية وحرصه على التراث وعلى تغيير الواقع في آن 
واحد . وهي قضية المثقفين الثوريين هذا الجيل . 

(12) الأيديولوجية والعلم ضدان في التراث الغربي وفي مصطلحات الماركسية . ولكن في الشعور القومي لبلدان 
العالم الثالث يحرك كلا اللفظين أشواق الجماهير نحو هدف واحد ١‏ هو الالتزام بالثقافة الوطنية التي يتحد 
فيها الأيديولوجية والعلم . 


25 


البحث . وتجدد صلتها بالتراث القديم والواقع المعاصر9 "22 . 

ميداناً ؟ قيل : إن كل تجديد يصعب تصنيفه الى ما منيج أو علم أو ميدان , فالمنيج هو 
ذاته علم لأنه تأسيس للعلم . والعلم إذا كان تسا للم فهر مدا ٠‏ بان 
التأسيس . فتحليل الواقع المباشر ورؤية التراث فيه أو تحليل التراث على أنه لمحزون 
فسى عند الجراهير هو في نفس الوقت منهج نفس اجتماعي , نفسي لأنه يقوم على تحليل 
شعور الناس وسلوكهم . واجتاعي لأنه مهدف الى تحليل الواقع والى أي حد ترتكز هذه 
الأبنية على أبنية نفسية أخرى عند الماهير . ولما كانت هذه الأسس النفسية ذاتها ناشئة 
من موروث حضاري فإنه يتعين تحليل هذا الموروث ومعرفة ظروف نشأته . « التراث 
والتجديد » إذن يغطي ميادين ثلاثة 

- تحليل الموروث القديم وظروف نشأته ومعرفة مساره في الشعور الحضاري . 
2 تحليل الأبنية النفسية للجاهير وإلى أي حد هي ناتجة عن الموروث القديم أو من 
الاوضاع الاجتاعية الخحالية . 


3 تحليل أبنية الواقع وإلى أي حد هي ناشئة من الواقع ذاته ودرجة تطوره أم أنها ناشئة 
من الأبنية النفسية للجاهير . الناشئة بدورها عن الموروث القديم . وان شئنا . 
فالتراث والتجديد يود الانتقال من علم اجتماع المعرفة الى تحليل سلوك الجاهير , 
أي من العلوم الانسانية الى الثقافة الوطنية ومن الثقافة الوطنية الى الثورة الاجتماعية 
والسياسية . 

والموضوع ليس جديداً بل هو ما يتحادث فيه العامة والخاصة . وما تتناوله 
الجماهير والمثقفون . ويكاد يجمع الكل على أن هذا موضوع العصر , وأن البداية في شق 
طريقه هو سبيل الخلاص . وهو الموضوع الذي بدأه المصلحون الدينيون كى) سار فيه 
بعض الباحثين المعاصرين . ولكن التحليلات كلها إما جزئية ولا تشمل الكل . وإما 
تكتفي بمجرد التعبير عن الأماني والنيات الحسنة في تجديد التراث » وإما تعبيرات خطابية 
وأساليب بيانية تلهب حماس الناس وتعلن عن الكاتب أكثر مما تكشف شيئاً » وإما أسيرة 
قوالب التراث الغربي .تجدد من خلاله. فهو تجديد من خارج التراث وليس من داخله . 


وهذه مهمة جيل واحد . هو جيلنا » بعدها يكون المخزون من الطاقة قد تصرف 


(13) استعمل هذا الأسلوب وما زال يستعمل في الحضارة الغربية ولكن للدلالة على موقف عنصري قومي شوفيني 
متمركز حول الذات . 


26 


أو يكون المنصرف منبا قد توجه الى تغيير الواقع » ولكن بعد أن يتم البناء الفكري 
والشعوري لا يعود لتجديد التراث القديم أي معنى لأن الموروث القديم قد حول الى 
تحليل مباشر للواقع » بل يكون التراث كله قد تحول الى طاقة عملية ولم يعد له وجود 
مخزون . قد تطول المدة الى جيلين أو ثلاث . خاصة لو ركز كل جيل على جانب . 
ولكن بعدها يأتي التحليل المباشر للواقع . ويكون التراث حينذاك هو أيديولوجية 
الجماهير . وروحها المعنوية . وطاقاتها النضالية » وهذا مالا ينتهي بانتهاء الأجيال . 

ومهمة التجديد لا تقع على عاتق فرد واحد . بل هي مهمة طليعة المثقفين . 
وجمهور الباحئين نظراً لتعدد جوانب التراث وحاجته الى باحثين متخصصين . كل في 
ميدانه . ولما كانت المهمة سياسية بالأصالة فإنها تقع على عاتق الحزب التقدمي الوطني . 
فالحزب هو عصب الجاهير وروحها الذي يعبر عن متطلباتها . وهو الذي يرث الماضي 
ويعبر عن وجدان العصر . الحزب هو الذي يقوم بتجديد التراث لأنه هو المعير عن 
الجيل . والممثل لروح العصر . لا تقع مهمة التجديد على عاتق فرد بعينه . وإن كان 
الفرد يستطيع | إعطاء وحدة العلوم » ووحدة النظرة » ووحدة المنبج فهو ليس عملا 
بطولياً يعبر عن عبقرية فردية » بل هو عمل جماعي يقوم به من يتحمل تبعية تغير 
الواقع . ومن هم هؤلاء ان لم يكونوا طليعة الجماهير. وما هي الجماهير ان لم توجد 
نفسها بإيجاد الحزرب ؟ 


- الوضع الحالي للمشكلة 
وقضية « التراث والتجديد » حتى الآن تتنازعها حلول ثلاثة : 

أ الاكتفاء الذاتي للتراث : 

وعزنا 4 وتراث الآباء والاجداد » علينا الرجوع اليه ففيه حل لجميع مشاكلنا الحاضرة 3 
وتبرز معاني كثيرة من الأحاديث مثل : ١‏ لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أوها » . أو 
حديث : «خير القرون قرني ثم الذي يلونيٍ». فلا يتقدم الحاضر إلا بالرجوع الى 
المحضى 0 وأنه لا يمكن اللحاق مبذه القمة من جديد » فذاك عصر الطهارة قل انقضى 
وولى . ليس التراث قضية فخر واعتزاز بالماضى . بما تركه الآباء والأجداد لأن الاعتزاز 
بالماضى إسقاط من الحاضر عليه بمعنى أنه تعويض عن قصور جيلنا بالمروب الى 
الماضي . وتخل عن معارك العصر . كا أن الاعتزاز بالماضى انصياع للعواطف القومية 


2 


المعاصرة التى تقوم على بعث النعرة القومية الى تسربت الينا من مسار الحضارة الغربية 
في القرن المماضي . الاعتزاز بالماضي استسلام للنزعة الخطابية السائدة في عصرنا والتي 
تغطي الواقع بسيل من الخطب الحماسية . وفي غياب العقل يسود الانفعال . ولا يمكن 
تسمية هذا الموقف بالموقف المحافظ . فالموقف المحافظ يدل على وعي فكري بالقضية » 
واختيار لأحد الحلول الثلاثة » وهوموقف اليمين الواعى . ولكن هذا الموقف يكشف 
عن وضع اجتماعي لفئة معينة من الناس . تبغي المحافظة على مكاسبها والبقاء في 
مناصبها أو ترنو الى مكاسب أعظم ومناصب أعلى عن طريق المزايدة في الدين » والحمية 
في الدفاع عنه . فهي ظاهرة اجتاعية أكثر منها ظاهرة فكرية. وكثيراً ما تتحدد الظواهر 
ببنائها الاجتماعي . ويكشف هذا الموقف عن الآتي : 
ظ النفاق : وذلك لأن أصحاب دعوة الاكتفاء الذاتي للتراث لا يؤمنون بشىء » 
. ولا يبغون إلا لمحافظة على مصالحهم الخاصة . فب أنهم رجال الدين . وحملة العبائم » 
فإن التأكيد على الماضي كقيمة مطلقة فيه تثبيت لمناصبهم . وتأكيد لسلطانهم » متسترين 
وراء العلم . والدعوة الى نصرة القديم ضد البدع المستحدثة . فهو إذن موقف يقوم على 
النفاق , ولا يبغي الا المحافظة على المصالح الشخصية . ويكفي إقامة جدول إحصائي 
لجماعة العلماء والهيئات الدينية . والمبشرين مهذه الدعوة في أجهزة الاعلام لمعرفة نسبة 
دخوها من المناصب الدينية والمواقف السلفية والمزايدة على بعضهم البعض وكأنهم في 
حليبة سباق ! 

- العجز: ولما كانت هذه الفئة بطبعها إحدى طفيليات المجتمع المتخلف فإنها 
تعيش عليه » وتستمد وجودها من وجوده » ويستغلها الوضع السياسي القائم من أجل 
إضفاء الشرعية على نفسه . وتبرير وجوده أمام الجماهير . فهي إذن عاجزة عن فعل 
شىء » ولو كانت قادرة لفعلت . وتعويضاً عن هذا العجز تقيم معركتها في اهواء . 
وتبعد أنظار الحاضرين عن واقعهم ؛ وتجعلهم يعيشون في الماضي . يجدون فيه عزاء عن 
واقعهم المرير. وهو عجز فكري لأنها فئة غير قادرة على القيام بأي دور في قضية التغير 
الاجتماعي , مع أنها ما زالت مرتبطة بالشعب في المواسم والأعياد والمآتم ودروس العصر 
والمغرب والعشاء . 

- النرجسية: وعلى أحسن تقدير» ومع إفتراض الأمانة في مثل هذا الموقف . 
وأنه يعبر عن قضية . ويلتزم بمبدأ . فإن هذا الموقف ذاتي خالص تنقصه الموضوعية 
ويكشف عن ذاتية فارغة خالية من أي مضمون . هو موقف نرجسى لا يرى فيه الإنسان 
أبعد من مصالحه الخاصة . يعيش ويدور في فلك أهوائه » ولا يتكشف إلا بتأثر من 
خلاله وهوما يسمى بالمصلح الديني الذي يرفض النفاق . ويكشف عن الدين في نقائه 


28 


وصفائه . أو بتأثير من الجاعة العريضة . وهو ما يسمى بالمصلح 0 
بالثائر الذي يغير من بناء الواقع نفسه . فتتغير أبنيته الطفيلية التي تعيش عليه . وهذ 
النرجسية ناشئة ئة في الحقيقة إما عن نقاق وتستر ومساومة وممالأة ]ا هو الحال في الأول 2 
أوعن عجز وضعف وخنوع واستكانة ى] هو الحال في الثاني . 


الاكتفاء الذاتي للجديد : 


وذلك يعني أن التراث القديم لا قيمة له في ذاته .» كغاية أو وسيلة ولا يحتوي على 
أي عنصر من عناصر التقدم » وبأنه جزء من تاريخ التخلف أو أحد مظاهره . وأن 
الارتباط به نوع من الاغتراب ونقص في الشجاعة . وتخل عن الموقف الحذري , 
ونسيان للبناء الاجتماعي الذي هو إفراز منه في حين أن الحديد علمي عالمي » يمكن 
زرعه في كل بيئة . والحقيقة أن هذا الموقف يكشف أيضاً عن وجود فئة من الناس 
استطاعت أن تتحقق بما لم يصل اليه سائر أفراد المجتمع من علم وحماس وشجاعة ورغبة 
في التغيير وجذرية ونقاء » ولكنها تسبق الغالبية العظمى بمراحل . وتنتهي الى العزلة . 
هي على حق من حيث البدأ وعل خطا من حيث الواقع ٠‏ ؛ فتسرع باعادة البناء والقديم 
ما زال قائ)ا بعد . تبني فوق بنيان متهدم قائم دون أن تكمل الخدم لتعيد البناء من 
جديد . وحياة الشعوب لا تتغير في لحظة . ولربما يستغرق التغير أجيالا وأجيالا لو أردن 
للتغير أن يكون جذرياً من الأساس وليس تغيراً سطحياً متسرعاً . ويكشف هذا الموقف 
عن الآتي : 
ظ - قصور النظرة العلمية فليس التراث بغيرذي قيمة . إن لم يكن كغاية في ذاته 
فعلى الأقل كوسيلة . فالتراث جزء من المخزون النفسبى للمعاصرين . فهو إذن إحدى 
مكونات الواقع . كالعادات والتقاليد والأمثلة الشعبية » وهذه لا تلغي أو تسقط من 
الحساب بل تستخدم ويعاد ضياغتها . وتغيير الجماهير وتطوير الواقع لا يتم بطريقة آلية 
عن طريق استبدال جماهير أخرى أفضل . وواقع بواقع آخر أكمل بل بتطوير الموجود 
بالفعل دون نظر الى التكاليف أو الوقت أو الحهد . فهذا هو البناء الأبقى . وأنه ليمكن 
بسهولة تصنيع الريف عن طريق وضع آلة في القرية تدخل من جانب الفاكهة وتخرجها 
من جانب آخر معلبات . فينظر اليها الريفى بعين الدهشة والاعجاب وينقل نظرته الى 
الضريح . القادر على القيام بالمعجزات . وإلى الولي القادر على القيام بالكرامات ‏ ينقل 
نظرته هذه الى الآلة » فالكل بالنسبة إليه شيء يثير الدهشة في غياب الرابطة بين العلة 
والمعلول . فبتغير البناء التحتي لا يتغير البناء الفوقي آلياً بل لا بد من عملية إعادة تفسير 
القديم من أجل تغير النظرة للعالم . وهذا هو شرط التصنيع وأساس التقدم . 


29 


- التقليد : تخاطر هذه الفئة بالوقوع في التقليد » وباستعارة تجارب سابقة . 
وبالوقوع في العمومية ونسيان الخصوصية . وقد يصل الأمر الى حد الخيانة للواقع 
بالاضافة الى التبعية الفكرية التي قد تصل أيضاً إلى حد العمالة » ذلك لصدور الجديد 
عن بيئة ثقافية مغايرة ابي لقا الوطنية . وهى في الغالب البيئة الأوروبية سواء كانت 
الدعوة الى النظم الليبرالية أ م الى النظم الاشتراكية . لذلك كان أنصار التجديد 
متأوربين . سلوكياً أو ثقافيا . وقد نيهت حركات الاصلاح الحديثة عللى خطورة التقليد 
والتبعية » ولكن دون جدوى . فنظراً لانفصام عديد من المثقفين عن التراث القديم 
نتيجة للاغتراب الحضاري فإنهم لا يجدون بديلا إلا في التراث الغربي الذي كانت له 
الريادة منذ أربعة قرون دون وعي منهم بانحسار هذه الريادة الآن . ودون دراية بأن هذه 
الثقافة الي ينبلون منها ثقافة محلية صرفة , وليس فيها أي أثر لدعوى العالمية 
والشمول2)2*0 . 

الازدواجية : وذلك أن أكثرية هذه الفئة تربطها بأوربا أوشاج ثقافية أو دينية . 
فقد تربت في مدارس غربية خخاصة ٠‏ دينية أم علمئية »كا تشالت فيا 
ثقافيا فيه » وتظن أن التراث القديم تراث إسلامى لا يرتبطون به دينيا أو ثقافياً(15) 
ومن ثم » وجدت هذه المئة نفسها تدعو للحديث وترك القديم « الاسلامي ) ولكنها 
بينها وبين نفسها تحرص على القديم « المسيحي » وترى في تاريخ الكنيسة القبطية تاريخاً 
لمصر ء وفي تاريخ الكنيسة المارونية تاريخا للبنان . . . الخ . فهي تدعي الالحاد أمام 
المسلمين » وتؤمن بالله بينها وبين نفسها . تريد للمسلمين المواقف الجذرية » وتعيب 
عليهم الأساطير والغيبيات 5 وسيادة الوهم والخرافة ٠‏ ثم تتعبد الله وتنشط داحل 
الكنيسة . تريد منبجاً اجتاعياً جذرياً يحدد العلاقة بين الانسان والإنسان » وتؤمن 
بمنبح صوفي خالص يحدد العلاقة بين الانسان والله في حين أن النظرة العلمية تحتم 
عليهم وحدة المنبج . هذا بالاضافة إلى أن التراث القديم التراث سامي لا فرق فيه بين 
لحظاته الثلاث : اليهودية . والمسيحية » والاسلام بل إنه يجمع كل التراث السامي 
القديم ؛ الفرعوني والاشوري والبابلي والكلداني . 


الثقافة العصرية ليست غاية في ذاتها يمكن الكتابة عنها عنها . والتعرف عبا » وتقديمها 
والدعوة لها فذلك ما تم منذ أكثر من قرنين من الزمان منذ بداية عصر الترحمة 
(14) أنظر مقالنا « موقفنا من التراث الغربي» في قضايا معاصرة ج 2 « في الفكر الغربي المعاصر » ص 3 - 33 . 
(15) معظم الداعين من المفكرين المسيحيين مثلا سلامة موسى , شبليٍ شميل » فرح أنطون . يعقوب صروف . 
نقولا حداد. ولويس عوضء. وليم سليان ٠‏ مراد وهبه وأقلهم من المسلمين مثل اسماعيل مظهر . 


30 


الثاني 212 . الثقافة العصرية هي ما ساه القدماء علوم الوسائل من أجل علوم 
الغايات . وأفضل المؤلفات في مذاهبها لن تغير الواقع قيد أنملة بل على العكس قد 
تطمس معلمه . وتكدس عليه معلومات قد لا يحتاجها كلها . وقد لا يحتاجها على 
الاطلاق . فانشغال الباحثين بعلوم الوسائل ضياع للوقت والجهد والعمر.» وترسيخ 
للاغتراب الحضاري في شعور الناس . إن لم تستغل لتجديد القديم . وفك عقد الناس 
منه . الثقافة العصرية واردة من حضارة غازية .» وهي ثقافة بيئية خالصة تدعي 
العالمية » وندعو نحن أيضاً لعالميتها ؛ فنشرها يعنى نشر ثقافة بيئة مغايرة لواقعنا 
المعاصر . فهي تعمي أكثر مما تكشف , وتغلف أكثر مما تيين7 22 . موقفنا من الثقافة 
العصرية لا يكون فقط باستعالها كعلوم للوسائل بل أيضاً بأن نأخذ منا موقفاً وردها الى 
بيئتها المحلية » واكتشاف أوجه قصورها في تحليل واقعها المحلي بشعور محايد هو 
شعورنا » ويكون هذا أكبر إضافة جديدة منا على الحضارة البشرية والاكتفاء بين 
الحضارات . 
التوفيق بين التراث والتجديد : 

ويعني هذا الموقف الثالث الآخذ من القديم ما ب: يتفق مع العصر . وإرجاع الجديد 
لقاييس القديم , ٠‏ فهو موقف شرعي من الناحية النظرية يود أن يستوعب مزايا كلا 
الموقفين السابقين وأن يتخلى عن عيوبم) . وقد عبر الكثيرون عن نواياهم للقيام بهذا 
الدور. ولكن إعلان النوايا شيء . وتحقيقها شيء آخر خاصة لو تم ذلك بأسلوب 
خطابي . فإذا تم شيء فإما يتم لحساب القديم وبذلك يرجع الى الموقف الأول وإما 
لحساب الحديد وبذلك يرجع الى الموقف الثاني . لذلك بقيت المشكلة نحتاج الى دراسة 
والى تحديد الصلة الدقيقة بين التراث والتجديد بنظرة علمية بعيدة عن كل خطابة أو عن 
تحقيق أية مصلحة شخصية . وقد ظهرت عدة محاوللات جادة للتراث والتجديد تتم 
بطريقتين :- 

- التجديد من الخارج . ذلك عن طريق انتقاء مذهب أوري حديث أو معاصر 
ثم قياس التراث عليه » ورؤية هذا المذهب المنقول في تراثنا القديم وقد تحقق من قبل . 
ومن ثم نفتخر بأننا وصلنا الى ما وصل اليه الأوربيون المعاصرون بعشرة قرون أو أكثر 
من قبل . فهناك أرسطية ليبرالية . ومادية اشتراكية » وديكارتية اصلاحية . وكانطية 
أخلاقية » وماركسية غربية » وشخصيانية اسلامية » ووضعية أصولية 0 29') 
(16) أنظر مقالنا : « موقفنا الحضاري » في قضايا معاصرة ج 1 ص 46 - 50 . 
(17) أنظر مقالنا : « رسالة الفكر » في « قضايا معاصرة » ج 1 ص 3 16 . 
(18) نظرا لأهمية هذه الدراسات فإننا تكتفي هنا بإعطاء تماذج منها الى حين عرضها عرضا مستقلا وإيفائها حقها 


31 


الخ . وهي اتجاهات نشأت بعد أن استطاع عدد من الباحثين الذهاب الى الخارج ف 
بعثات أولى وتعلموا المذاهب السائدة في ذلك الوقت أو نقوهها طبقا لزج والبيئة 
والثقافة » ثم رجعوا يروجون للمنقول . وبعد حين وجدوا أنفسهم أيضاً في بيئتهم 
المحلية فلم يتنكروا لما منذ البداية أو تنكروا لما ” م عاوددم الحنين الى الماضى بعد 
اكتشاف اغترامهم وانعزالهم عن الثقافة القومية أو ريما على أسوء تقدير تبعاً للتيار ودخو لا 
في التيار الثقافي الوطني . أخذوها في الاعتبار » ودرسوا التراث بمنظور مذهبهم المنقول 
ولكن النية ل تكن معقودة أولاً للتراث والتجديد بل خضعت إما للنطور الفكري 
للباحث أو لتنوع كتاباته أو رغبة منه في إعادة التأقلم مع بيئته الثقافية ورفضه أن يكون 
دائرة منعزلة هامشية غريبة على التراث القديم 1 ويكون الكاتب دخيلا على جتمعه 
وقومه . وي كل الحالاات ينشأ التجديد من الخارج عرضاً وليس قصدأ » وما زال هدفه 
هو الاعلان عن الباحث والدعاية للكاتب . وأخذ شرف التجديد والمعاصرة . 


- التجديد من الداخل . وذلك عن طريق إبراز أهم الجوانب التقدمية في تراثنا 
القديم ٠‏ وإبرازها تلبية لحاجات أحصر من تقدم وتغير اجتماعي . فتبرز الاتجاهات 
العقلية في تراثنا القديم عند المعتزلة , أو نظريات الاسلام في الشورى . أو نظرياته 
الاقتصادية في الملكية العامة وفي تنظيم الزكاة ؛ أو نظرياته القانونية في التشريع بوجه 
عام » ولكنها جميعاً محاولات جزئية تبرز بعض الجحوانب التقدمية الأصلية . في تراثنا 
القديم » ولا تعطي صورة عامة للتراث كله وإعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر . في حين 
أن المطلوب تطويرها وتوسيعها حتى تكون هي روح العصر . وإعطاء نظرة متكاملة 
للتراث . كما أنها تقع في الانتقائية وأخذ ما تريد وترك ما لا تريد . فالمحافظ له نفس 


من التحليل والنقد ى] قمنا بذلك من قبل مع أعمال د . عبد الله العروي في مقالنا « العرب والفكر 
التاريخى » . 

د . زكي نجيب محمود : تجديد الفكر العربي . دار الشروق 1971 . 

د. زكى نجيب محمود : المعقول واللا معقول . دار الشروق . 

د . زكي نجيب محمود : ثقافتنا في مواجهة ة العصر . دار الشروق . 1976 . 

د . عبد الله العروي : الأيديولوجية العربية المعاصرة ( بالفرنسية ) . ماسبيرو 1970 . 

د . عبد الله العروي : العرب والفكر التاريخي . دار الحقيقة 1973 . 

د. محمد عزيز الأحبابي : الشخصانية الاسلامية . دار المعارف 1969 . 

أدونيس : الثابت والمتحول ثلاثة أجزاء . دار العودة 1974/ 1977/ 1979 . 

صادق جلال العظم : نقد الفكر الديني . 

الطيب تيزيتي : مشروع رؤية جديد للفكر العربي من العصر الجاهلٍ حتى المرحلة المعاصرة. من التراث. الى 
الثورة . حول نظرية مقترحة في التراث العربي . الحزء الأول . دار ابن خلدون 1976 . 


32 


الحق الذي للتقدمي في انتقاء بعض الجوانب المحافظة في تراثنا القديم والاعتاد عليها في 
الحد من التغيرات الاجتماعية . ويكون كلاهما على صواب ينتسب الى التراث . ويحافظ 
عليه » ويربطه بحاجات العصر. والمطلوب هو إعادة تفسيرها لمعرفة أسباب وجودها في 
تراثنا القديم وكيف أنها كانت قدهاً تمثل جوانب تقدمية بالنسبة للعصر الذي نشأت 
فيه . كا يغلب على هذه المحاولات أحياناً الطابع الخطابي الحمامي الدفاعي تعبيراً عن 
الاحساس بالنقص وتعويضاً عن ذلك بالعظمة بالنسبة للغير . فهى قد ترضى الأذواق 
وإن لم تكن كافية لاقناع العقول . ولا توجد إلا محاولاات معدودة لاعادة بناء علم بأكمله 
أو العثور على محور أساسي للقديم كله 

قضية التراث والتجديد هي في الحقيقة قضية « التنظير المباشر للواقع ) ضد 
خطأين شائعين : الأول الذي يتحدث عن العصر وكأن العصر يحتوي على حلوله في 
ذاته وأنه يكفى مجرد إجابة متطلباته حتى تحل مشاكله . ويتحرك بعد ركود . ولكن 
العصر ذاته يحتوي على المخزون النفسي القديم باعتباره أحد مكونات الواقع 
الدخول في الواقع مباشرة ومحاولة تنظيره فهو نقص في النظرة الموضوعية . وإغفال 
للأساس النفسي لسلوك الجاهير . والتعامل مع الظواهر الانسانية وكأنها ظواهر طبيعية 
خالصة . وقد تتضارب التفسيرات للواقع الواحد بناء على الاختلاف النظري المسبق 
لدى الباحثين . ولو أخذ الواقع لني في الحسبان لتكاملت نظرتهم . واتفقت 
تفسيراتهم . إنه لمن السهل على أي باحث أن يحلل الواة ع السطح مباشرة . فا أسهل 
على القارىء أن يسمع تحليلاً لواقعه مباشرة » ولكن الواقع أكثر تعقيدا لأنه يقوم على 
الزمان وعلى التراكم الزماني . الواقع تاريخ ممتد كميدان للفعل . ولا يمكن فهمه إلا 
| داخل مسار التاريخ ‏ الوحدة الكلية . وقد يود الباحث إظهار براعته في التحليل 
ظ ووصف الواة قم المسطم للاعلان عن نفسه متوشحاً بالأسلوب . ولكنه إن لم يأحذ الواقع 
ذاته بجميع مكوناته مكان الصدارة . وتخفي الباحث وراءه فإن الواقع سيظل عنيدا 
مقاوما لا يتغير . إن التحليل المباشر للواقع بلا تنظير ما راجع الى نقص أيديولوجي عند 
الباحث . نائىء عن نقص في الوعي النظري أو عن خوف من الانتساب الى نظرية . 
أو عن تراجع في الاعلان عن موقفه بالرغم من رؤيته بينه وبين نفسه مدى صدق 
أيديولوجية ما . ويظل الباحث يتخبط في كل اتجاه فهذا أسلم له من أخذ موقف معين . 
وهنا يكون الموقف هو عدم انخاذ موقف . 

والخطأ الثاني هو الذي يبدأ باستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة 
أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث والمنقول . فالتراث والتجديد ليس المقصود منه 
التعامل مع معطيات ثقافية والاصلاح بينها بل المقصود منه إدراك الواقع بنظرية علمية . 


33 


ويقوم أصحاب الموروث وأصحاب المنقول في نفس الخطأ وهو البدء بنظرية مسبقة وعلى 
الواقع أن يتكيف طبقاً لها . وإن اختلفا معأ في مصدر هذه النظرية وليس في أسسها 
وصلاحيتهاء فكلاهما يدافعان عن فكر لا عن واقع . وكلاهما من أنصار التراث وليس 
من أنصار التغيير. أما محاولات التجديد فإنها أيضا تتم عن طريق الجمع بين التراثين» 
الموروث والمنقول. من أجل التوفيق بينه| وكأن العصرية تعني إتفاق التراث القديم مع 
التراث العصري . فهي محاولات فكرية وإن كان الواقع هو المقصود . أما « التراث 
والتجديد» فهو القادر على التنظير المباشر للواقع لأنه يمد الواقع بنظريته التي تفسره. 
وقادرة على تغييره . فالتراث هو نظرية الواقع » والتجديد هو إعادة فهم التراث حتى 
يمكن رؤية الواقع ومكوناته . وسواء بدأنا من التراث لفهم الواقع أو التنظير المباشر 
للواقع . فكلا المنبجين . النازل والصاعد . يؤديان الى نفس النتيجة » ويصلان الى 
نفس التحليل إن تم تطبيقهه| معاً وليس كلا منها على انفزاد » فلا الواقع يستنبط من 
الفكر . ولا الفكر يأتي من الواقع المسطح الحزئي وإن كان يأتي من الواقع العريض . 
وذلك راجع الى واقعة الوحي الذي هو مصدر التراث . وكيف أنه جاء تلبية لنداء 
الواقع » وتكيف على أساسه . 


34 


انياً : أزمة التغيير الإجتماعى 
سس سس س0 


1 - أزمة التغير فى واقعنا الحاضر 
2 قضية الملاد النامية . 
3 شهات ومحاوف . 


أزمة التغيير الإجتاعى 


1 أزمة التغيير في واقعنا المعاصر 


والتراث والتجديد رد فعل على أزمة التغيير للواقم الاجتماعي نظراً لتعثر محاولات 
التغير واصطدمها حميعاً بقضية التراث كمخزون نفسى عند الجماهير . وكا أن هناك 
اتجاهات ثلاثة في مشكلة التراث والتجديد على المستوى النظري فإن نفس الاتجاهات 
الثلاثة موجودة أيضاً على المستوى العمل وهي المسؤولة عن أزمة التغيير . 


يحاول البعض التغيير بالتكالب على قيم التراث القديم . والرغبة في تحقيقها 
ككل . واعتبار الواقع عالما جاهلا إما يتقبل هذه القيم ككل أو يرفضها ككل . فإذا 
قبلها فهو المجتمع المؤمن » وإن لم يقبلها فهو المجتمع الكافر الذي يجب الخروج عليه . 
وغالبا ما تصطدم هذه المحاولات بالسلطة فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . 
وتتعثر هذه المحاولات للاسباب الآتية : 


1 - سيادة النظرية الالهية على الفكر النظري . ولذلك خرج تصور أنصارها 
لنظام الواقع على أنه حكم المي . فالحاكمية لله بصرف النظر عن طبيعة هذا الواقع 
وعن مكوناته » وارتبط التغيبر المنشود في أذهان المثقفين بالدعوة الى الحكم الثيوقراطي 
وهوما ناهضت الانسانية في التراث الغربي من أجل التخلص منه الى الحكم 
الديموقراطى وهو التفسير العقلى الواقعى لحاكمية الله بفعل الشورى . .وبدا أن الغاية 
هي الدفاع عن الله وليبس التغيير الاجتماعي » وبدت الدعوة دينية متطاولة على 
السياسة . وغير قادرة على ممارسة قضايا التغيبر الإجتماعي التِى تحتاج الى علم دون 
دين » والى واقعية دون إيمانية مسبقة . وكانت النتيجة ابتلاع العالم كله داخل 


37 


الإلميات . كما أصبح العدل جزءا من التوحيد في فكرنا الديني المتأخر » ولم تستطع هذه 
المحاولات تفسير الالهيات على أنها اجتماعيات . وتحويل الدين من علم للعقائد الى علم 
انسأني . 

2 - وقف تطور هذه الدعوة فكرياً » ووقوفها عند مرحلة معينة من مراحلها , 

وعدم الأخذ في الاعتبار التطورات الجديدة والمستمرة التي تطرأ على على الواقع والتي تحتم 

على الفكر النظري اللحاق بها . ومن ثم تأخر الفكر الاصلاحي الحديث عن مستوى 
التطور للواقع المعاصر وبدا متخلفاً ٠‏ لم يزد على على الحركات اللاصلاحية الحديثة شيعا 5 وم 
يدفع الفكر الاصلاحي الحديث خطوة أخرى إلى الأمام إن لم يكن قد تآخر خطوات . 
دون استثار للإحياء الاعتزالي » والتأكيد على استقلال العقل والارادة » ودون تطوير 
وللاهوت الثورة » » ودون معالحة لقضايا الأرض . ودون تجنيد للجاهير» ودون 
إصلاح للتعليم أو للقضاء من داخله » وهي المحاولاات الي بدأها فكرنا الاصلاحي 
وتركناها بلا تطوير . 

3 - عدم القدرة على تحويل الالهيات الى فكر نظري . ثم تحويل الفكر النظري 
الى أيديولوجية سياسية اقتصادية واضحة العام يمكن صياغتها بطريقة عقلية علمية 
صرفة » ووضع برنامج شامل تتحقق فيه هذه الأيديولوجية . ويصبح هذا البرنامج دليلا 
للعمل الثوري . ومن ثم كانت الرغبة ما زالت ملحة على فكرنا المعاصر في البحث عن 
أيديولوجية « إسلامية » في مقابل الأيديولوجيات المعاصرة. وستستمر هذه المحاولاات 
لتغيير الواقع في تعثر ها طالما أنه لا توجد أيديولوجية لها واضحة المعالم يجد فيها الواقع 
تعبيراً عن ذاته , وتجد فيها الجماهير تحقيقاً لمصالحها . ولا يكفي هنا إعلان النوايا 
الطيبة » وإثبات حقائق بلا برهان . والفخر بأن لدينا كل شيء . فالمهم هو عرض ما 
لدينا بصورة علمية » متكاملة . ومقبولة كافتراض نظري يثبت صدقه عند التحقيق . 
ويدخل ضمن أيديولوجيات العص 219 . 

4 - سيادة التصور الرأسالي للدين . وهو التصور الطبقي له » نتيجة للايمان 
بالتصور الحرمي للعالم . وهو ما ورثناه قدياً من نظرية الفيض أو الصدور . الذي يرتب 
الكون طبقاً لمراتب الشرف والكمال » كلما صعدنا إلى أعلى زادت مراتب الشرف . وكلما 
نزلنا الى أسفل قلت مراتب الشرف . هذا التصور الذي يضع الناس والطبقات 
الاجتماعية ويرتبها بين الأعلى والأدنى لا بين الامام والخلف . هو التصور الرأمي للعالم 
وليس التصور الأفقي . وهوما تابعنا فيه التراث الغربي أيضاً الذي ينشر هذا النوع من 


(19) أنظر مقالنا ٠‏ « الايديولوجية والدين » في قضايا معاصرة ج 1 ص 128 146 . 


358 


الفكر الديني لأنه فيه إرساء للنظام الرأسمإلي وتأسيسأ له على أسس نظرية ووجدانية 
للشعوب المستعمرة وللبلاد المتخلفة . لذلك إنحاز أنصار هذا الفكر الى الرأسالية 
وعادوا الاشتراكية » ولو أنهم كانوا مناهضين للاستعمار والملكية ومظاهر الاقطاع والفساد 
الاجتماعي . فهم يؤمنون بالملكية والتفاوت في الرزق » ويدافعون عن الغيبيات 
والقضاء والقدر. كا يؤمنون بالثنائية التقليدية بين الروح والبدن . الدنيا والآخرة . 
الجنة والنار» الملاك والشيطان مما يسبب فصياً في حياة الفرد بين عالمين . يعيشهما 
متجاورين أو متمايزين أو مخلوطين أحدهما بالآخر. يعيش الفرد دنياه ويدعي آخرته أو 
بعيش آخرته ستارا لدنياه » هذه الثنائية التي هي أساس كل مظاهر الازدواجية في 
سلوكنا القومي 2209 . 

5 معاداة كل محاولات التجديد على المستوى النظري . وإتهام كل محاولة جريئة 
بالالحاد والشيوعية والماركسية » واتهام كل محاولة تغمير الأسامن النظري اهرميٍ أو 
الثنائي إلى أساس واحدي طبيعي بالمادية والكفر . مع أن الفكر الطبيعي كان موجوداً ف 
تراثنا القديم عند الطبائعيين » ولا ضير أن يبدأ الفكر بتبنيى الواقع والبداية منه ورفض 
كل الحاولات لتعميتة والاقلال من شأنه والقضاء عليه وتحويله الى شىء مخالف له ف 
الوهم أو الخيال أو التمني . والتوحيد في النهاية يشير الى وحدانية النظرة ٠‏ ووحدانية 
الطبيعة » ووحدانية العالم » ووحدانية الوجود الإنساني . التجديد إذن كان قاصرا 
متردداً , ولم تكن به الجرأة ة النظرية الكافية ىا هو الحال في « لاهوت الثورة » في البلاد 
النامية . 

6 - سيادة التعصب بدل الوعي الفكري . وسيطرة الحمية الدينية بدل الالتزام 
الواعى خاصة إذا انضم الشباب . وعمت الدعوة قطاعات الشعب جميعاً. 
فالأيديولوجية مجموعة في الافكار المستقاة من الواقع والي تنظر الواقع . وتقبل التغيير 
والتعديل طبقا لتطورات الواقع » ومن ثم فهي ضد القطعية 576 ؛ وعلى نقيض 
الروح الدحماطيقية » وهنا تأي أمية التنوير العقلي حتى تظهر الدعوة في قالبها الفكري . 
والانفعال في النباية هو قصر نظر إن ل يكن غيبة النظر على الاطلاق » ونقص في الوعي 
الفكري . وعدم القدرة على الاحساس بالآخر . وعدم قدرة على التحقيق والانجاز 
وكأن الانفعال يخلق واقعه من خلال ذاته ولا يحتاج الى واقع آخر تتحقق فيه أماني 
الانفعال ورغباته . 

7 جدل الكل أو لا شيء عند المارسة . فالناس إما مؤمنون بانتسابهم الى 
(20) أنظر مقالنا . « التفكير الديني وازدواجية الشخصية ه في قضايا معاصرة ج 1 ص 111 127 . 


39 


الجماعة أو كافرون بخروجهم عليها . فهم صنفان . صنف مع وصلف ضد . 
واليديولرجية كل لا يتجزا إما تطبق أولا تطبق . وليس هناك ممال لأي تطبيق جزئي . 
أو أي زيادة أو نقص في الايمان كا كان يقال في تراثنا القديم . في حين أن الواقع هو 
الواقع 5 حو بالؤمن ولا باقر ؛ قد يتجه نحو الأيديولوجية وقد يبتعد عنها ولكنه لا 
يكون أبدا خالياً منها أو مطابقاً لما . وواقعية أية دعوة في تبنيها نظم الواقع المتفقة معها 
وتكملتها وتطوير ما يحتاج الى تطوير منها. فالدعوة لا تأتي على لا شيء. وقد جاء الوحي 
قديما على تراث سابق أكده وطوره الى مرحلة جديدة . وتخطىء الثورات الحديثة عندما 
تظن أما تبدأ من لا شىء وتجب ما قبلها . فالغلظة منافية لتجنيد الجماهير . والاتهام 
للناس مناف للعمل معهم . وإلا يكون الداعي كمن يقطع أنفه 
- تغيير الواقع بالقوة دون انتظار لتجنيد الجماهير . واستعمال العنف ضد 
الجماعات . وليس ضد الطبقات . فالصراع يتم على المستوى الرأسي لا على المستوى 
الأفقي . والعنف الثوري لا يحدث إلا إذا وثقت الجماعة الشورية أن الجاهير كلها 
معها. وأنه لا أمل في تغيير الأوضاع الاجتاعية عن طريق نشر الوعي الجماهيري . إنه 
ليصعب استعمال العنف الثوري في بيئة تعتبر نفسها أمة واحدة . ومع جماعة ترتبط فيا 
ب بالعروة الوثقى » وفي شعب يجمعه الحصير والمصطبة » ويستمعون للراوي ولأخبار 
. وفي النهاية » قد يكون المخزون النفسى عند اللجاهير » طبقات وأفرادا ؛) هو 
5 الأول للسلوك الذي يجب المصلحة الخاصة . وقد يكون في القاء التحية على قوم - 
تحية السلام في « السلام عليكم  »‏ مذهبة لغضب أو إعلان لثورة أو تأكيد على وحدة 
الجاعة أو إبراز للمصلحة العامة . واغتيال الأفراد لا يقضى على الأفكار . 


9 - تغيير الواقع بالوثوب على السلطة دون انتظار لتجنيد الجماهير. مصدر 
السلطة . ومن ثم كانت مثل هذه الدعوات أقرب الى محاولات الانقلابات منها الى تغيير 
اجتماعي بالفعل . وقد ينشأ هذا الأسلوب من ذهن يسيطر عليه التصور الحرمي المركزي 
للعالم » ويعطي الأولوية والفاعلية والحكم للقمة على القاعدة وللمركز على المحيط . 
وكان السبب في القضاء على هذه المحاولاات هو إصطدامها مع السلطة واتهامها بالوثوب 
عليها وتدبير المؤامرات لقلب نظام الحكم الشرعي . في حين أن إعداد الجاهير للثورة 
الشعبية هو العمل الثوري الباقى . وما السلطة السياسية إلا نتيجة لوعي الجماهير . ولا 
تأتي إلا في نهاية المطاف لا في أوله » وتأتي الرقابة على السلطة من القاعدة إلى القمةم 
وتشارك في الحكم . 


(21) أنظر مقالنا : «كي لا تقع في أخطاء الماضي » الجمهور يناير 1976 . 


40 


0 - الاعتهاد على التنظييات السرية وغالباً ما تكون مسلحة مما يقوي العقلية 
المتآمرة » والاحساس بالاضطهاد . والانفصال عن الآخرين . والرغبة في السيطرة . في 
حين أن الحق يعلن عن نفسه خاصة في هذه المرحلة التي يتم فيها تجنيد الجماهير . 
واجتماعهم على مبادىء بسيطة واضحة . إن السر ضد العلن . والايديولوجية الواضحة 
تمارس في العلن في حين أن أيديولوجية السر تمارس في السر . وتدعوفي الخفاء » ى) هو 
الخال في الدعوة الشيعية التقليدية . ولماذا السر والوحي يعلن عن نفسه . والجماهير 
والسلطة . الحاكم والمحكومون . الكل يبدأ من الوحي كمعطى نظري ووجداني . ولا 
يرفض أحد توجيه الوحي للواقع . والاختلاف في التفسير حسمه بمصلحه الجاهير؟ 
وقد تبدأ الدعوة الاجتماعية كلما زاد الإعلان عن العلن2»*2 . 


71- تنظيم الجاهير في جماعات مغلقة ينقصها الحوار . والايمان بأنهم وحدهم 
على حق والآخرون على باطل كمعظم التنظييات العنصرية . ولكنها عنصرية فكرية 
ومنبجية وعملية وعقائدية . اقتربت 2 من المجتمع المغلق الذي يتحدث لنفسه . 
ولا يسمع إلا ما يريد . غاب الحوار. وأصبح الخلاف في الرأي إنشقاقاً. وأصبح 
التصلب سمة في المارسة » وجرت العادة على تصنيف الآخرين في قوالب جامدة . 
يستحيل بعدها الحوار معهم . وبالرغم تما كانت هذه الجماعات المغلقة من شعبية واثار 
على مستوى التربية القومية إلا أنها ٠‏ نظرأ لطبيعتها الغلقة ساهمت في تحديد الأفق 
وصعوبة الحوارمع الآخرين. وإن حدث فبنية الدفاع أو التفنيد دون الاستعداد للتخلي 
عن أي من المسلمات : | 

2 مطالبة الجاهير المنتسبة للدعوة بالطاعة المطلقة .» وغياب الطابع الديمقراطي 
الحر داخل الجماعة ما يسهل الانشقاق عليها من أجنحتها المختلفة . صحيح أن ذلك 
يدل على دقة التنظيم ومدى استعداد أنصاره للتضحية ولكنه يجعله أشبع بالنظام 
العسكري الذي لا تجوز فيه المراجعة » وتجعل الأفراد مجرد أدوات للتنفيذ . مما يرجعنا 
للنموذج الشيعي للدعوة والطاعة الواجبة للامام . والخطورة أن تنفصل القيادة عن 
جماهيرها العريضة وأن تكون في قراراتها أقرب الى المناورة السياسية والمارسة الحزبية منها 
الى تحقيق مصلحة الدعوة » وتكون مهمة الكوادر تبرير القرارات للقواعد العريضة 
فيبلغ الجميع ما تقرره القيادة ) وقد ينتهي البناء كله الى الضياع » وتكون الجىماهير هي 
الضحية . 


(22) بدأ نحويل الاسلام من دعوة سرية الى دعوة علنية منذ دخول عمر بن الخطاب الاسلام » وذهابه الى الكعبة 
شاهراً سيفه معلناً عن دينه الحديد . 


41 


3 - سيادة التصور الجسي للعالم . والبداية بالحجاب . وعدم الاختلاط . 
والأمر بغض البصر . وخفض الصوت . وكلما ازداد الحجاب ازدادت الرغبة في معرفة 
المستور . والدعوة السياسية الاجتاعية أرحب نطاقاً وأوسع من هذا التصور الجنسبي 
للعلاقات اجتاصة » ولماذا يصنف المواطن الى رجل وامرأة ؟ ولماذا ينظر الى الانسان 
باعتباره ذكراً أم نثى ؟ إن تأكيد النظرة الانسانية أو الاعلان عن الثورة السياسية من 
شأنه إحداث ثورة في السلوك الفردي دون ما حاجة الى اللجوء الى التصنيف الجنبى 
للمواطنين » خاصة وإن كان لا يدل على فضيلة بل يدل على رغبة جنسية مكبرتة أو 
حرمان جنسي في حالة من التسامي والاعلاء(222 . 


4 البداية بالمحرمات . والتشديد في العقوبات . وإصدار قوائم 
للممنوعات . وجعل السلوك الانساني نحقيقا للنواهي دون ذكر للمباحات الي يمكن 
للانسان أن يتصل من خلاها بالطبيعة» وجعل العالم مواطن للشبهات لا يجوزللإنسان أن 
يحوم حوها خشية التردي فيها . هذا كله يمنع الثقة بين الانسان والعالىم. ويضع في 
الانسان الخوف بدل الشجاعة . والاحجام بدل الاقدام .» ويجعل الانسان متشككا في 
سلوكه . متهما لنفسه . نادما باستمرار على ما فعل ثما يرسخ في نفسه الاحساس بالذنب 
الناتج عن الاقتراب من « التابو» أو من مجرد التفكير فيه . والوعي السياسي يتطلب 
القضاء على كل هذه المحرمات التي تخضع لتحليل العقل ولوصف الواقع . مما يعيد 


38 - البداية بقوانين العقوبات أو بتطبيق الحدود . وكأن الاسلام يأتي أولاً 
بالرجم والقتل وقطع اليد والتعذيب لأناس لا يعيشون في بيئة إسلامية . ولم يتربوا 
التربية الاسلامية » ولم يأخذوا حقوقهم التِى أعطتها لهم الدولة الاسلامية . وبل هم 
يعيشون في مجتمع الاستغلال والفقر. ومن ثم يسقط حد القطع بالشبهة . ويواجهون 
بالاثارة الجنسية في كل مظهر من مظاهر الحياة » ومن ثم يسقط حد الرجم بالشبهة . 
وقد وصف الأصوليون أحكام الوضع وجعلوها قائمة على السبب والشرط والمانع , 
بالاضافة الى العزيمة والرخصة والصحة والبطلان . فكل حد لا بد أن يتوافر فيه سبيه ع 
وبتحقق شرطه . ولا يوجد مانع من محقيقه » فشرط تطبيق حد القطع هو السرقة عن 
شبع لا عن جوع . وسبب تطبيق الحد هو توافر الأهلية وليس وجود مواطن في مجتمع 
يقوم على السرقة والنبب والتطلع للكسب بشتى الطرق . فالجوع مانع من تطبيق الحد . 


(23) أنظر مقالنا « قرأت العدد الماضي من الآداب » قضايا معاصرة ج 1 ص 235 245 . 


42 


وإن تصوير أي دعوة للناس على أنها تعاقب وتهدد لهي دعوة منفرة لا تنتشر إلا بين 
الصبية والمراهقين . 

أما الأخطاء الناتجة عن التحليل السيامي للموقف فهي ليست أخطاء جوهرية . 
قد يقع فيها أي تنظيم , وهي في معظمها أخطاء ناتجة عن المنظور الفكري للجماعة وعن 
تكوينها الفكري والديني , فهي ليست أخطاء من حيث المبدأ ولكنه فقط سوء تصرف 
من حيث المارسة : 


ويقع لم أتصار الحديد 5 أزمة ممائلة وهم بصدد تغيير الواقع 4 وتنتهي حاولا تهم 
أيضاً الى الفشل للاسباب الآتية : 


1 التشدق بألفاظ صعبة على الجمهور . تضفى على القائلين مها صفة التعالم 
وكأن الانسان لا يغير واقعه ولا يثور عليه إلا ببذه الجعبة من الألفاظ . صحيح أن 
الاساس النظري لكل تغير ضروري ٠‏ ولكن الواقع الفج في كثير من الأحيان يكون 
بديلا عن الأساس النظري أو بإمكانه أن يتحول الى أساس نظري مباشر في بيئة تغلب 
عليها ساطة العمال والفلاحين وتعمها الأمية . لذلك لم تنتشر إلا 2 بعض أوساط 
المثقفين 1 وانحسرت عن الجماهير العريضة وعن الأوساط الي له مكنا فهم الألفاظ عن 
حقيقة واقتناع لا عن تعالم وترديد . وكأن الثورة السياسية محتاجة الى هذه الجعبة الطويلة 
0 التى تغنى عنبها الأمثال العامية والمأثورات الشعبية . 


- التبعية لفكر الغرب . والوقوع ضحية عالمية الثقافة » وهو ما يضر أيضاً 
أدا تي وبقضيتهم التي يعملون لها وهذا لا ينفي عالمية النضال على المستوى 
العمل . وتبلغ هذه التبعية أحياناً درجة التقليد الأعمى والعالة الفكرية وكأن النظرية 
المقروءة والتي نشأت من واقع غربي خاص لا من العموم والشمول ما يمكن به أن تنطبق 
على واقع آخر مغاير وخاص . فنقل الفكر ضار بالفكر المنقول لأنه يفصله عن واقعه 
الخاص . وضار بالواقع الجديد الذي له نظريته الخاصة . والفكر ليس كالمتاع ينقل من 
بيئة الى أخرى بل هو المعبر النظري عن واقع خاص . 

3 معاداة التراث القومي للجاهير واستبداله بتراث آخر منقول لا تجد فيه 
الجماهير ذاتها » ومن ثم تظل دوائر منعزلة يسهل جرفها أمام تيار ثقافي قومي . لذلك 
يسهل إتبامهم بأنهم دخلاء ويصل الاتهام الى حد الخيانة والتكفير وإهدار الدم . في 
حين أن الثورة السياسية هي تلك التي تقوم على أساس من الثقافة الوطنية للشعب والتي 


43 


تقوم بدورها على ما يفرزه الشعب من ثقافة تلقائية طبيعية ممثلة في أمثلته وحكاياته 
وأساطيره ودياناته . ولا يكفي إبراز الفنون الشعبية من رقص وموسيقى حتى تصبح 
الدعوة شعبية » ولكنها تصبح كذلك بالفكر الشعبي الممثل في الدين والأمثال أي في 
'المخزون النفسبى عند الاهير , لا فرق في ذلك بين ثقافة المفكرين وثقافة الجماهير . 

4 نقصان التنظير المباشر للواقع ؛ واستبدال نظريات مفروضة عليه به مع أن 
الرؤية الحسية المباشرة غالباً ما تكون أوضح من كل النظريات الجدلية الممكنة ومن ثم 
تكون الدعوة القائمة على النظرة العلمية للواقع قاصرة على تحقيق ما تطلب لأن الواقع 
ليس هو نقطة البداية بل هو ميدان لتححقيق الظرية » ولولم تتحقق النظرية فإن الخ 
يكون في تركيب الواقع وليس في مراجعة النظرية . وهذا ضد المنبج العلمي الذي يغير 
من البناء النظري من حيث هو مجموعة من الافتراضات وطبقاً لبناء الواقع الذى هو 
معطى لا بديل عنه ولا تغيير له . وبالرغم من ظهور الواقعية قي الفن | لأا م تظهر ف 
الفكر ولا في المنبج ولا في المارسة . 

4 عدم وجود برنامج نوري قاثم على تايل احصائي للواقع يعبر عن مصلحة 
الجماهير وتتقبله الناس » أما البرامج العامة مثل الملكية العامة لوسائل الانتاج » والتسيير 
الذاتي , والمزارع الجماعية أو الجمعيات التعاونية فإنها لا تكفي كدليل للعمل الثوري . 
إن الواقع الخاص يفرض نظريته الثورية بطريقة أكثر وضوحاً وسفوراً من تطبيق البرامج 
الثورية النظرية ٠‏ ففي بيئة تتكون من ثانية عشر مليوناً من الفلاحين يعيشون على > 
ملايين فدان . لا يكون الحد الأعلى للملكية فيها أكثر من ثلث فدان . وفي بيئة يكون 
متوسط الدخل القومي فيها للفرد لا يتجاوز مائة وعشرين جنيهاً سنوياً لا يمسمح بنظام 
لللأجور تتفاوت فيه الدخول من واحد الى خمسين . إن الواقع الشوري هو مصدر 
البرنامج لا النظرية الثورية*©) . 


- الانتظار الطويل حتى تتقبل الجماهير الدعوة وحتى يمكن إقناعها بالأيديولوجية 
وحتى يتم تخريبها بفضل الطليعة الثورية » وقد لا يحدث ذلك في جيل واحد . وتدل 
التجارب الماثلة على أن الجهد المبذول كان أكثر من النتيجة التي حصل عليها » وكأن 
الطليعة عحالث مع نفسها واحماهير شبز رؤوسها حيرة وتململاً في حين أنها قد تهرع الى 
مصطبة أو الى حصير لسماع الراوي أو المقرىء في الأفراح والمآتم . ومن ثم محدث 
الفصل بين الطليعة وجماهيرها . وتتحول الدعوة إلى أندية فكرية يعلم أفرادها بعضهم 
بعضاء ولا تخرج الى الجماهير العريضة التي تلتف في المواليد حول الأعلام والبيارق . 


(24) أنظر مقالنا: « الفلاح في الأمثال العامية » وقضايا معاصرة ج 1 ص 269 280 . 


44 


الاستيلاء على السلطة إيماناً بأن السلطة هي السبيل لتغيير الواقع » وتكون 
النتيجة أيضاً كما هو الحال عند أنصار القديم الاصطدام بالسلطة والانعزال عن 
الجماهير . وفرق بين العقلية الثورية والعقلية الانقلابية . الأولى هي التي تبدأ من 
الجماهير حتى تنحاز الى الدعوة أو على الأقل في أغلبيتها . والثانية هي التي تبدأ من 
السلطة وتفرض الدعوة على الجماهير . وفي هذا لا تفترق الدعوة عن أي نظام تسلطي . 
وتكون ضحية لنظام تسلطي آخر عن طريق انقلاب مضاد ول بات الوحي من حيث 
هو دعوة ‏ إجباراً للناس بل كان تلبية لنداء الواقع 5 وتعبيراً عن أشواق الجماهير 
المعذبة » المضطهدة والمستغلة . وتظل عقلية القفز على السلطة عقلية موروثة تحتاج إلى 
إعادة بناء فكري ١‏ وتغيير منبجي » وذلك بإعادة بناء التصور الهرمي للعالم والتصور 
الذي يجعل القمة دون القاعدة مصدر السلطة . 

العمل السري من أجل تحقيق الهدف كا هو الحال عند أنصار القديم وكأن 
التعببر عن مصلحة الجماهير بالأساليب العلنية غير شرعي . والحقيقة أن العمل لسري 
هو عمل غير شرعي من حيث بناء الدولة » ومنبج الفكر . والقاعدة الجاهيرية ٠:‏ 
قضايا التغيير الاجتماعي » والعمل السياسي المستنير ليس تلصصا ولا رما 
للمخدرات بل هو مفتوح حت ولد لان ل ا 0 فالكلمة قد تكون أكثر 
مضاء من السيوف . ولكنها شرعية » وتعبر عن أسلوب جماهيري وبطولة شعبية تراها 
الناس في ثقافتها الدينية مثل « الدين النصيحة » وأن الشهادة في قول كلمة حق في وجه 
حاكم ظَالم . وهنا تخلق القيادات الشعبية التلقائية عن طريق الأمر بالمعروف والنبي عن 
المنكر . وهوما يمارسه الشعب كل يوم في نطاق ضيق . نطاق الأخلاق . 

- استعمال العنف ليس فقط ضد السلطة ولكن ضد الدعوات المعارضة ٠‏ ومن 
ثم الاصطدام بالجاهير التي هي مضمون العمل السيامي وركيزته . وهنا لا فرق بين 
أنصار التغيير بواسطة القديم أو الجديد . لذلك نشأ التطاحن بينها . وفرق بين العنف 
القهري والعنف الثوري . فالأول أقرب الى الجرائم السياسية منها الى الثورة 
الاجتماعية . أما الثاني فقد يحدث بعد استنفاد وسائل التغيير الاجتماعي ونحقيق مصلحة 
الأغلبية وتجنيد الجماهير أي حصول الأغلبية الثورية ثم محاولة الأقلية السيطرة عليها 
وقهرها بالعنف . هنا يكون العنف الثوري رد فعل على العنف القهري الذي تمارسه 
الأقلية . وشتان ما بين حال الجماهير الآن وسلبيتها أمام دعوة سياسية وحين تجنيدها 

الأغلبية الثورية2*50 . 

0 - تفتيت الوحدة الوطنية بتفضيل الصراع الطبقي على الوحدة . والوقوع في 


(25) أنظر مقالنا : « كاميلو توريز » » القديس الثائر » في قضايا معاصرة ج 1 ص 2817 318 . 


45 


التفسير الحرني للأيديولوجية المنقولة دون ما علم بتطوراتها وتأقلمها طبقاً لواقع العالم 
الثالث الذي تكون فيه الأمة أو الجماعة أو الأسرة هي الأساس الحضاري والنفسي للتغير 
الاجتماعي. ويكفي وعي الأغلبية بمصالحها وسيطرتها على وسائل الرقابة الشعبية 
وترشيد سبل الحياة » وإعادة تخطيط الاقتصاد والسياسة القومية على أساس عقلاني حتى 
تتحقق مصلحة الأغلبية . وفي مرحلة النضال الوطنى تبرز وحدة الشعب . وفي مرحلة 
الثورة الاجتماعية قد تبرز أيضاً وحدة الشعب . ولكن المهم هو كيفية التعامل معه . 
وتنشيط مخزونه النفسي وترائه القديم حتى يكون موجهاً للسلوك . 

1- إذا ما استحال الاستيلاء على السلطة . فإنه يمكن مصالحتها على أساس 
إتفاق يقوم على تنفيذ الحد الأدن من مطالب الدعوة . ولكن ينتهي الأمر بأن تصبح 
الدعوة تابعة للسلطة ومبررة لأخطائها . وينتهي الأمر بابتلاع السلطة لها . واعتمادها 
عليها . وإضفاء الشرعية على قيادتها الوطنية وثورتها الاجتماعية بدليل تأييدها من 
الجماعات الثورية » وعمل هذه لحساما . فإذا عصت هذه الحماعات غضبت السلطة 
عليها حتى التوبة ويعلن عن الصفح والغفران » ويعود الوثام » والكل محدوع . فلا 
السلطة تؤكد وجودها الشرعى من تبرير فئة لها . ولا الجماعة تنال من تحقيق أهدافها 
شيئاً بتبعيتها للسلطة وتبريرها المنظم لقراراتها » وينتهي الأمر في النهاية الى التعايشية . 

2 الفصل بين الأيديولوجية والاخلاق مما يجعل الجاهير التى ما زالت تربط بين 
الحق والخير نافرة من الانتساب الى الجباعة الثورية والتوجه اليها بقلبها . فالمقياس 
الخلقي عند الىاهير هو في الحقيقة مقدمة للانتاء الفكري والانضمام السياسي للجماعة 
الثورية . الجماهير ما زالت تؤمن بالقدوة الحسنة » وبالفعل الطيب وبطاعة أوامر 
الدين » واجتناب نواهيه » ومن ثم كان من السهل أن تخرج قياداتها الوطنية من أئمة 
المساجد وفتوات الحارات . فالقدوة الحسنة هى الرباط بين الماهير وقيادتها » وهى في 
الغالب قدوة حسنة خلقية ٠‏ فهي جماهير سنية أي تتبع سنن السابقين», وتتأبى 
بالرسول . وتتبع سنته . ولا عذر هذه الدعوة في إرتكاب أخطاء سياسية في تحليل 
الموقف لأنهم أهل دراية بالتحليل السياسي أو أي خطأ في المبادىء ذاتها أو في درجة 
الالتزام بها . 


يقع أنصار هذا الأسلوب في التغيير في أزمة مماثلة للفريقين السابقين وذلك راجع 
للأسباب الآتية : 


1 - عدم وجود أساس نظري واضح يمكن قيام التغيير الاجتماعي طبقاً له . ومهما 


46 


كانت هناك من محاولاات مه مثل هذه الأسس فإنها انتهت إما الى الميوعة الفكرية » 
أو الى مجرد إعلان النوايا » أو الى العواطف طف الطيبة النبيلة » أو الى العبارات الحسنة أو 
الى الخطابة الجوفاء . وكأن الأساس النظري لا يمكن التوفيق فيه بل لا بد من تأسيسه 
ابتداء من إعادة تفسير القديم والتنظير المباشر للواقع ؛ فالقديم يعطي الهدف ., والتنظير 
يعطي الوسيلة . لا يعني التوفيق المصالحة بين المحافظة والتقدمية . أو الإبقاء على 
مصالح الأغلبية والأقلية معاً » فهذه الميوعة هي السبب في الغموض النظري . وما 
أوضح أن تكون الأرض لمن يفلحها . والمصنع لمن يعمل فيه . والجامعة لمن يتعلم 
فيها . 

2 - القيام بالتغير الاجتماعي لصالح طبقة معينة » هي الطبقة ا متوسطة ) وهي 
القادرة على تمثيلها لمصلحة اللماهير . بعد أن قادت نضاها الوطني سلا أو حرباً ) وهي 
الطبقة التى بيدها صنع القرارات السياسية » حتى شعرت الجماهير أمامها بأنها أمام نوع 
من الإقطاع الحديد أكثر انشاا ٠‏ وأوسع رقع » وأقصح لساناً »وأبلغ خطابة » وأمكر 
أسلوباً من الاقطاع القديم . فانحسرت عن عملية التغير . بعد أن اكتسبت مناعة ضد 
قاموس المصطلحات السياسية من اتحادات » وهيئات » ومنابر » وتنظيهات » وتحالفات . 
وهي الألفاظ الرائجة التي لم تعد ت تشير الى أي معنى أو تدل على أي مضمون وأصبح 
الشعب نافراً من الشعارات الرنانة وهو يعلم أنها لا تبدف إلا لملىء فراع أجهزة 
الاعلام : 


3 معاداة أصحاب التغيير الجذري . أنصار القديم أو أنصار الجديد معا. 
وضرب جميع القوى الوطنية التي أفرزها الواقع تلقائيا حتى تتم للدعوة الحديدة السيادة 
باعتبار أنها ممثلة للوسط دول التطرف ناحية اليمين أو اليسار . والاستثثار بالسلطة . 
ورفض أي مشاركة شعبية جادة . فتم إلغاء كل شيء لساب لا شيء ؛ ومن ثم 
السياسي » كما ظلت تبني في الحواء » خطى عل 0 
ومؤسساته . وكان يكفي لزوابع السياسة أن تهببا فتهدم البناء ولا نجد من يدافع عنه أ 
حتى من يبكي على الاطلال2260 . 


6 أنظر مقالاتنا و عن اللامبالاة » . بحث فلسفى قضايا معاصرة ج 1[ ص 177 195 «القرف . تحليل 
لبعض التجارب الشعورية » ص 196 207 ١‏ الطلبة والمشاركة في العمل الوطني » ص 230 - 231 
١‏ برنامج شباب أعضاء هيئة التدريس » ص 232 234 « الشعب ومؤسساته » ص 250 - 262 « الأبعاد 
الحقيقية للمعركة » ص 263 268 . 


47 


- إنتهاء الجاهير العريضة الى السلبية التامة واللامبالاة المطلقة » تقرر لما 
السلطة الحرب والسلام » وتقوم بدلاً عنها بال هزيمة والنصرء وتنظيمها في هيئات 
واتحادات وتنظييات ومنابر » وتستنكف من الأحزاب وهو النشاط لتلاني الطبيعي 
للقواعد الجاهيرية . وعكفت على أزمتها اليومية » تفرغ كل طاقاتها بها أو في مظاهر 
مفتعلة للنشاط كالنوادي الرياضية والليلية » أو في التصوف والجحنس . أو في السفر 
والحجرة . أو في المعارك في المركبات العامة , أو في الموالد والأعياد » واستحال قيام ثورة 
بلا جماهير ثورية . وكانت البارقة الوحيدة الانتفاضات: الطلابية والشعبية الأخيرة التي 
تعيد الى الأذهان حيوية الجماهير وارتباطها بالقضايا المصيرية مهما طالت استكانتها . 
وعمت سلبيتها » ورضيت بواقع أمرها . 


- الترقيع في عملية التغيير الاجتماعي . وترك الأساس كما هو خاضعاً للأمر 
الواقع . وتغيير الجزء وترك الكل . وتحريك السطح وترك الأعماق . فالتغير الاجتماعي لم 
يتعد إعادة التوزيع على قاعدة أعرض ىا هو الحال 2 الاصلاح الزراعي دون إعطاء 
الأرض لمن يفلحها . وإعطاء العامل حقه في حدود قيمة العمل اليدوي بالنسبة لقيمة 
العمل الاداري . وإعطاء الطالب استقلاله ورفع الوصايا عنه في حدود طاعته للادارة 
الجامعية وأخذه موافقتها على نشاطاته الاتحادية ومطالبه الفعوية . بل وضرب الفئات 
بعضها ببعض . وخلق المنافسة بينه| في الأجور حتى تجاب المطالب . وتحقيق التغيير 
الحزئي دون المساس بجوهر القضية وهي : لصالح من يخطط الاقتصاد القومي ؟ ١‏ 


ولا كانت السلطة الوطنية من أنصار التوفيق بين القديم والجديد كان التغيير 
يحدث من السلطة وباسمها وكانها ‏ عملية مفروضة بالرغم من تلبيتها لحاجات الجماهير . 
وكان قبول الناس للها طاعة للسلطة وليس تحقيقاً لمطالبهم حتى أصبحت السلطة هي 
القادرة على فعل كل شيء . وعانى الناس من المركزية وضاعت من الحاهير مبادرتها ‏ 
واعتمادها على الخلول الذاتية » وأصبح الرئيس هو شيخ القبيلة » ورب الأسرة . والأب 
الروحي ٠‏ وكبير العائلة الذي 0 اليه الناس عند الشدة لفض الخصومات . ولحل 
المشاكل . وهو يطابق المخزون النفسي عند الجماهير وتصوراتها ال هرمية والمركزية للعالم . 

أما أخطاء السلطة في التحليل السياسبى فهى أخطاء لا تغتفر لأن بيدها مقاليد 
الأمور وباستطاعتها الاستعانة بما تريد من إرشاد ونصح وتوجيه لسلامة القرار. فإن لم 
تفعل وجب محاكمتها أمام الشعب . خاصة لو أدت هذه الأخطاء الى احتلال جزء من 
الأراة ضى الوطنية » وتبديد الثروة القومية . 


48 


2 قضية البلاد النامية 


وقضية التراث والتجديد جزء من العمل الأيديولوجي للبلاد النامية » إذ أنه عمل 
على الواقع . وبحاولة للتعرف على مكوناته الفكرية والنفسية والعملية » هي قضية 
تصفية المعوقات الفكرية للتنمية » ووضع أسس فكرية جديدة لتطوير الواقع . فإذا كان 
ما تشكو منه البلاد النامية على المستوى الأيديولوجي هو عدم الوضوح النظري . 
والتذبذب بين أيديولوجيات الغرب والشرق معا فإن عملية « التراث والتجديد » هي 
الكفيلة بتحقيق هذا الوضوح . وإعطاء أيديولوجية قومية للبلاد النامية تنبع من 
أرضها . وتمتد جذورها في تاريخها . وتجيب متطلبات واقعها . تكون الأيديولوجية 
حينئذٍ تعبيراً عن الثقافة الوطنية للشعوب , وتأكيداً لذاتيتها وإبقاء على هويّتها(”© . 

قضية التراث والتجديد هي القضية الجوهرية للبلاد النامية إذ أنها تتناول البحث 
عن الشروط الأولية للتنمية . وتلبي حاجة ملحة لاح وتكمل نقصاً بدأت تشعر به 
البلاد النامية الآن وهو عدم الاعتناء بتنمية العنصر البشري . فليست التنمية مجرد 
استثار للموارد الوطنية أو الأجنبية ٠‏ وزيادة في عدد المصانع المستوردة أو في تأسيس 
القطاع العام , بل هي استثار بشري يهدف الى خلق عنصر جديد قادر على التنمية . 
ومؤهل للقيام بعمليات التطور. وإذا كان عديد من قادة البلاد النامية ومفكريها يشعرون 
الآن بأن التنمية وإن كانت قد تمت في الاقتصاد إلا أنها لم تتم بعد في الإنسان فإن قضية 
« التراث والتجديد ) هي الكفيلة بإعادة بناء الانسان في البلاد النامية عن طريق اكتشافه 
لبعده التاريخي » وإعطائه أسساً نظرية لل: للتغيير .» وتفجير طاقاته المخزونة » وخلق ثقافته 
الوطنية » وتحريك الحاهير السلبية » وإنزالها بكل ثقلها الى ميدان التطور والتنمية . 

« التراث والتجديد » محاولة لتحقيق متطلبات العصر للبلاد النامية من الناحية 
النظرية والعملية والتغلب على مأسيه وهزائمه » ودفع التنمية خطوة أخرى حتى تكون 
بضة شاملة كنا من أخذ زمام الريادة في العالم ؛ أيديولوجياً وفعلياً » معنوياً ومادياً . 

وأهم هذه المتطلبات : 

1 التحرر من الاحتلال » وكل صور الاستعار المباشر بالاحتلال العسكري أو 
غير العسكري بالقواعد العسكرية والمعونات الاقتصادية وجيوش السلام والجماعات 
التبشيرية والمؤسسات والهيئات والمدارس والمعاهد الأجنبية . إذ يختلف باحث اليوم عن 
باحث الأمس . فبينما كان باحث الأمس مستقلاً . فاتحاً للأرض » ناشراً لواء الثقافة . 


(27) أنظر مقالنا : « دور المفكر في البلاد النامية » قضايا معاصرة ج 1 ص 17 40 . 


49 


مؤثرأ ف الحضارات المجاورة مكتشفاً للعلوم وواضعاً لنظريات » ومصدر حضارة 
للآخرين . فإن باحث اليوم محتل » ضاعت الأرض من تحت قديمه » مستعمر ثقافيا ‏ 
يخضم لآثار الحضارة الغربية » ناقل للعلم » طالب للعون ‏ سائل المساعدة » متسول 
ف الأسواق . هذا الاختلاف يفرض على باحث اليوم اختيارا لا مناص منه » وهو إيثار 
الأرض على كل ما عداها خاصة إذا كان الفكر الذي تثله حضارته لا يبغي الا استقلال 
الأرض وتحرير من عليها . حينئذ يصبح استقلال الأرض للباحث المعاصر هدفه 
وغايته » وتتحول الأرض قْ شعوره الى ميتافيزيقا وشعر ء ورواية وقصة » الى حنان 
وشوف » بعد أن أصبحت بكاء ودموعا » مرارة وأمى ذلا وعارا(**»2 . فإذا كان هناك 
لاهوت فهو « لاهوت الأرض وإذا كانت هناك فلسفة فهى فلسفة الأرض » وإذا 
كان هناك تصوف فهو تصوف الأرض ٠‏ وإذا كان هناك شعر فهو شعر الأرض » أو 
رواية فهى رواية الأرض 2١‏ أو فقه فهو فقه الأرض . وإذا أسسنا لاهوتا فهو « اهوت 
التحرر» وإذا أقلمنا فلسفة فهي فلسفة التحررء وإذا أنشأنا تصوفا فهو تصوف 
الثورة . وإذا شرعنا فقهاً فهو فقه النضال , وإذا فسرنا دينا فهو دين التنمية . وقد كثر 
في حولنا لاهوت الأرض من أجل سلب أرضنا , فالصهيونية هي لاهوت الأرض ١‏ 
والاستعار هو ايديولوجية الأرض » ونحن ما زلنا في نضالنا ضد الصهيونية والاستعمار 
لا نقيم وزنا في فكرنا الوطني الى لاهوت الأرض » وشعر الأرض . ومن ثم كان فكرنا 


م 


الوطني على المستوى النظري متخلفاً عن أيديولوجيات التحرر الوطني المعاصرة . 


2 التنمية ضد التخلف . وهي مأساة العصر الثانية ؛ والتخلف يشمل الجوع . 
وسوء التغذية . والفقر. والمرض ., والأمية » والجهل . وعدم استغلال الثروات 
الطبيعية » وغياب التخطيط طويل المدى . وضعف المؤسسات . التخلف يشمل 
التخلف المادي والمعنوي على السواء», المعنوي مثل سيادة الأسطورة » والخرافة . 
وانفعال » وعيادة الشخص . والنفاق » والتملق . والزلفى » والخوف . والسلبية ٠‏ 
والاستكانة » والقضاء ء. والقدر . فانتساب الباحث للتراث القديم » ووعيه بدوره 
كمفكر طليعي يجعله يرى أنه يعيش في مرحلة من تطور حضارته » يحكم عليها 


(28) أنظر مقالنا و لاهوت الأرض » الحوار الديني والثورة ( بالانجليزية ) ص 125 - 173 وأيضاً « الله 
والشعب » والأرض » ص 127 - 181 ك) يتضح ذلك في عديد من الكتابات المعاصرة مثل « الروائي 
والأرض » للدكتور عبد المحسن طه بدر . ورواية « الأرض » لعبد الرحمن الشرقاوي ولفرقة « الأرض » في 
الأغاني الشعبية » وف يوم و الأرض » في الأراضى المحتلة ٠‏ وفي عديد من قصائد المقاومة الفلسطينية في 
ديوان « عاشق من فلسطين » مثل : وآه يا جرحى المكابر » أنا لست مسافر . ووطني ليس حقيبة » أنني 
العاشق . والأرض حبيبة » . 


50 


بالتخلف . وهو نفسه يعاني منه » ويفكر فيه كمشكلة . بالاضافة الى موروثه القديم . 

ويجد نفسه في موقف اعادة بناء القديم أمام قضية التخلف وهي قضية العصر الثانية . 

يرى في القديم صورة العمران ومظاهر الازدهار والتقدم 5 ويرى في واقعه صور الفقر 
وجوانب التخلف والنكوص . حينكذ يجد الباحث نفسه مضطرا لاسقاط مفاهيم 
التخلف والتنمية على البناء الفكري في التراث القديم . ولا يستطيع الباحث إلا أن 
يفعل ذلك وإلا لكان طائراً في امهواء يحط بجناحيه على أية شجرة يصيبها . قضية التنمية 
تفرض نفسها على الباحث ولا يستطيع إلا أخذها في الاعتبار وهو بصدد صياغاته 
الفكرية وإقامة نظرياته لتطوير الواقع . وقد تخلف فكرنا الديني . ونحن في قلب البلاد 
النامية » عن الفكر الديني في بلاد نامية أخرى , أميركا اللاتينية مثلا » ولم نربط بعد بين 
الدين والتنمية » بين الإيمان والتقدم » بين اللاهوت والتغيير الاجتماعي » وما زلنا نضع 
الدين في جانب الإيمان والتنمية في جانب الإقتصاد . 


3 - التقدم ضد الركود الفكري . والنبضة ضد توقف الحضارة عن مسيرتها . 
وهي مأساة العصر الثالثة . إذ أننا نعيش في عصر من البلادة الفكرية لم يشهد التاريخ 
لنا بمثله . حتى في عصر الشروح والملخصات كان المؤلفون يحفظون التراث بالشرح 
والنلخيص والتجميع في الموسوعات , والتأريخ لتراثهم ولروحهم . فالقديم ) هو 
بثقله يكتم الأنفاس , والجديد كما هو بتغطيته للواقع أكداساً فوق أكداس ء والتبريرات 
للأوضاع القائمة هوالفكر الشامل» ثم يشتكي ارون مد البلاد » ويتضجرون من 
الركود . مهمة «١‏ التراث والتجديد » القضاء على هذه لله من ركو الفكري الذي 
يسود عصرنا الحاضر . » فكلنا نشكو من عدم وجود تيارات فكرية أو إتجاهات فلسفية . 
وأنه يغلب, علينا النقل والتجميع والعرض من أجل التعريف بالتيارات القديمة أو 
المعاصرة أو من أجل دفع كتاب مقرر يدرس بالجامعات . الحركة الفكرية [ لدينا هذه 
الأيام إما اجترار للقديم وتكرار لما وصل اليه من صياغات فكرية وعلوم عقلية أو نقلية 
حتى طغى الموروث على واقعنا المعاصر . وأصبح فكرنا مشدوداً للقديم وفي حركة وائبة 
الى الوراء بالنسبة لواقع في تقدم وتغير مستمر . وأصبح من الصعب على الفكر في وقوفه 
اللحاق بالواقع في مساره . وإما نقل وترجمة عن التراث الغربي أو تعريف بمذاهب حتى 
سرت فوق الواقع طبقات سميكة من المذاهمب الأوروبية تغلفه ولا تطوره .» تطمس 
معالمه ولا تظهره . فإذا كانت الحركة الثانية طغياناً للجديد على القديم فكلاهما طغيان 
على الواقع : « التراث والتجديد » هو السبيل إذن لقيام حركة فكرية أصيلة يمكنها 
الوقوف موقفاً نقدياً من القديم الموروث . ومن الحديد المنقول بناء على متطلبات 
الواقع . والقضاء على الركود والبلادة العقلية اللذين لم يتركا للشباب إلا أن ينحصر في 


51 


الوظيفة أو المكسب » فإن ضاقت اليد فالهجرة » فإن تأزم الفكر فالدين والجنس . إثارة 
قضية و التراث والتجديد » هى الكفيلة بخلق جو ثقافي حضاري يساعد على ظهور 
فريق من الباحثين والمفكرين بدلا من هذا الجدب الثقاني الذي نعيش فيه . والتباكي 
على ثقافتنا المعاصرة بأنها قد خلت من كل فكر جاد , ولم يظهر فيها أي عمل فلسفي 
شق طريقا أو أرسى بداية . وبأننا ما زلنا ننتظر فيلسوف العصر كما ننتظر الأنبياء . 

. مهمة (١‏ التراث والتجديد» حل طلاسم الماضي مرة واحدة وإلى الأبد » وفك 
أسرار الموروث حتى لا تعود الى الظهور أحياناً على السطح وكثيراً من القاع . مهمته هو 
القضاء على معوقات التحرر واستئصالها من جذورها . وما لم تتغير جذور التخلف 
النفسية كا خرافة والأسطورة والانفعال والتأليه وعبادة الاشخاص والسلبية والخنوع فإن 
الواقع لن يتغير . وما أسهل أن يتبدل الشبح بالآلة والعفريت بالمحرك فكلاهما يؤدي 
نفس الغرض . فاستعمال الساذج للآلة لن يقضي على إيمانه بالجن والاشباح إلا إذا أعيد 
بناؤه النفبي » ومن ثم القضاء على طلاسم الماضي وأسراره الى الأبد . مهمة « التراث 
والتجديد » التحرر من السلطة بكل أنواعها » سلطة الماضى وسلطة الموروث . قلا 
سلطان إلا للعقل . ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه » وتحرير وجداننا 
المعاصر من الخنوف والرهبة والطاعة للسلطة سواء كانت المووث أو سلطة المنقول . سواء 
كانت سلطة التقاليد أم السلطة السياسية . مهمة « التراث والتجديد » هو تفجير طاقات 
الانسان المختزنة المحاصرة بين القديم والجديد كحصار الانسان في اللاهوت المسيحي 
بين آدم والمسيح » بين الخطيئة والفداء . 


3 شبهات و حارف 


كثيراً ما أثيرت بعض الشبهات حول « التراث والتجديد » وبعض المخاوف منه . 
ولكنها في الحقيقة لا أساس ها وتظل الفائدة أكثر من الخسارة إن كانت هناك خسارة على 
الاطلاق . والشبهات في المقدمات والمخاوف من النتائج : 
أ-شبهات في المقدمات 


1 لا يعني هذا العلم الحديد أو إن شئنا هذا الممبج في تحليل الظواهر بإرجاعها 
الى المخزون النفسى القديم التخلى عن أية نظرية علمية أساسية على أساس أن الواقع 
ذاته لا صلة له يمخزون نفسبى أو بماض موروث » وأن الواقع له مقوماته من ذاته في 
أبنيته الاجتماعية ووسائل انتاجه . وطبيعة علاقاته لأن الاتجاه النضبي للبشر جزء من 


52 


تصورهم للواقع بل جزء من الواقع ذاته . فالواقع أبنية وسلوك . مواقف واتجاهات . 
بل أن الاتجاه النفسبي هو الواقع كله سواء من قبل الجاهير المكونة للواقع أو من قبل 
المحلل الذي تتحدد رؤيته للواقع بإنجاهه النفسي مه)| قيل في الموضوعية والحياد . 

تتحقق الموضوعية كاملة لو كان الاتجاه النفسي للباحث مطابقا للواقع النفي ولمقتضيات 
سلوك الجاهير . فالواقع الحي . واقع الناس . واقع الجماهير . 5 يكون هو الواقع 

أملصمث . والواقع 3 له يتحول الى واقع اجماعي إلا من خلال سلوك ّّ 
واتجاهاتها ومواقفها . الواقع الحي أبنية نفسية » وعقبات إجتماعية » وتصورات للعالم . 
وهو الواقع الجحديد الذي تعطيه نجارب البلاد النامية » وإضافة جديدة تعطيها الشعوب 
المتحررة حديثاً . قد لا يكون هذا هو الواقع ماثلا الآن في الشعوب الأوربية الغربية 
نظراً لسيادة الواقع الكمي الاحصائي . ولكن الواقع في البلاد النامية طبقا لنظرة 
علمية متكاملة - عو الوه قع البشري وهو الواة قع الكيفي الذي ما زال هو المحرك 
للجاهير . والحامل 77 والخالق لقيمها . 


2 - ولا يعننى هذا المنهج الوقوع في نظرة مثالية تود تغيير الواقع بتغيير الأفكار . 
وتفسير الظواهر الاجتاعية بتغيير أبنيتها الفوقية وذلك لأن التراث القديم ما زال حياً في 
وجدان الحماهير وما زالت القيم الموروثة هي الموجهة لسلوكها . والحقيقة أن هذه 
المشاكل المنبجية مثل : أيه| هو العامل الموجه : البناء الفوقي أم البناء التحتى ؟ أيبها له 
الأولوية : الأبنية الاجتاعية أم النظريات ؟ هذه المقابلات كلها تنتج عن وضع صوري 
للمسائل وهو الوضع الذي يفصل بين جانبي الظاهرة الواحدة .» الصوري والمادي , 
نتيجة لفقدان التوازن في شعور الباحث . وتعود على تفسير الظواهر بعامل واحد . وهو 
من آثار الاتصال بالحضارة الأوربية التي فقدت شعورها المحايد ووعيها المتزن 25 . ١‏ ' 


والحقيقة أن الظاهرة لاا هى صورية ولا هى مادية بل هى ظاهرة شعورية » أي 
أن الأبنية التحتية -إجتماعية وسياسية واقتصادية_والأبنية الفوقيهمن نظريات وآراء وموروثات 
تم توحيدها في الأبنية الشعورية . وهي الأبنية الفعلية التي تحدد سلوك الجاهير .. 
فالواقع خارج الشعور خواء . والنظرية خارج القصد لا فعل لها . بل تتحدد الأفعال 
والوقائع بكونها أبنية للشعور . فالتراث القديم جزء من أبئية وجداننا المعاصر وأحد 
مكوناته كا أن الواقع جزء آخر وأحد مكوناته الأخسرى . والفكرة التي تؤمن مها بالجماهير 
تتحول الى سلوك . والواقع الذي يعيشه الناس يتحول الى مشاركة . وهذه أيضا إضافة 
(29) هذا هو موضع القسم الثاني من ٠‏ التراث والتجديد » بعنوان « موقفنا من التراث الغربي » . ( وقد ظهر بيانه 
النظري هذا العام « مقدمة في علم الاستغراب » المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع » بيروت . 

.) 1 


53 


نظرية تعطيها البلاد النامية طبقاً لتجاريها الثورية المعاصرة في مقابل النظرية الآلية أحادية 
الطرف في الشعور الغربي . 

ومع ذلك . إذا قيل أن منبج تغيير الواقع بتغير الأفكار أولاً هو منيج ج مثالي لأنه لا 
يتغير شيء في الواة قع مال يغير في الفكر أولاً , ٠‏ قيل : حتى ولو كان هذا منبجاً مثالياً إلا 
أنه ليست به عيوب المثالية التقليدية وذلك للاسباب الآتية . 


1 ى أنه 

ايل سه كار جردة لسع سلرك حي ناي عله علا 

ب - الفكر موروث نفسي عند الجاهير , تفسر به ظواهرها تفسيراً غيبياً . 
ويسهل به خداعها وتعميتها عن واقعها باللجر. مثلا الى الله كمصدر للسلطة وكأساس 

ج - العمل هو الواجهة ة الأخرى للفكر . والحزب هو الطريق لتحقيق الأفكار : 
لا تير يحدث في الواع إلا إذا كان من عل أساس فكري . وهذا يحدث في الطليعة 
أولا ثم فق الجماهير ثانيا . لا يحدث التغير إلا بعد حدوث الوعي بالتغير . والوعي 
بالتغير هو وعي سياسي أو وعي حضاري وهذا لا يحدث إلا بوعي أيديولوجي . 


د العمل الايديولوجي جزء من تغير الواقع وأساسه النظري » ولن يتغير الواقع 

إلا بعد عمل أيديولوجي » وهذه إضافة البلاد النامية على الرصيد الثوريٍ البشري . 
وتحريك الجماهير ليس فقط عن طريق ثورتها على الأوضاع القائمة بل أيضاً ثورتها من 
أجل تحقيق قيمتها الى أخذت مدلولات جديدة قادرة على تحريك الجماهير . ومن ثم 
تأتي مصلحة الجحاهير بالتبعية لا بالأصالة » وفي الدرجة الثانية لا في الدرجة الأولى . 

وفي الغباية لا في البداية . 

ه - المثالية بطبيعتها دعوة الى الثورة والتغيير » خاصة إذا كانت تياراً للشباب . 
فقد فهمت الثالية خطأ عن قصد . وذلك باتهامها بأنها انعزال عن الواقع . وقضاء 
عليه » وتحويله الى فكر . في مقابل الواقعية الملتزمة بالواقع . والبادئة منه , ٠‏ وال تعيش 
عليه . في حين أن العكس هو الصحيح , فامثالية حركة رفض اراقع ٠‏ ومناداة بواقع 
أفضل . وثورة على الوضع القائم . وتطلع نحو المستقبل . في حين أن الواقعية تسليم 
بالأمر الواقع ؛ وإبقاء على الأوضاع القائمة وفهم لما هو موجود دون وضع احتالاات 
أخرى لا يمكن أن يكون موجودا . وهذا الفهم الجديد للثورة الكامنة في المثالية إضافة 


54 


من التجارب الثورية للبلدان المتحررة حديثاً والنتي نحن جزء منها . 

3 - لا يبدف ١‏ التراث والتجديد » الى مجرد قيام بحركة « تكتيكية ) عملية ‏ 
تهدف الى تحقيق غاية نفعية عاجلة بلا أساس نظري دائم وبلا مقياس أصدق بل هو 
تطور طبيعي للمجتمعات على مستوى الفكر . صحيح أن تجديد التراث قائم على منفعة 
خالصة وهو استعال طاقة لمحزونة غير مستغلة عند الجماهير ونحن بصدد تحريكها وتغيير 
قيمها وتوجيهها نحو الثورة وتحقيق مصالحها . ولكن الأمر يتعدى ١‏ التكتيك » بل 
ويتجاوز « الاستراتيجية » . تجديد التراث أمر حقيقي على مستوى نظري . وت 
طبيعي للمجتمعات في تعاملها مع حضاراتها . ومصير التراث كمصير المجتمعات يتطور 
ويتحول . وينتقل من عصر الى عصر. يضع فيه كل روحه فيتشكل بفعل روح 
العصر . تجديد التراث عملية فكرية استقلالية دف الى غرض نفعي خالص . هي 
جزء من عملية التطور والتنمية أو هي شرطها ودلالتها » هي عملية تتم فيها وحدة 
الشعوب وتجانسها في الزمان . وتتجاوز بها مخاطر القصم بين مايه وحاضرها . وهي 
عملية تسمح بها أصول التراث ذاتها » والمنبع الذي صدر منه أ عنى الوحي الذى حوى 
أواقع في بللته , والدي تكيف ميقا العوره » وهوم وبح أساساً في علم أصول الفقه 
في الأصل الرابع من أصول الشريعة أعني الاجتهاد الذي جعلته الحركات الاصلاحية 
مبدأ الحركة في التراث . لا يعني التراث والتجديد أية نزعة « برجماتية » بمعنى استغلال 
الدين لصالح الثورة بل هي عملية نظرية تحتوي على مقاييس صدقها النظري . صحيح 
أن مقياس صدق الفكرة ة هو تغييرها للواقع ومدى أثرها في الحياة العملية » ولكن ينتج 
عن تحليل خاص للواقع ؛ وأيضا من تحليل لمضمونه القديم الذي يحتوي على هذا 
المقياس . الصدق النظري موجود في أنماط فكرية ثابتة ساها الأصوليون المناط . 
وتحقيقه هو المتغير من عصر الى عصر . وإن أهم ما يميز التراث في أصوله وفي نشأته 
ونطوره هو حركته وعدم ثباته . فالوحي قد تغير طبقا حاجات الواقع ؛ والتشريع يتغير 
طبقا لتغيرات العصر . ومصادر الشرع الثالث والرابع أعني الاجماع والقياس من أجل 

تحقيق التغير في كل عصر . والفرق الإسلامية وتعددها ناشئة عن اختلاف الأوضاع 
الثقافية وردود الفعل عليها بالمذاهب الكلامية . والتصوف أساساً منيج حركي وطريقة 
عملية . ومن ثم فاتهام التراث بأنه يمثل عنصر الثبات في واقع متحول ومتغير إتهام لا 
أساس له لأن التراث يمثل عنصري الثبات والحركة معا كى| أن الواقع يمثل عنصري 
الثبات والحركة معاً . فهو ثابت لأنه واقع يفرض نفسه على أشكال الفكر وهو متحرك 
لأنه يسمح بعدة أنظمة فكرية تتلاءم مع تطوره 29 . الصدق النظري والأثر العمل 


< (30) نظراً لأن البرحماتية هي التي روجت لهذه الفكرة . ونظراً لأننا نعيش عصر انفتاح على الثقافة الغربية فإن كل 


55 


واحد في التراث لأنه واحد في أصول التراث أعني الوحي . ومن ثم لا يصدق على 
« التراث والتجديد ») أنه نزعة ب رحماتية ى) لا يصدق عليه أنه نزعة مثالية . 

4- لا يعني « التراث والتجديد » إصلاحاً نظرياً للقديم بل يعني تغيير الواقع 
تغيراً جذرياً بالقضاء على أسباب التخلف من جذوره النفسية . مهمة التجديد إذن 
عملية لا نظرية ٠‏ وهي المساهمة في البناء النظري للواقع وذلك بالقضاء 3 الافكار 
ان أن تكون أساساً نظرياً لتغيير الواقع لتجديد 

من البناء النظري للواقع وجانب من الايضاح للسلوك . فالتراث ليس 9 في ذاته 
7 وسيلة لتحريك الجماهير وتغيير الواقع » وليس موضوعاً في ذاته نفخر به وبمحاصرته 
ولكن معاصرة الناس هى المطلوب تحقيقه . التراث لا يحتوي على أنساق نظرية خالصة 
همنا الكشف عنها بل يحتوي على إمكانيات عملية يكشف عا المفكر بإعادة تفسيره 
طبقاً المصلحة الجاهير , وهذا لا ملع من وود حقائق لقره والصية لي ا 
التاريخ . ولكنها أيضأ واقع تحول الى مستوى النظر وا صبح غطاً نظرياً مثاليا أساسه 
تجربة واقعية . وقد احتوى مصدر التراث الأول أ عني 08 هذه المجموعة من الحقائق 
النظرية التي قامت في الأصل من مجموعة مماثئلة من التجارب ال حية في الواقع ثم تحولت 
الى حكمة شعبية تتناقلها الاجيال كجزء من ثقافتها الوطنية . لا يعني تجديد التراث 
محاولة إصلاح القديم وترميمه حتى يمكن الابقاء عليه كموضوع مستقل يلبس ثوب 
العصر بل يعني عرض الموروث القديم على احتياجات العصر ومطالبه . فهي التي تفسر 
القديم . ليس القديم هو موضوع البحث بل واقعنا المعاصر . وليست الغاية هي 
البحث عن معاني في القديم حديثة لا تعارض العقل أو العلم أو التقدم بل المساهمة 
الفعلية في تطوير الواقع الذي نعيشه بما أن مشكلة التطوير هي مشكلة العصر . والدافع 
على التجديد ليس ترميم الماضي بل تغيير الحاضر . ولا يقال أن ذلك مضيعة للجهد 
والوقت ء. فلاذا الترميم والاصلاح وإعادة التفسير دون استبدال بالقديم كله أساس 
نظريى جديد فهذا أوفر جهدا وأقصر وقتاًء وذلك لأن الحضارات لا تستبدل ولا تنقل . 
وأن الثقافات لا تستعار ء وأن تطور الشيء الطبيعي هو وجوده » ومن ثم فالوجود لا 
ياتزع ثم يزع ولكنه يتطور تطوراً طبيعيا . هذا هو التغيير الأبقى وليس زرع الأعضاء 

تي لا تتطور بل قد تلفظ باعتبارها جس] غريباً . 

00 نزعة تجعل أحد مقابيس الصدق في الفكرة ) أثرها في الحياة العملية ترجع الى البرجماتية في الحضارة الغربية . 
وهذا خطأ ناتج عن خطأ آخر في الوعي بالموقف الحضاري . والقسم الثاني من «١‏ التراث والتجديد » عن 
« موقفنا من التراث الغربي » بهدف إلى تحليل مثل هذه المواقف الحضارية الخاطئة . أنظر مقالنا موقفنا في 
التراث الغربي » قضايا معاصرة ج 2 ص 3 33 . ( أنظر أيضاً . مقدمة في علم الاستغراب) ٠‏ 


56 


5 - لا يعني « التراث والتجديد » القيام بحركة إصلاح كما كان موجوداً لدينا في 
القرن الماضى وأوائل هذا القرن . محرد تغيير في معاني الاشياء مثل أن تكون الصلاة مبذا 
الشكل وليس بذلك النحو. أي مجرد تغيير نظري دون التنظيم الفعلي لهذا التغيير أو 
تغيير دون قيامه على تغيير نظري مواكب . « التراث والتجديد » مهبدف الى تكوين حركة 
جماهيرية شعبية والى حزب ثوري يكون هو المحقق للثقافة الوطنية الموجهة لسلوك 
الجماهير ىا يدف الى تغيير الأطر النظرية الموروثة طبقاً الحاجات العصر ابتداء من « علم 
اصول الدين » الذي يعطي الجاهير الأسس النظرية العامة التى تحدد تصوراتنا للكون . 
وابتداء من إعادة بناء الأصول تتغير أشكال الفروع بطبيعتها . الانتقال مثلاً من العقل 
الى الطبيعة » ومن الروح الى المادة » ومن الله الى العالم . ومن النفس الى البدن . ومن 
وحدة العقيدة الى وحدة السلوك<31) . لقد كانت معظم الحركات الاصلاحية القديمة 
حركات سلفية تحافظ على القديم أكثر مما تبغي من تحليل الواقع . فقد كان الواقع جزءا 
من القديم لأننا جميعا مسلمون . كانت الحركات الاصلاحية القديمة دفاعا عن القديم 
ضد الحديد الممثل في النظريات الجذرية للتغير سواء في الفكر مثل التيارات العلمية 
والمادية أو في الواقع مثل النظم الاشتراكية » واتهامها بالالحاد والشيوع . «١‏ التراث 
والتجديد » يود تطوير الفكر الاصلاحي القديم ودفعه خطوة أخرى نحو الاصلاح . 
والانتقال به من الاصلاح الى الغبضة ٠‏ ومن إعادة التفسير الى تأسيس العلم » ومن 
الاصلاح النسبي الى التغيير الجذري . « التراث والتجديد ؛ دفاع عن واقع الناس 
العريض . ومصلحة المسلمين , وليس دفاعا عن الماضي بل دفاعا عن المستقبل باسم 
الماضي . وتهيئة العيش للخلف باسم السلف . ومع ذلك . فالاشارات الى الفكر 
الاصلاحي مستمرة لا من أجل الاعتماد عليها . وأخذ البراهين منها بل لتطويرها 
واعتبارها آخر ما وصل اليه المعاصرون من تجديد . إن « التراث والتجديد » هو الوريث 
لحركات الاصلاح الديني الحديثة التي بدأت منذ أكثر من قرن من الزمان . وهي العملية 
التي تصب فيها كل محاولات التغيير الجذري للقديم إما على مستوى الفكر أو مستوى 
الواقع ٠»‏ وهي التي تضم في باطنها كل محاولات الفهم الجزئية لجوانب محتارة من 
القديم » وهي التي تعود إلى الأساس ٠‏ الى نشأة العلوم الدينية العقلية ذاتها » وإعادة 
بنائها من المنبع . وإذا كان التجديد في ترائناء على الأقل في علوم الحكمة وفي بعض 
حركاتنا الاصلاحية الحديثة ‏ إذا كان التجديد قد تم باسم العقل أو باسم الشرع فإن 
التجديد الحالي يتم باسم الواقع ومن أجل التغيير . لم يكن الواقع غريبا على التراث 
القديم لأن أصول التراث نفسه ‏ وهو الوحي - مبنية على الواقع ٠‏ وتغيرت وتكيفت طبقا 


(31) أنظر مقالنا « جمال الدين الأفغانٍ » قضايا معاصرة ج 1 ص 91 110 . 


57 


له » وأصول التشريع كلها تعقيل للواقع وتنظير له . ولكن الواقع القديم نمطت 
الشريعة » وتجاوزه التشريع الى واقع أكثر تقدما في حين أن واقعنا الحالي الذي يقام 
التجديد عليه [ يتخطاء أي تشريع بعد » وتظل كل التشريعات أقل ما جتاجه . ويظل 
هو متطلباً لأكثر مما تعطيه التشريعات . التجديد إذن تطوير للواقع أساساً » وهو ذاته 
تطوير للتشريع . وهو أيضاً نظرية في العقل لأنه يحلل الواقع أساساء وينتهي الى 
مكونات بديهية له وأنظمة واضحة يجد فيها الواقع مطلبه . فالبداية هي الرؤية المباشرة 
للواقع الي تدرك بالوجدان ثم تصديق العقل لحدث الوجدان ثم تصديق الشرع على 
الاثنين معا 


+ مدي ا نه 


6 لا يعني « التراث والتجديد » أية نزعة توفيقية بين القديم والجديد لأن التوفيق 
بهذا المعنى عمل غير علمي يخضع لمزاج شخصي للباحث أو لاختيار مسبق للفيلسوف أو 
يقوم على هوى يقضي على موضوعية القديم والجديد على السواء » وهو الطرف الثالث 
الذي يتم التوفيق بناء عليه . فعندما وفق الفارابي بين أفلاطون وأرسطو خضع لمزاجه 
الشخصي واختياره الفلسفي المسبق وهو مزاجه الاشراقي وتصوره الهرمي للعالم . ولكن 
يعني « التراث والتجديد ») إعادة بناء علوم الغايات بكل الوسائل التي يتيحها العصر . 
وهي وسائل بيئية خالصة ناتجة عن ثقافتنا المعاصرة .» وحاجات العصر . فإذا كان 
التوفيق يتعامل مع شيئين هما موضوعا التوفيق » كان «١‏ التراث والتجديد » يتعامل مع 
شيءٍ واحد وهو التراث القديم . وإن عرض هذا التراث على حاجات العصر لا يعني 
توفيقاً بين الاثنين وأخذ جزء من هذا مرة وجزء من ذاك مرة أ خرى . بل يعني أن مطالب 
العصر هي أساس التفسير. فلا توجد علاقة أفقية يوضع فيها الطرفان على نفس المستوى 
بل على علاقة رأسية توضع فيها حاجات العصر كأساس تحتى ثم التراث كمؤسس 
فوقي . وغالياً ما يكون التوفيق في صف طرف على حساب الطرف الآخر. فقد كان 
توفيق الفارابي لحساب أفلاطون . وأصبح أرسطو أفلاطونياً . وكان توفيق إخوان الصفا 
بين الفلسفة العقلية والفلسفة ارا لحساب الفلسفة الاشراقية . أما ١‏ التراث 
والتجديد » فإنه يأخذ التراث على أنه أصل لأنه هو الواقع النفسي الجاهير تم قياس 
التجديد عليه وهي التفسيرات 0 وأخذ التجديد على أنه أصل . وهى 
متطلبات الواقع ثم يقاس التراث عليه . وهو الأساس النظري لفهم الواقع . إن 
التوفيق القديم بمعنى أخذ حضارتين . كل منهما في يد ء قضاء على مهمة « التراث 
والتجديد » الأساسية وهي اتحادهما معاً من أجل تطوير الواقع أو وجودهما في طرف ثالث 
وهو الواقع المراد تغييره . كان الواقع في التوفيق القديم هو الواقع الفكري في حين أن 
الواقع في عملية « التراث والتجديد » الخحالية هو الواقع الاجتماعي بمعناه العريض الذى, 


368 


يعبر عنه في مصلحة المسلمين . كان التوفيق القديم عملية حضارية من أجل تمثيل 
الحضارات الغازية في حين أن « التراث والتجديد » عملية إجتاعية من أجل تغيير 
الأوضاع القائمة . 

7 لا يدل « التراث والتجديد » على أي أثر خارجى من بيئة ثقافية أجنبية وإلا 
وقع ضمن محاولات التجديد الحالية القائمة على العقلنة من الخارج20© . ولكنه يعني 
إعادة بناء للتراث من داخله بما أتيح للباحث من وسائل عصرية » مناهج أو تصورات أو 
لغة » وهي مشاعة عند المثقف العادي لا تنتسب إلى بيئة ثقافية دون غيرها . ولقد امهم 
فلاسفة المسلمين من قبل في كل محاولاتهم لتجديد الفكر الديني بالأثر الخارجي تحت 
خدعة الالفاظ المستعملة وتشابههما مع ألفاظ الثقافة العصرية . 

ودعوى الأثر الخارجي لا تنطبقٍ إلا على الفكر المنقول ٠‏ وفي هذه الحالة لا يكون 
أثراً خارجياً بل يكون فكراً منقولاً قلباً وقالباً » شكلا وموضوعاً حتى ولو ظهر في ثوب 
الثقافة الوطنية من أجل حسن القبول » كزينة شرقية على واردات غربية . أما الأثر 
الخارجي فتهمة تلقى على كل مفكر أصيل يطور القديم وينحو نحو العصر من أجل 
تفريغ القديم من كل محتوى تقدمي له ووضعه في إطار الموروث المتخلف عن العصر 
الذي لا يحتوي على أي عنصر من عناصر تطوره من داخله ومن أجل إثبات أن التطور 
لا يأتي إلا بفضل قوالب أو مناهج أو تصورات من ثقافة مغايرة هي الثقافة الغربية التي 
تحوي من داخلها على كل مقومات التطور والمعاصرة . فالآثر الخارجي كتهمة تشير الى 
عقلية غربية تمركزة على الذات . تجعل نفسها الأصل وغيرها الفرع . وتنظر الى ذاتها 
باعتبارها حاملة التقدم لغيرها المتخلف . وهي عقلية تصل الى حد العنصرية الثقافية 
والقبلية الحضارية والتيى تقوم في أساسها على عنصرية وقبلية عرقية تشهر عل مستوى. 
الثقافة والتقاء الحضارات» تسقط ذا على ال رين . فلأنها كانت بفعل أثر خارجي - 
يوناني روماني غربي - فإنها نظن أن ن أية محاولة للتجديد لا بد وأن تكون خاضعة لنفس 
النمط ويكون هذه المرة ٠‏ يونانياً رومانياً هندياً فارسياً في القديم أو غربياً ف 
الحديث ف(33) , 


8 - ولا يعني « التراث والتجديد » أخيراً محاولة تقوم بها الطبقة البرجوازية أو من 
ينتمى اليها والتى تشغل نفسها بالثقافة دون الواقع بعد أن اطمأنت لكفايتها المادية منه 
والنئي تشغل نفسها بالنظر دون المارسة العملية بعد أن جعلت نفسها ممثلة لثقافة الجماعة 


(32) العقلنة من الخارج 3 والعقلنة من الداخل تعبيران من د . عبد الله العروي في « العرب والفكر التاريخي :.؟. 
(33) أنظر في] بعد « أزمة المناهج في الدراسات الاسلامية » » المنهج التاريخي . 


39 


والحريصة على حقها وذلك لأن العمل الثقافي جزء من بناء الواقع وفهم له . وهو ليس 
عملا للمرجوازية وحى ولو كانت وطنية بل هو عمل لطليعة الطبقة العاملة لأنه إعادة 
لتفسيرات التاريخ من وجهة نظرها وبناء على متطلءاتها . والمثتقفون جزء من الطبقة 
العاملة فالعمل هو المارسة العامة لكل فعل يهدف الى تغيير الواقع : ومهم| يكن من شيء 
اليها ببنائها النفسبى وتكوينها الثقافي ولكن اختيارها من الطبقة العاملة » وما زال أمامها 
دور لم تؤده بعد27*0 . والذي يقود العصر الآن هو يمين البرجوازية لا يسارها أي 
البرجوازية التي ورثت الاقطاع القديم . وترفع الشعارات . وتتستر وراءها من أجل 
الحصول على مكاسب خاصة بطبقتها. متمثلة ثقافة وطنية تفسرها لمصلحتها الخاصة ودون 
تبني أي ثقافة خارجية بل تتهم كل ثقافة خارجية تجدد مكاسبها الطبقية بالأفكار 
خيانة عن الجا العميل الباشر . أما طليعة الطبقة المتوسطة تسب نفسياً ونضاي 
الى الطبقة العاملة فإن بإمكانها أن تقوم بعملها النظري 5 )0 التراث والتجديد » وأن 
تناضل بالفعل . وأن تجند الجماهير. وأن تمارس السياسة يومياً من أجل تحقيق 
أيديولوجيتها . النظر والعمل واجهتان لشيىء واحد . ويمكن القيام بالمهمتين معا .ولو 
استعصت الممارسة في وقت ماء فعلى الأقل يتم البناء النظري من خلال التراث 
والتجديد . وهو الوقفت الذي حتكر فيه السلطة في البلاد النامية العمل السيامي 1 
ونجعل من ممارسة الشعب له ضرباً من الخيانة والخروج على نظام الدولة2270 , 
ب مخاوف من النتائج 
وبالاضافة الى هذه الشبهات توجد أيضاً عدة مخاوف من بعض النتائج التي قد 
يحدثها « التراث والتجديد » ما تجعل الناس يتحر زون منه منذ البداية » والكف عا لا 
تحمد عقباه مدعاة للأمان ٠‏ وهي قُْ ال حقيقة محاوف وهمية لا حقيقة لهما. بالاضافة الى 
أنها ستنتجح ضرورة بتطور الحضارة الطبيعي عاجلا أو آجلاً : والأفضل أن ل تنج عن 
عملية حضارية واعية لا عن نفضة إدعائية » وضجة مفتعلة » وصخب لا ينتج عنه 


1 فإن فقيل : إن !0 التراث والتجديد » سيؤدي لا محالة الى إلحاد لأنه يعني إعطاء 


(34) لم تنشأ أيديولوجية الطبقة العالمة في ألمانيا إلا بعد الايديولوجية الالمانية وهي أيديولوجية البرجوازية الوطنية . 
(35) استطاع عمر بن الخطاب وماركس ولينين وماوتس تونج القيام بالمهمتين . أنظر مقالناودور المفكر في البلاد: 
النامية » قضايا معاصرة ج 1 ص 17 - 40 . 


00 


الأولوية للواقع على الفكر . وإعطاء التاريخ الصدارة على الوحي . والقضاء على 
استقلال العقائد كموضوعات لها صدقها الداخلى النظري بصرف النظر عن صلتها 
بالواقع العمل . قلنا : إن مقولتي الالحاد والإيمان مقولتان نظريتان لا تعبران عن شيء 
واقعى لأن ما يظنه البعض على أنه إلحاد قد يكون هو جوهر الإيمان . وما يظنه البعض 
الآخر على أنه إيمان قد يكون هو الالحاد بعينه . بالاضافة الى أن مقولات الالحاد 
والعلمانية التي نشأت في حضارات أخرى ورفضها تراثنا القديم وبعض الحركات 
الاصلاحية الحديثة هى في صميمها التجديد الذي هو مضمون تراثنا القديم . فمعنى 
الالحاد في الحضارة الغربية يعني ايمان في تراثنا القديم » يكفي أن نعلم : 


- ليس للعقائد صدق داخلي في ذاته بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة وتغييرها 
للواقع . فالعقائد هي موجهات للسلوك . وبواعث عليه لا أكثر . وليس لا أي مقابل 
مادي في العالم الخارجي كحوادث تاريخية أو أشخاص أو مؤسسات إلا من الواقع 
العريض الذي هو حامل للمعاني وميدان للفعل . فالالحاد مهذا المعنى رغبة في بيان الأثر 
العملي للأفكار ورد فعل على الإيمان المتحجر المكتفى بذاته الذي يكفى المؤمنين شر 
القتال . 1 1 
ب - ليس المقصود من الوحي إثبات موجود مطلق غني لا يحتاج الى الغير بل 
المقصود منه تطوير الواقع في اللحظة التاريخية التي غمر بها والتي تحتاج الى من يساعدها 
على التطور . وإذا كان التراث القديم قد غرق في مثل هذا الاثبات فلأن هذا الاثبات 
كان موضعاً للشك أو للهجوم من الحضارات المجاورة . ولم تكن هناك حاجة الى التطور 
أن المجتمع كان متطوراً ومنتصراً لا يهاجم في الأرض والثروات - كما هو الخال حالياً ‏ 
بل في الفكر .والتصورات . وهو أيضاً موضوع هجوم حالي . فلا نحن أنشأنا فكر 
المقاومة ونظريات التحرر. ولا نحن عبرنا عن الأصالة . وقلبنا الآية . وبينا حدود 
الثقافة الغربية » وأخذنا منها موقفاً نقدياً شاملا . فالالحاد بهذا المعنى تطابق مع 
الواقع » ووعي بالحاضر . ودرء للأخطار. ومرونة في الفكر. وفضح لشتى ألوان 
الاستعيار والسيطرة على كل المستويات . ويسعد الغرب إتهام كل محاولة للتوعية الثقافية 
وللمواقف الحضارية المستنيرة بالالحاد لأنه يبغي المحافظة على الايمان القديم . ويزايد 
على أهل الدار . فذاك يسهل عليه ما يريد . ويحقق له أهدافه في السيطرة . 


بناء نفسي للفرد وبناء اجتماعي للواقع . والحكم على شخص أو على واقع بالايمان هو 
حكم مضمون وليس حكم صورة صوتية أو .مرئية . وهي مسألة عرض لا تراثنا 


601 


القديم » وساد الايمان بالقول على الايمان بالعمل . ومن ثم يكون الالحاد مبذا المعنى هو 
تحول للاختيار القديم من القول الى العمل . ومن النظر الى السلوك » ومن الفكر الى 
الواقع » واختيار الطريق الصعب . طريق الشهادة » وترك طريق الادعاء والمنصب 
والمزايدة . يكون الالحاد هو إنتقال من الصورة الى المضمون . ومن الشكل الى 
الجوهر . 

د نظراً لطول الألفة للمعاني الشائعة للايمان فإن كل ما يخرج عليه يوصف 
بالالحاد . وهذا غير صحيح . فمنذ متى كانت المعانٍ الشائعة أساساً للمعاني المضبوطة 
ويحكم العرف استعمال اللغة ؟ إن مهمة المفكر الواعيى هو هذا التمييز بين المعانٍ 
الأصلية والمعاني العرفية . وإلا تركنا اللغة يتحكم فيها العرف . ويضيع الفكر. 
وتتوقف عملية التطور الحضاري . لطالما تضيع المعاني بكثرة الاستعمال » حتى تتحول 
الى المعاني المضادة ومن ثم تفقد الألفاظ قدرتها على التعبير » وتكون حينئذ مسؤولية 
المفكر العودة الى المعاني الأصلية . فالالحاد هو المعنى الأصلي للايمان لا المعنى المضاد . 
واللايمان هو المعنى الذى توارده العرف حتى أ صبح بعيداً للغاية عن المعنى الأصلي 5 إن م 
يكن فقداً له . 


ه ‏ نظراً لنروجنا حديثاً من المجتمع الاقطاعي . ووجودنا في مجتمع برجوازي 
فإن تصورنا للايمان مخضع لتصور المجتمع الاقطاعي القديم والبرجوازي الحديد .» وهو 
أن الايمان هو الحفاظ على الموروث , والوبقاء على الوضع الراهن . والدفاع عن 
التقليد » وحماية مصالح الطبقة . ونظرا لضياع الدولة الاسلامية ينشأ التعويض الى 
التطرح بالبياض أو التلحف بالسواد . ونظراً لغياب المارسة ترتفع مكبرات الصوت في 
الآذان » وتكثر البرامج الدينية في أجهزة الاعلام جنباً الى جنب بجوار فن الاثارة 
والجنس . وهكذا يكون الإيمان تغطية وتعمية عن شىء آخر مخالف لمضمون الإيمان . 
ويكون الالحاد هو كشف القناع » وفضح النفاق . وتعرية الواقع » وعود الى المعنى 
الأصلي . ورفض للتواطؤ . وقبول للشهادة . 


و نظراً لاتصالنا بالحضارة الغربية فإن تصورنا للايمان والالحاد يخضع لا يفد 
علينا من تصورات المجتمع الرأسهالي للدين في حين أن حركات الالحاد في الفكر الغربي 
أقرب الى جوهر الايمان . ولكننا نظراً لتقليدنا للغرب . وتبعيتنا الثقافية له. نردد 
مفاهيمه ونظرياته » ونفصلها عن محليتها وظروفها ومادتها العلمية » ونعممها على 
غيرها » ونحن ضمن هذا الغير . فنضع أنفسنا تحت غطائه النظري في حين أن واقعنا 
مخالف . ومادتنا العلمية مغايرة » وظرفنا التاريخي مختلف . ف) اعتيروه إيمانا هو في 


602 


الحقيقة بالنسبة لنا إلحاد » وما إعتبروه إلحاداً هو بالنسبة لنا إيمان2260 . 

ز- الاتهام بالالحاد هو في نهاية الأمر دفاع السلطة الدينية والسلطة السياسية عن 
أوضاعههما| الخاصة . ومعارضة كل منهه| لأي تغير جذري ينشأ من الثقافة الوطنية » يبغي 
تغيير الواقع العريض الذي تعيش عليه الأغلبية . فالسلطة سياسية أم دينية تعلم أن 
الجىاهير متدينة ومن ثم تقوم بتملقها ونفاقها واتهام كل من يريد الدفاع عن مصالحها 
بالالحاد حتى تنقلب الجاهير عليه وتظهر السلطة على أنها المدافعة عن مصالحها ! وفي 
ترائنا القديم شواهد على ذلك . فكل دعوة الى الطبيعة المستقلة » والعقل المدرك , 
والفعل الحر . ومسؤولية الانسان . والعدل الاجتماعي . والأمر بالمعروف والنبي عن 
المنكر كانت تتهم أيضا بالالحاد والكفر . «والتراث والتجديد » هو محاولة لاعادة 
الاختيار في فكرنا القديم . 


2 - فإن قيل : إن «١‏ التراث والتجديد » سيؤدي حتماً الى حركة علانية . وي 
العلانية قضاء على تراثنا القديم . وموروثاتنا الروحية . وآثارنا الدينية . قيل : قد نشأت 
العلمانية في الغرب إستجابة لدعوى طبيعية تقوم على أساس رفض الصور الخارجية . 
وقسمة الحياة إلى قسمين » واستغلال المؤسسات الدينية للجاهير» وتواطئها مع 
السلطة .» وحفاظها على الأنظمة القائمة . نشأت العلانية استرداداً للانسان لحريته في 
السلوك والتعبير » وحريته في الفهم والادراك » ورفضه لكل أشكال الوصايا عليه 
ولأى سلطة فوقه إلا من سلطة العقل والضمير . العللانية إذن رجوع الى المضمون دون 
الشكل . والى الجوهر دون العرض» والى الصدق دون النفاق . والى وحدة الانسان دون 
ازدواجيته » والى الانسان دون غيره . العلانية إذن هي أساس الوحي . فالوحي علماني 
في جوهره. والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ . تظهر في لحظات تخلف المجتمعات 
وتوقفها عن التطور . وما شأننا بالكهنوت . والعلانية ما هي إلا رفض له ؟ العلمانية في 
تراثنا وواقعنا هي الاساس واتهامها باللادينية تبعية لفكر غريب . وتراث مغاير , 
وحضارة أخرى . 

3 - فإن قيل : إن « التراث والتجديد » يتحدث عن التحليل الطبقي 
للمجتمع . ويرفض سلطة الطبقة وفكر الطبقة . يإ يدف الى تغيير الواقع العريض . 
والدفاع عن مصالح الىاهير . وهي الطبقة العاملة ٠‏ وهذه هي ١‏ الماركسية » بعينها . 
وهذا غير صحيح على الاطلاق . فا زالت مأساتنا في الاصال بالتراث الغربي هو أننا 


(36) هذا هو موضوعات القسم الثاني من « التراث والتجديد » عن « موقفنا من التراث الغربي » أنظر مقالنا بنفس 
العنوان في قضايا معاصرة ج 2 ص 3 - 33 ( أنظر أيضاً: مقدمة في علم الاستغراب) . 


603 


تأخذ تياراته واتجاهاته ونفصلها عن واقعها ثم نقذف بها خارج الحضارة الغربية الى 
الحضارات الأخرى ونعممها وكأنها نتائج العلم التي لا ترد . الماركسية تحليل صائب 
للمجتمع الاوربي الرأسالي في القرن التاسع عشر . وحركة تغيير جذري له كذلك . 
ففكر الطبقة وثقافتها أمر واقع بيننا نلمسه . وسلطة الطبقة في مجتمعنا أمر نعاني منه كل 
يوم » ومصلحة الطبقة هو الموجه لسلوك السلطة . فهذه وقائع بديبية من واقعنا المعاصر 
لا تحتاج الى نقل حضاري أو إلى صفات وأسماء مستعارة » ونخطىء أشد الخطأ في أبسط 
القواعد العلمية عندما نظن أن العلم ينقل ولا ينشأ » وأن العالم يستعير ولا يحلل . 
والمخطىء في ذلك إما إنسان تعفن في القديم ولا مخرج له منه أو جهل الحضارات 
الاخرى وم يعرفها إلا بالدعاية أو انفصل عن واقعه ولم يعلم مكوناته . واتهام 
١‏ الماركسية » مثل اتهام « الفينومينولوجية » ما دامت الظواهر يتم تحليلها على مستوى 
الشعور وكأن كل ما يحدث في فكرنا القومي لاحق بفكر غيره » وأننا سنكون باستمرار 
مهمشين على نصوص غيرنا ولسنا مؤلفين للنصوص . 


4 فإن قيل إن « التراث والتجديد » يقضى على موضوعية الأصول وعلى 
استقلالها عن الزمان والمكان . والعقائد دائمة ثابتة لا تتغير » وتصور « الله » لا يتأثر ولا 
يتغير بتغير الظروف الاجتاعية » فإن هذا التخوف أيضاً لا أساس له لأن ١‏ التراث 
والتجديد » عملية حضارية تلقائية مهمتها إعادة التفسير » ولا تتحدث عن الأشياء قُِ 
ذاتها مثل « الله » . لا يحرج « التراث والتجديد » عن التصورات العقلية المحتملة 
للموضوعات . أما الموضوعات نفسها فموضوعة بين قوسين . التفسير عملية تغيير 
المعاني طبقا للمعنيات . وتغيير الدلالات بتغير المدلولات . وهى عملية ذاتية خالصة لا 
تهدف الى إصدار أحكام على الوقائع ٠‏ بل هو عمل أيديولوجي خالص لا يخرج عن 
نطاق الأفكار» هي عملية إحداث تغيير في تصورات العالم وتغيير مواقف واتجاهات 
إنسانية . 2) التراث والتجديد «( يتعامل مع العالم الانساني وحذه بل إنه يمكن إتهام 
« التراث والتجديد » بأنه عملية ذاتية خالصة لا تخرج عن نطاق النظرة الانسانية . 
ولكن الاتهام مردود لأن إحداث التغيير في النظرة الانسانية هو بداية إحداث التغير في 
العالم . 


إن قضية « التراث والتجديد » قضية عامة لا خض حضارة بعينها إن كانت هنا 
مطبقة على تراثنا القديم . وقد حدث ذلك في التراث الأوربي في كل عصر خاصة في 


العصر الحديث . كا تحدث في كل جيل تقريبا عندما يحاول إيجاد الأساس الشعوري 
للظواهر . وفي التراث الأوربي المعاصر نشأت نزعات التجديد باكتشاف الذاتية . 


04 


واكتشاف الأساس الذاتي للظواهر الدينية الموضوعية . وتتعرض الآن كل المجتمعات 
النامية لهذه العملية . ولا يعني أن هناك نموذجاً واحداً لها بل تقوم كل حضارة بها طبقاً لا 
لديها من تراث وما تبتغيه من تجديد » وما توجد فيه من واقع تعيش عليه . وهي الآن 
مسؤولية جيلنا . 


65 


الثا : أزمة المناهج في الدراسات الإسلامية 
مسسسسسسسسسسس ليبن 


1 النعرة العلمية 
2 الاعة الخطابية 


ظُ 


أزمة المناهج في الدراسات الاسلامية 


« التراث والتجديد » أيضاً تعبير عن أزمة أخرى وهى أزمة الدراسات الاسلامية 
في الجامعات والمعاهد العليا . فإذا كانت أزمة التغيير أزمة الثورة في واقعنا فإن أزمة 
الدراسات الاسلامية هى أزمة البحث العلمى . لذلك كان «١‏ التراث والتجديد » تعبيرا 
عن أزمتين : أزمة التغيير الثوري وأزمة البحث العلمي 


وترجع أزمة الدراسات الاسلامية الى إنفصال في شخصية الباحث بين المسلم 
رالبحث . فهو مسلم من ناحية بمعنى أ أنه نه مستسلم للواقع الذي يعيش فيه » وهو باحث 
من ناحية أخرى يدرس التراث بنظرة محايدة وكأنه يدرس ظواهر تاريخية خالصة لا شأن 
له بها. في حين أن التراث» كيا عرضنا . قضية شخصية للباحث لأنه ينمي اليه فكرا 
وحضارة ولغة ومصدراً ومصيراً . ونحدث هذا الانفصام إما عن تصور سام على أنه 
مجموعة من العقائد لا شأن لما بالبحث العلمي مما يجعل الباحث العلمي يتبنى أي منبج 
علمي من الخارج . أو من عدم إحساس بالاسلام كلية واعتبار أنه هو الباحث العلمي 
وأن الاسلام لا يعطيه شيئا . وقد ينشأ ذلك من التغرب « إنحراف الشعور نحو 
الغرب » وتقليد مناهجه العلمية التى نشأت كرد فعل على معطاها الديني الخالص وهو 
المسيحية » أو من حالة الركود العامة في التصور الاسلامىي للحياة وفي الدراسات 
الاسلامية التي لم تستطع أن تعطي الباحث مقابلاً للمناهج الغربية . ينشأ هذا الموقف 
الثالث في الانفصال عن تراثنا القديم وتبعيتنا للتراث الغربي . وتكون النتيجة أن 
يتخرج مئات الشباب وهم مشتتون حانقون غاضبون لم تحل مشاكلهم ني البحث عن 
منبج يمكنهم بواسطته حل جميع مشاكلهم الوطنية والثقافية والعلمية . ويتخرجون 
والقديم ما زال طلاسم لم تنفك عقده . والجديد ما زال معروضاً كرقائق من الفطائر , 
كل منهم يسرع بشقفة يعلن عن وجوده من خلاها . وتشتد الحيرة ويزداد التخبط » 


09 


وتنتهي الثقافة . وينتهي بهم الحال إما إلى الرجوع الى الماضي بعبله » والتزمت . 
والتشدد » والتعصب . والتصوف أو الذهاب الى الجديد بعبله دون فهم منهم لهء 
ويكتفى بترديده دون مراعاة لاختلاف البيئة والظروف واللحظات التاريخية » ويتنصل 
الإنسان من ماضيه خاصة إذا لم يشعر بأنه جزء منه لاختلاف دينه مع ترائه ‏ . وكثيراً ما 
يؤدي التغرب الثقافي الى الهجرة الفعلية ‏ بعد هجرة الشعور - أو يظل مشتتاً بينهما دون 
القدرة على أخذ موقف حضاري له . فهو ملفق مرة وخالط مرة . ويظل خائفاً بين 
الاثنين . 

ولا كان كل خطأ في الحكم يا ينتج أساساً عن خطأ في المنبج » وكل كشف جديد 
يأتي أيضاً عن كشف في المنبج فإن اال الحاضرة للدراسات الاسلامية والأحكام الي 
تصدر عليها تكشف عن أزمة في مناهج الدراسة . وتتلخص هذه الأزمة أساسا في عدم 
تطابق المنبج المتبع مع موضوع الدراسة نفسه خاصة إذا كان ا موضوع نفسه منبجاً أو 
يحتوي على منهج كامن فيه . فإن الغالب على هذه المناهج المتبعة أنها إن ل تكن مضادة 
تماماً لطبيعة الموضوع ومنبجه فإنها على الأقل لا تتفق معه . هذه المناهج ليست مدروسة 
من قبل . وليست مطبقة عن وعي كامل . ولكنها شائعة بين المشتغلين بالدراسات 
الاسلامية ورثوها إما عن ريق التقليد للدراسات الموجودة حالياً سواء من المستشرقين 
أو الدارسين المسلمين أو عن طريق الاستسلام للعادة والأخذ بأضعف الايمان أو رغبة في 
الحصول على ركن من أركان العلم يسأثر به صاحبه ويعان عن نفسه من خلااء ونع 
الآخرين من الاقتراب منه بعد أن ن أصبح حكرا عليه , ؛ أو رغبة في كسب ؛ أو طمعا في 

منصب أو حصولاً على درجة بديلا عن الفكر في صورة كتاب مقرر . وهنا يسقط شرط 
العلم الاساسي وهو البحث . ويتحول التأليف الى ظاهرة غير علمية دون تفكير جدي 
في المنهج المتبع للباحث » ماذا يريد بدراسته وإلى أي شيء يهدف ؟ لذلك فإن اعادة 
طرح مسألة التفكير المغبجي فيما يتعلق بالدراسات الاسلامية يمكن بواسطته إحياؤها من 
جديد لتجنب الأحكام الخاطئة الشائعة: ولربطها بحياة الدارسين القدماء أو الجدد , ما 
دام التراث قضية وطنية وبالتالي قضية شخصية وجماعية » ولصبها داخل الثقافة الوطنية. 
وعلى هذا النحو تتحرك قضية الموروث . وتحبي في أذهان الباحثين شبابهم وذلك بالبدء 
بالتفكير المنبجي . 

وترجع أزمة المناهج الخالية الى خطأين : النعرة العلمية . والنزعة الخطاية . : 
الأولى تسود معظم دراسات المستشرقين . والثانية تسود معظم دراسات المسلمين . 

عم اتزعة الخطاية بعص دراسات الستشرقين عندمايقومون بتقريظ في الحضارات التي 

يدرسوما ك) قد : تعم النعرة العلمية دراسات المسلمين نظراً لتبعيتهم للمستشرقين أو 


00 


لاستعمإلهم الشائع والمشهور دون تفكير منبجي أولي » وكلا الخطأين راجعان الى الطابع 
الحضاري لكل فئة من الباحثين . 
النعرة العلمية 

تنشأ النعرة العلمية أساساً من استعمال منج أو طريقة أو عادة تخالف اما 
موضوع البحث لأنما « مادية » ترمي الى دراسة الفكر عن طريق الحوادث التاريخية أو 
الوقائع الاجتاعية أو ترجعه الى الابداع الشخصي أو الأثر الخارجي . وهذا مناقض ماما 
لطبيعة موضوع البحث باعتباره 9" نشأت من مصدر قبلى وهو الوحي ؛ وبعد حول 
نصوصه الى معانٍ . والمعانيٍ الى أبنية نظرية . فوصف الظاهرة الفكرية هي محاولة 
للعثور على كيفية تحويل النص الى معنى عن طريق منهج في التفسير والفهم وكيفية تحويل 
المعنى الى نظرية عن طريق البناء العقلي لها وبعد ذلك نم الظاهرة الفكرية إرجاءي. 
الى مصدرها الأول وهو النص . والحكم عليها بأمبا إيجابية أي من النص أو سلبية 
من الخارج . فإذا كانت الظاهرة الفكرية تعبيراً حضارياً عن الوحي . فالمميج 5 
يمكن إتباعه هو منبج ذو جانبين : الأول يتابع خروج الظاهرة الفكرية من النص وهذا 
هو الوصف الظاهري التكويني الذي يبِين النشأة والتطورء والثاني يرجع الظاهرة 
الفكرية الى النص من جديد لتصفية ما يمكن أن يعلق به من آثار ثقافية أخرى أو من 
بناءات وأحكام بيئية» وهذا هو الوصف الظاهري الارتدادي . الظاهرة الفكرية إذن 
مثالية » مصدرها الوحي . وأساسها العقل . وقوامها الواقع . فالنعرة العلمية التي تقوم 
عليها مناهج المستشرقين تعني دراسة الظاهرة الفكرية كظاهرة مادية خالصة . وكتاريخ 
خالص مكون من شخصيات وأنظمة اجتاعية وحوادث تاريخية محضة . يمكن فهمها 
بتحليلها الى عوامل مختلفة سياسية واقتصادية واجتاعية تحدد نشأتها وطبيعتها » وتحاول 
ابتداء من هذه العوامل المتفرقة تركيب الظاهرة بدعوى تفسيرها . وهكذا تفقد الظاهرة 
طابعها المثالي » وتنقطع عن أصلها 5 الوحي ؛ وعن أساسها في الفكر والواقع 6" 
وتصبح ظاهرة مادية خالصة لما اصلها 5 التاريخ الذي أعطاها أساسها ٠‏ وفي المجتمع 
الذي أعطاها طبيعتها . 

ويرجع هذا الخطأ نسبياً إلى أن جميع المستشرقين أو جلهم من أهل الكتاب 
يذكرون الرحي الاسلامي ومن المستحيل بالنسية اليهم إرجاع الظواهر الفكرية التي 
يدرسوما إلى أصوها في الكتاب والسنة عن اعتقاد أو عن تعود . بل يرون أن الوحي 
ذاته نتاج التاريخ . واتصال المبلغ اليه بالبيئات اليهودية والنصرانية المعاصرة له . بل إنه 
لم يحسن فهمها . وجمعها بلا ترتيب أو منطق . قد يفترض البعض منا سوء النية في ذلك 


71 


لأن المستشرق يعرف في قرارة نفسه أن التفسير الوحيد للظاهرة هو إرجاعها الى أصوها 
في الوحي . ومع ذلك يدير ظهره ٠‏ ويحاول إيجاد أصول تاريخية واجتماعية لها ٠‏ لا يعني 
ذلك توجيه نداء للباحثين لتراثنا القديم أن يؤمنوا أولا بالوحي الاسلامي ثم يبحثوا ثانيا 
تراثنا القديم بل يعني أن الباحث يمكنه أن يصف نشأة التراث وتطوره وكيفية خروجه من 
مصادره الأولى » فهو يقرر واقعا لا يحتاج إلى إيمان مسبق بالأصول ؛ وتسمح بعضص 
المناهج الغربية المعاصرة بذلك(272) . ويقع الباحثون المسلمون أيضاً في نفس الخطأ وهم 
مؤمنول بالوحي » المسألة إذن هي الوعي بطبيعة التراث ونوعيته ونشأته وبنائه . 


وقد يكون السبب أيضاً خلود النفس البشرية بطبعها الى شرك النظرة المثالية 
للظواهر إن لم يكن الحافز الديني أو الحساسية الفكرية متغلباً على شخصية الباحث . 
وهو ما يكن السميته بالادي ال ل ار ا ا 
ثقافية . وقد يكون السبب أيضا نوعا من التعود على السهولة إذ أن جمع المواد من أسماء 
أشخاص وتواريخ وتقلبات الدول 0 الانتظار حتى يمكن إدراك الظاهرة 
الفكرية وفهمها من خلال هذه المواد التاريخية المتناثرة » خاصة إذ! كان الباحث ليس 
على قسط كبير من الوعي الفلسفي . وليس لديه القدرة على الرؤية والقراءة للمواد 
الخالصة ثم يعوض هذا النقص الكيفي بالكم التاريخي . ويبهر العالم بقدراته على جمع 
المعلومات(2)75 . 


وقد يكون السبب عدم تخصص المستشرق في ميدانه منذ البداية ٠‏ فغالباً ما يبدأ 
بالتاريخ العام أو بتاريخ علم من العلوم . اللغة أو الأدب أو الفقه . أو الفرق الكلامية 
ثم يصل الى الاستشراق بعد تطور طويل تعود فيه على سرد الوقائع والأحداث . وقد 
حدث ذلك في الجامعات الغربية حيث توضع الحضارة الاسلامية داخل الحضارات 
السامية القديمة أو اللغات الشرقية . ولنقص في المستشرقين فإن عالم اللغة يميل على 
الفكر . والمؤرخ يشطح على الفقه 0 ستشراق على الأطلاق كميدان مستقل 
أو كعلم متخصص بل كان ملحقاً بالتاريخ أ والجغرافيا أو اللغة أو الدين أو الحضارة أو 
الفلسفة . وكانت النتيجة أن فقد التراث وحدته . وتنازعته العلوم الانسانية المختلفة . 


(37) هذا هو المنيج الفينومينولوجي على سبيل المثال فقط . 

(38) نشأ في الفكر الغربي المعاصر مناهج نفسية وبنائية وفينومينولوجية تحاول القضاء على هذا الركود الذهني . 
وتنشيط الذهن أو الشعور من أجل خلق موضوع دراسته متجاوزاً الواقع المادي والذهاب الى ما وراءها أو 
الى ما هوأعمق متها . 


72 


كل علم يتناوله بمنبجه وموضوعه وغايته( "2 . 

وقد يكون السبب الرئيسي هو البيئة الأوربية نفسها التي تربى فيها المستشرق والتي 
أخذ منبا مناهجه وذلك لأن البيئة الأوربية نفسها قد مرت بظروف خاصة حددتها طبيعة 
مصدرها. وتطور حضارتها . ومنذ عصر النبضة وإبان العصرٍ الحديث تطورت 
الحضارة بفعل قوة الرفض للقديم بعد أن عانت منه تاريخياً وفكرياً وإنسانياً وعقليا 
وإجتاعياً » ورفض كل مصدر سابق للمعرفة نظراً 1 0 
أخطاء الموروث وكل مصدر سابق للمعرفة باسم الوحي أو الدين أو الحدس أو المثال أو 
استبدال بذلك كله الايمان المطلق بالعقل البشري وقدرته. وبالثقة التى لاا حدوذ لها 
بالفكر الانساني, وإمكانية وصوله الى الحقيقة بالجهد الانساني , وإمكانية وصوله بنفسه دون 
الاعتماد على أي مصدر مسبق . والفكر الانساني بالرغم من أنه باستطاعته الوصول الى 
الحقيقة بمحض الجحهد الانساني إلا أنه قد تكون في ظروف هيئت لظهوره . ولهذا قامت 
المذاهب المادية على شتى أنواعها : حسية » وشكية » ونسبية » وتطورية » واجتاعية , 
وجغرافية » وتاريخية » وفردية. تخلط بين الفكر والظروف الي هيأت لظهوره . 
وتدرس الظروف التي هيأت لنشأة الأفكار كما اتضح أخيراً في فلسفة تصورات العالم وفي 
علم اجتماع المعرفة . كل فكر أ صبح تاريا ٠‏ وكل وحي أصبح من نتائح البيئة وفعل 
الاساطير .» وإسقاط الشعوب . وكل قيمة أصبحت متغيرة خاضعة لتحديدات الزمان 
والكان . كل شيء يتغير ولا ثبات هناك إلا التغير نفسه2*) . وأصبح من السهولة بمكان 
إعادة تفسير الحضارة الأوربية والمذاهب التي نشأت فيها بالرجوع الى ظروفها التاريخية ثم 
يتحول ذلك الى عادة تطبع عقليات الباحثين الأوربيين » يعممونها في كل حضارة حتى 
تلك التي لم يحدث فيها بعد هذا الرفض للموروث القديم ىا حدث في الحضارة 
الأوربية . في تلك البيئة درس المستشرق . فهو باحث أوربي بثقافته وتكوينه » وبطبعه 
ومزاجه » وهو باحث أوربي إذ لم يستطع أن يتخلص من تحيزات بيئته الثقافية » ولم 
يستطع تجاوزها وتحييد أحكامها . وعدم الوقوع في أخطائها وربمايصعب. ذلك للغاية 
ولا يقدر عليه إلا باحث غير أوربي استطاع أن يعى حضارته ويدرس الحضارة الأوربية 


(39) كان جولد زمهر مؤرخاً ثمل أم, الى ميدان التفسير والحضارة » وبدأ رينان كتابه تاريخ المسيحية » ولم يصبح 
مستشرقا إلا بالعرض في بعض دراساته عن لحضارة السامية القديمة واعتباره الاسلام جزءاً منها . والأمثلة 
كثيرة وتحتاج إلى أن تكون مادة دراسة خاصة عن نشأة الاستشراق ونشأة المستشرقين . 

(40) هذا “موضوع القسم الثاني من « التراث والتجديد » بعنوان « موقفنا من التراث الغربي ©» والذي سيعطي 
تحليلا وافياً لمذه البيئة . نكتفى منه الآن بما يقتضيه موضوع النعرة العلمية كتيار سائد في مناهج 
المستشرقين . ( أنظر : مقدمة في علم الاستغراب ) 


1/3 


بإرجاعها الى بيئتها وظروفها التاريخية دون أن تصيبه عدواها . 

لذلك فإن دراسات المستشرقين ليست « دراسات موضوعات » بل « موضوعات 
دراسة » . أي أنه لا يمكن استعالها كمصادر علمية أو كبراهين يمكن الاستدلال بها 
والاعتماد عليها قبل تمحيصها أولاً والتحقق من صدقها . وبيان ما يرجع منها للباحث 
المستشرق بتكوينه وثقافته ومزاجه وما جع منهبا الى الظاهرة نفسهاء وإبعاد كل 
التحليلات التي من شأنها إما القضاء عليها أو إفراغها من مضمونها أو تحليلها تحليلاً 
صناعياً أو إرجاعها كلية الى التاريخ . ونظراً لطول المهمة ونشأة الاستشراق منذ بداية 
العصر الحديث فإن دراساتهم تصبح موضوع دراسة مستقل إذ أن الجهيد المبذول في 
محيصها يكون كثر بكثر من التيجة التي يمكن الخصول عليها منها والاستفاة عي 
وتكون النتاء ئج التي تدل على موقف المستشرق بالنسبة للظاهرة ومنهبجه في دراستها أكثر 
وأعظم و67 . لذلك . فالاستشراق ليس جزءاً من الحضارة الاسلامية ولا يرتبط 
بها ولا يفيد شيثاً بل هو جزء من الحضارة لغربية يكشف عن تكوين الباحث اوري 
ومزاجه .» ويكشف عن حقيقة ما يسمى بالموضوعية أو العلمية. ى| ييين عمل شعور 
الباحث الأوربي في دراساته لحضارات أخرى غير حضارته ويعرض تحيزاته(2*) . 


ولا ظهرت معظم المناهج الاستشراقية في القرن اسع عشر الأوربي فقد سادها 
المذهب الوضعي السائد . فخرجت وضعية تاريخية الى أقصى حد » واستقر المستشرق 
فى القرن العشرين على هذا المذهب 5 يفارقه . وأصبح متخلفا عن زميله الباحث 
الأوربي في العلوم الانسانية . وإذا كان الباحشون الأوربيون قد ثاروا على المناهمج 
الوضعية في القرن التاسع عشر فإن زملاءهم المستشرقين لم يفعلوا بالمثل » وظلوا 


(41) لذلك لم نحاول الاعتهاد في « التراث والتجديد » على أي دراسات للمشترقين . وتركنا ذلك لدراسات أخرى 
تأخذ الاستشراق ككل وكجزء . والتراث الغربي كدليل على العقلية الغربية في رؤيتها للثقافة غير الأوربية . ' 
أنظر كتاب إدوار سعيد « الاستشراق » . 
(42) القسم الثان من «التراث والتجديد » عن ١‏ موقفنا من التراث الغربي © محاولة لاقامة علم جديد يعادله 
الاستشاق ويقابله وهو دراسة الحضارة الأوربية ذاتها من باحثين غير أوريين ولا ينتمون اليها . ولكن هذه 
المرة سيكون علمهم الجديد أكثر موضوعية وعلمية لأن تكوينهم النفسي والذهني قادر على الحياد وعلى الحفاظ 
على البعد اللازم بين الباحث وظاهرته . وبإقامة هذا العلم يمكن إعادة كتابة تاريخ الانسانية بطريقة أكثر 
حياداً وموضوعية بعد أن كتب تاريخها من وجهة ة نظر الحضارة الأوربية ء» واعتبار الحضارة الاوربية مقياسا 
لكل الحضارات . ومصدراً لكل التطورات ٠‏ ونموذجاً للحقيقة » واعتبار أوربا مركز العالم وقلبه . وهذه 
مهمة الباحثين في العالم الثالث خاصة هذا الذي بدأ يعي موقف الحضارة الأوربية ويتنضل'عنها بوعيه لذاته 
وبحضاراته . وهذا العلم الجديد يواكب حركات التحرر التي نشأت في العالم الثالث للتخلص من سيطرة 
الغرب ( أنظر: مقدمة في علم الاستغراب) . 


14 


متخلفين فكرياً ومنهيجياً لأن الدوافع ثابتة » واهداف الاستشراق لم تتغيرء ووجدوا 
المناهج الوضعية في القرن التاسع عشر أكثر استعدادا لتحقيق هذه الأهداف . ولم يخرج 
على هذا إلا القليل الذي تابع تطور مناهج العلوم الإنسانية2*» . 

ودكن الكشف عن النعرة العلمية في مناهج أربعة يستعملها استقرثوة إما عل 
حدة أو مجتمعة » وهي إما شعورية يعيها المستشرقون أو لا شعورية كامنة وراء عمل 
المستشرق وتحدد اتجاهاته أمام الظاهرة . 


وهذه المناهج هي : المنبج التاريخي . والمنبج التحليلٍ » والمنبج الاسقاطي . 
ومنيج الأثر والتأئر(ة*» . 
أ المج التار يخي : 
وهو المنبج الأول المعبر عن النعرة العلمية . ويتكون هذا المنبج أساساً من البحث 
عن الوقائع التاريخية أو الاجتماعية ووضعها بجوار بعضها البعض وترتيبها ثم الإخبار 
ها واتريف با بااها الظهرة اذكب ذا تارك لي أصول لطر ف في الوحي 
أو الشعور. وخالياً من كل تفسير أو فهم أو أو تأويل أو بحث عن دلالة أو تعرف على 
قانون . والتاريخ قد يكون تاريخاً سياسياً عن طريق رصد الأسر الحاكمة وتقلبات بيوت 
الأمراء أو تاريخا إجتماعيا ووصف المؤسسات والنظم وكأن كل ما في الواقع مبني على 
أصول :أ وتاريخاً عام مجمع كل شيء من سياسة واقتصاد واجتماع وقانون . مجرد دائرة 
معارف تعطي كل شيء ولا تعطي أي شيء . فإذا كان الموضوع علم التوحيد سردت 
الوقائع التاريخية | يحلو للبعض أن يصفها وكأن علم التوحيد جزء من التاريخ العام . 
فإذا ذكرت المعتزلة ذكرت حادثة واصل بين عطاء مع الحسن البصري ونشأة المعتزلة 
باعتزاله مجلسه . وإذا ذكر خلق القرآن ذكرت محنة المعتزلة وعصور المأمون والمعتصم 
والمتوكل » وإذا ذكرت الشيعة ذكرت أساء الأعلام والأئمة . وتنسب المذاهب والأفكار 
الى الأماكن فهناك الحرورية والبصريون والبغداديون والكوفيون في حين أن الأفكار 


(43) نذكر مثلا سميث طخنسة 110 وجهوده في وضع الحضارة الاسلامية ضمن علم تاريخ الأديان ٠‏ وجهود 
فون جرونباوم تداة ع1 ٠700‏ في وضع الحضارة الاسلامية ضمن الحضارات المقارنة مستعملا المنبج 
البنائي ءِ وحاولاات كوريان قلطره0) .11 واستعماله المنبج الفينومينولوجي وتحليل الوجود الانساني من أجل 
دراسة التصوف الاساعيلٍ خاصة وكذلك موضوع التفسير . 

(44) أنظر أول عرض هذه ال مناهج وتقديمها في رسالتنا 0611-1701© .مم عوذع 0:86 5680065 5ع[ وأكبر مثل 
توجد فيه هذه الأخطاء جتمعة هي ما يسمى «دائرة المعارف الاسلامية » الي وضعها المستشرقون والتي 
يترحمها الآن الياحثون المسلمون مع بعض الاضافات والتعليقات والتهميشات زيادة قِ العلم ولتصحيح 


5 


مستقلة عن الأماكن ولا وجودها الخاص في الشعور وإن كانت محمولة على الواقع وتظهر 
فيه في صورة حركات واتجاهات ونظم . فإذا جاءت الفلسفة وعصر الترجمة ذكرت أسماء 
مراكز الترحمة ودور الحكمة . وأساء المترجمين وأسماء ترجماتهم . أما فن الترجمة ذاته 
وصلته بالفكر . ونشأة الألفاظ والمعانى والجدل بينهما فلا شىء منه يذكر . وإذا جاء الفقه 
والأصول ذكرت الحجاز والعراق ومصر . وذكر الأوزاعي وأبو يوسف وكأن مناهج 
التشريع من عمل الأمصار ومن وضع الفقهاء . وإذا جاء التصوف ذكرت البصرة 
وبغداد » وفارس والأندلس . ومصر والشام . وتنائرت القصص والحكايات . والنوادر 
والفكاهات . ولكن كيف نشأ التصوف في شعور الجماعة فذلك مالم يعلمه أحد . 
وقد يعدو التاريخ عل أنه تاريخ م حياة المفكرين وأنسا بهم ء ؛ مولدهم وثقافتهم » 
ميوطهم وأهواؤهم 5 مذاهبهم وأفكارى 5 وظائفهم ومناصبهم مع أن الفكر الاسلامي 
لاا يضع أقكاراً بل يعرض طريقة في تفسير الصوص الدينية وفهمها وتحويلها الى معان 
وأبنية نظرية . فلا يأتي علم التوحيد من دراسة الشخصيات لأن عالم التوحيد لا يضع 
حقائق من اكتشافه الخاص لم تكن معروفة من قبل بل هو عارض لموضوعات الوحي على 
مستواه الثقافي وبلغة العصر . ليس هناك نظريات للنظام ٠‏ وأخرى للجويني ٠‏ وثالثة 
للغزالي » بل هناك نظريات الكمون ». ونقد العلة . صحيح أن الأفكار الفلسفية قد 
ارتبطت في تاريخ علم الكلام بأصحابها » فهناك الكرامية والهذيلية والأشعرية والجهمية 
والواصلية . . . الخ ولكنها مهمتنا نحن في القضاء على الشخص لابراز الفكرة 
اللاشخصية حتى يمكن التعامل مع الظواهر الفكرية باعتبارها مستقلة عن القائلين 
مها(5*» . ويقال أيضا السينوية والرشدية وكأن ابن سينا وابن رشد قد أبدعا ما لديهها من 
مذاهب وم يعرضا أناطاً حضارية مستقلة عن أشخاصهما . ولولم يظهر ابن سينا وابن 
رشد لظهر غيرهما بنفس الأغاط الحضارية . وكذلك في التصوف يقال مذهب ابن 
الفارض أو ابن عربي . وكلاهما لم يبدعا مذهباً بل ظهرت وحدة الشهود ووحدة الوجود 
من خلالهم| . وإن لم يظهرا فيهما لظهرا في غيرهما . وما الأشخاص إلا عوامل للأفكار 
وليست مصدرا ها . 
لقد نشأ المستشرق في الغرب . وتعود على بيئة ثقافية يضع فيها المفكر فكراً أو 
يني مذمبائم ينب هذا اللحب اب . فبعد أن أسقط عصر النبضة كل الأنماط النظرية 
القديمة للواقع » وأصبح الواقع عارياً من كل أساس نظري ء اضطر المفكرون الى 
البحث عن 0 يفهم الواقع على أساسها فنشأت المذاهب الفلسفية والتيارات 
(45) يقوي هذه النزعة فينا أثر الثقافة الغربية على عقليتنا » وارتباط المذهب هناك بالقائل به » فلدينا الديكارتية 
والكانطية وال هيجلية والماركسية والبرجسونية . . الخ . 


16 


الفكرية كي تسد هذا النقص النظري » ونسبت الأفكار الى الذين صاغوها » ومن ثم 
ظن المستشرق أن أن كل حضارة لا بد وقد نشأت بالضرورة على خط الحضارة الغربية » 

ونسب لى كل من ابن سينا وافارابي وان رشد مذهب وتحدث عن السيتوية اميم ب 
ونسب الى الاشعرى مذهبا أ وتحدث عن «١‏ الاشعرية » بل أن معاصرينا رغبة منهم لي 
التشدق بالخلق الفني والفكري فإنهم يحولون إسمهم ويجعلونه عنواناً لمذهب©* . 

وفي كثير من الأحيان لا يكون مر السلامي مذهب واحد . فمثلاً ما هو 
مذهب الغزالي ء » هل هو التصوف أم الفلسفة أم المنطق أم الاخلاق أو السحر 
بالطلرات ؟ وما هو مدهب ابن سينا ؟ هل هى الفا فة أم التصوف أم العلم ؟ وما هو 
مذهب ابن رشد ؟ هل هو الفقه أو الكلام أم الفلسفة 1 العلم ؟ هناك إذن تيارات 
فكرية تتخلل المؤلف ولا يكون هو إلا عارض ا . هناك علوم عامة تنشأ من الوحي 
بتحوله الى حضارة تتخلل المؤلف ولا يكون هو إلا مصنف فيها . ومن هنا ظهر التكرار 
والنقل والاستعارة من المؤلفين بعضهم من البعض الآخر لأن العلم موضوعي . مشاع 
للجميع » ل يتب ال فر ون فرد» وكأ القن كلهم فرق يلون في موضو] 
واحد مستقل . وف أحسن الأحوال يكون التاريخ ريغا للمذاهب والتبارات الفكرية 
ولكنبا أيضا ترد الى التاريخ العام والاحداث الاي وتصبح تاريخاً للفرق 00 
أو الجمعيات مع إغفال تام للأساس النظري الذي تقوم عليه وربطه بالأصول . 
هذه الحالة لا ينسب التيار أو المذهب الى الفرق مثل المعتزلة والشيعة والسنة ال 
فكرة يتحدد باسمها مثل التأليه والتجسيم والتشبيه والتنزيه في التوحيد أو الجبر والكسب 
والاختيار في الافعال . فالصلاح والأصلح واللطف . والأمر بالمعروف والنبي عن المنكر 
موضوعات مستقلة عند المعتزلة . والطبيعة والكمون والتوليد موضوعات مستقلة عن 
الحاحظ والنظام ومعمر وثامة وباقي أصحاب الطبائع . والاشراقية والعقلانية 
موضوعان مستقلان عن الفارابي وابن سينا أولاً وعن ابن رشد ثانياً . والقول بالرأي 
والقول بالأثر منبجان مستقلان عن العراق والحجاز . ووحدة الشهود ووحدة الوجود 
والوحدة المطلقة كلها مستقلة عن ابن الفارض وابن عربي وابن سبعين ٠.‏ 

ولا يعني ذلك تحريم دراسة المفكرين الاسلاميين5*') . بل يمكن دراستهم ليس 
باعتبارهم مؤلفين بل باعتبارهم كتابا » فإذا كان المؤلف هو الذي يضع فكراً بل يخلقه 
وبدعه بجهذده الشخصي وبصرف النظر عن أي مصدر له خارج جهده العقلٍ المحض 


(46) هوما يقال حالياً باسم : المدبولزم » . 
(47) أختيرت الصفة ١‏ اسلامي 6 بدل الدسفة ومسلم » وذلك لأن الأولى تدل على موقف فكري ابتداء من 
النصوص الموحاه بينم| تدل الثانية على اعتقاد شخصى 


77 


فالكاتب هو الذي يعرض الفكر ابتداء من مصدر معين هي النصوص الموحاة 29 . 
فدراسة المفكر على هذا الأساس ليست دراسة لتاريخ حياته الشخصية : مولده 
ونشأته » طفولته وصباه . رجولته وكهولته » مرضه ووفاته . علاقاته » آثاره الاجتاعية 
بل عن طريق إعادة بناء موقفه الفكري الذي يتلخص أساساً في كيفية فهم النص 
الموحى به والتعبير عنه إزاء معطيات ثقافية في ظرف معين . فإذا تمت إعادة بناء الموقف 
الفكري للكاتب نخاصة إذا كان كاتباً بادئا مثل الشافعي وعلم الأصول ٠‏ وأبو حنيفة 
وعلم أصول الدين . والكندي والفلسفة وليس مضيفاً يمكن بعد ذلك رؤية منبج فكري 
من خلال هذا الموقف . فإذا تمت إعادة بناء الموقف الفكري للشافعي مثلا يمكن تلمس 
جوانب المنبج الأصولي خاصة مناهج الرواية ومن ثم احتمال وجود منبج إسلامي منتميز 
في النقد التاريخي للنصوص . وإذا تمت إعادة بناء الموقف الفكري مالك مثلا أ داب 
حنيفة أو لابن حنبل أمكن أيضاً تلمس بعض خصائص فكرية من كل مفكر. و 

أن كلا منهم , طبقا لثقافته وبيئته , اول يان جا ع جوائب مي واحد اول 
الكل الوصول اليه والتعبير عنه : الواقع عند مالك . والفكر عند أبي حنيفة » ووحدة 
الواقع والفكر عند الشافعي ثم اللجوء الى النصوص الموحى بها باعتبارها المصدر الأول 
للفكر عند ابن حنبل خشية استبدال الناس الحضارة بالوحي . وترك الأصول وأخذ 
الفروع . ويمكن إعادة بناء الموقف بصورة كاملة إذا كان للباحث موقف مشابه . 
فالباحث ليس دارساً مخبراً فقط أو دارساً مجدداً فقط بل هو باحث له أيضاً موقف فكري 
ابتداء من النص - وهو موضوع فكره ‏ في ظروف مشابهة أيضاً . 

والتشابه يوجد في أن كلا من الموقفين, القديم للمفكر والجديد للباحثء يتلخص 
في كيفية حل النص الموحى به للمشاكل الجديدة الموجودة أمامه ويكون السؤال : ما هو 
الاتجاه الفكري للمفكر أو الباحث ابتداء من النص الموحى به في فهمه له وني تحليله 
للعوامل السائدة في موقفه ؟ وبعبارة أخرى . كيف يمكن للنص الموحى به السيادة على 
الموقف وابتلاعه وتحويله الى حالة فرعية بالنسبة له وهو الأصل ؟ فإذا تشابه الموقفان 
يمكن للباحث الحالي أن يسقط تحليلاته لموقفه على المفكر القديم ثما يساعده على سرعة 
الفهم ووضوح الرؤية إذ أنه يعيش الموقف من جديد . هذا الموقف الذي عاشه المؤلف 
القديم . فالمواقف واحدة والاتجاهات منها واحدة إذا تشاببت الظروف وتقاربت 
الاحتياجحات . 
(48) يفضل التعبير ه نصوص موحاه » على « نصوص دينية » وذلك لأن لفظ « دين » أصبح لفظاأً سلبياً خالصاً لا 
يؤهع, , المعنى المقصود به نظراً لافادته كثيرً من المعاني الشائعة التي قد تكون مغايرة بل ومضادة للمعنى الأصلي 
للفظمم التذكرة بأن الوحي لم يكن نصوصاً مكتوبة بل كان مسموعا . أنظر في) بعد و طرق التجديد » . 


78 


الفلسفة الاسلامية ليست مجرد تاريخ للتراث القديم بل هي موقف للباحث 
المعاصر . فالباحث المعاصر غالباً ما يكون باحثاً مسلم| وفيلسوفاً في نفس الوقت . 
ولذلك فإنه لا يستطيع أن يبحث محايداً بل يبحث ملتزماً وآخذاً لوقف . فلا يكفيه أن 
يقرر ما قاله مفكرو التراث بل عليه أن يدخل في مشكلاتهم التي يصنعونها بوصف 
الموقف القديم وتقييمه ثم إعادة بناء هذه المشكلة أو تلك في الثقافات المعاصرة » وأخذ 
مواقف ثم المقارنة بينها وبين موقف التراث القديم وموقف الباحث المعاصر . تلك هي 
مهمة الباحث أساساً . والاكتفاء بالتقرير أو بالنقد الخارجي الذي يعتمد على قضايا 
الدين ومسلاته أو على المزاج الشخصي » هذا النقد الذي يلحق بنهاية البحث لا يكفي 
لاعادة بناء الموقف القديم . فالباحث المسلم يختلف عن المستشرق في أنه داخل في 
التراث . والتراث جزء منه , وهو مسؤول عنه مسؤولية قومية , ولا يستطيع أن ينظر 
اليه نظرة السائح الغريب الذي يعجب ويتأمل عالما غريبا عنه بل هو مسؤول فكريا 
وقوميا عن موضوع دراسته . وله الحق في تغييره بالزيادة أو النقص » وفي تأويله وتفسيره 
طبقاً لحاجات عصره . وني إكاله وتطويره طبقا لظروف العصر . وهكذا كانت علاقة 
المفكرين بعضهم ببعض 00 يكتب الفارابي كتابا عن الكنندي عارضا آراءه , 
وم يكتب ابن سينا كتابا عن الفاراي أو الكندي محللا لنظرياته) » ولم يكتب ابن رشد 
كتابا عن الفارابي أو الكندي عارضا لوجهة نظرهما بل كان كل منهم مسؤولا فكريا 
وحضارياً (أي قومياً بلغة عصرنا) عن أعمال سابقيه ٠‏ فطورها ناقداً ومتغيّراًومكمّلا . 
بل إن كل عالم من علماء أصول الدين أو أصول الفقه كان يضع العلم ويعيد تأسيسه ولا 
يكاد يذكر سابقيه لأن العلم مستقل عن واضعيه . وكانلايذكرإلا من ينفرد بموقف 
خاص يخرج من البناء للعلم . ولم يكن موقف علماء الأصول من بعضهم البعض موقف 
الشرح والعرض بل كان موقف الند للند : الحوار. والجدل . والنقاش ١‏ والنقد . 
والتفنيد . والحهدم ء وإعادة البناء . ولم يقم أحد بما نقوم نحن به الآن من تكرار لمادة 
قديمة نعيد عرضها . ونبيعها . ونتعالم بها بغزارة العلم واتساع الاطلاع وكثرة المراجع 
ووفرة الاقتباسات الصريحة منها والضمنية » المعلن عنها وغير المعلن حتى لقد أصبح 
تراثنا القديم تاريحاً للمعارك الفكرية وليس مجحرد متحف للأ فكاريتنقل بينها السائح وهو 
غريب عنها . كان الصوفي يأخذ من الصوفي السابق . ويتمثله » ويزيدعليه . ولم يكن 
جرد عارض لآرائه محللا لها » بل إنه حتى في عصر الشروح والملخصات كان الشرح 
زيادة على القديم . وكان التلخيص تركيزاً على الأبنية العامة للقديم دون أطرافها 
فكان أيضاً عملاً إيجابيا وم يكن مجرد إخبار وتعريف وتكرار وعرض . وكان الفقهاء 
أيضاً يكملون بعضهم البعض أو يختلف بعضهم مع البعض الآخر , والجميع على نفس 


79 


المستوى من المسؤولية الفكرية والقومية . ولم تكن تعني التلمذة على شيخ والريادة عليه 
تكرار المريد للشيخ في التصوف أو الفقه أو الأصول بل كانت تعنيى رد فعل ومعارضة 
ومناقضة . فإذا شب المريد فإنه يعيد بناء مذهب الشيخ قبل أن يعد فضائله ويذكر 
مناقبه . ويتضح ذلك أكثر في الفلسفة . فالفلسفة ليست مذاهب للكندي أو الفارابي أو 
ابن سينا أو إخوان الصفا أو ابن رشد بل هى قسمة عامة للفلسفة الى منطق وطبيعيات 
والهيات . ويمكن زيادة قسم آخر وهو النفسانيات كما هو الحال عند إخوان الصفا , 
وهناك في الإلهيات نظريات عامة تحدد الصلة بين الالهيات والطبيعيات . هناك أيضا 
موضوعات عامة مثل استقلال قوانين الطبيعة أو عدم استقلالها بصرف النظر عن 
المفكرين الذين قالوا بالأول أو بالثاني . وكان يمكن أن تتغير الأسماء ولكن لا تتغير الأبنية 
الفلسفية أو علوم الحكمة أو النظريات أو النتائج أو الموضوعات أو المسائل . قد يكون 
هدف المستشرق من نسبة الفكر الى القائل به هو إثبات جدب الحضارة » وصمت 
الوحي . وأنه لولا الفيلسوف أو العالم لما ظهر الفكر . فالانسان هو خالق الفكر وليس 
الوحي هو مصدر الفكر . إذا كان هؤلاء المفكرين والعلماء معظمهم غير عرب وإن كانوا 
مسلمين . فإن المستشرق بذلك قد حقق هدفه من إثبات نظرته القومية على الحضارة 
الاسلامية » وإرجاع الابداع الى الخصائص القومية للحضارة وحتى لا تكون هى 
الحضارة االعربية . 

وقد كان العمل الفكري في ترائن لديم عملا جماعياً ل يحدث باجتماع المفكرين 
معأ في حلقة بحث واحدة ى| يحدث في العصر الحالي . ٠‏ مع أن هذا قد حدث عند إخوان 
الصفا وفي حلقات الكلام والفقه والتصوف . بل عمل جماعي قامت به الحضارة الناشئة 
من مركز واحد هو الوحي . وكأن الوحي المتحول الى حضارة هو الذي يضفي على 
المؤلفين من وحدتهم . ويجعلهم جميعاً وسائل يظهر هو فيها من خلالهم . للفكر مساره 
في التاريخ وما الافراد إلا حوامل له . ومؤلفات أصول الفقه أبنية عقلية خالصة ومناهج 
تاريخية ولغوية وعقلية لا شأن له بالقائلين بها » بل هي تعبير عن أنساق عقلية خالصة 
وكأنها موضوعة بعقل كلي شامل(57*) . ِ 

فإن قيل : إن المهدف من المنهج التاريخي هو الإخبار . والحصول على أكبر قدر 
مكن من المعلومات عن النضارة موضوع الدراسة . فكيف يتأ الفهم المطلوب لما إن 
لم تكن هناك المادة المفسرة أو المفهومة وإن لم يتم البحث والتنقيب عنها والتعريف بها ؟ 


(49) أنظر رسالتنا عوغع0':<6 268005 1.65 وأقسامها الثلاثة : الشعور التاريخي . الشعور الفكري ٠‏ 
الشعور الفعلٍ . 


580 


قيل : كل هذا ليس مهمة المفكر بل مهمة المحقق والناشر والمؤرخ . ولكن الباحث يأتي 
بعد ذلك لفهم ما جمعه المؤرخ وتفسيره وبيان دلالته. ليست مهمة الباحث هي اللإخبار 
والتعريف أي أن يروي لنا ما حدث بالفعل لأن روايته لا تؤدي في الغالب إلى ثيىء جديد 
لأن الفكر لا يمكن تحويله الى وقائع يمكن سردها خاصة إذا كان ناشئاً من وحي يتحول 
هو الى فكر. ويتشكل في صورة علوم حضارية محددة . هدف الباحثين إذن ليس 
الإخبار والتعريف بل إرجاع الظواهر الفكرية الى أصوها الأولى التي خرجت منها - 
الكتاب والسنة ‏ لمعرفة كيفية خروجها منها ومحاولة العثور على منبج أو مناهج دائمة 
ومتكررة يمكن بواسطتها العثور على منبج إسلامي عام . فإذا كان ال هدف من الإخبار هو 
إيصال المعاني فإن المعانىي لا توجد في الوقائع التاريخية بل توجد حين توجد الوقائع في 
النفس وذلك عن طريق التوحيد بين التجارب الشعورية للنفس وبين الوقائع الماضية 
باعتبارها تجارب شعورية أيضاً . يتم إيصال المعان عن طريق قراءة الحاضر في الماضي . 
والشعور بالماضي في الحاضر ٠‏ وليس عن طريق ١‏ الإخبار » المادي ٠‏ فالوقائع الماذية 
مصمتة لا محمل أي معنى . لقد أدى الإخبار دوره ‏ وهو مرحلة تمت وانتهت » فقَل 
عرفنا ما حدث في التاريخ وتكرر ذلك حتى أصبح معاد مدأ بل منقولً من باحث ال 
آخر . والآن بعد إرجاع المواضيع الى أصول في الوحي يمكن إعادة بنائها وإعطائها أسسا 
عقلية يمكن أن تعطيها أبنية مستقلة بذاتها لها براهينها وصدقها ووضوحها في ذاتها ؛ ليس 
المطلوب الآن هو الإخبار بل اكتشاف « تصورات العالم » في علومنا القديمة التي تحدد 
نظرتنا الى واقعنا المعاصر والبحث عن وجهات سلوكنا في أبنيتنا النفسية القديمة التي 
ورثناها . 


لقد نشأ الاستشراق لهذه الغاية » وهى الرغبة في الحصول على أكبر قدر ممكن من 
المعلومات عن البلاد الأخرى التى وقعت تحت الاحتلال الأوربي حتى تستغل هذه 
المعلومات في فهم روح الشعوب القاطنة هناك حى تسهل السيطرة عليها ومخاطيتها 
بلغتها . كانت الغاية جمع المعلومات الى الوطن الأم وهي أوربا عندما كانت دوها 
سيدة البحار . كان المستشرقون هم الوسيلة لذلك©”© . تبعناهم نحن وظننا أن 
حضارتنا هي مجرد إخبار عن ماضي ووقائع نستعيد ذكراها وكأننا نعف أنفسنا يما 
نجهل . ولكن هذه المرحلة انتهت أو قاربت على الانتهاء » يحاول بعض المستشرقين 
(50) كان عديد من المستشرقين موظفين في حكوماتهم أو ملحقين ثقافيين أو سفراء أو جنوداً لهم في البلاد 
المستعمرة 5 تعلموا لغة الشعوب أثناء إقامتهم بيهم وتعلموا عاداتهم وتقاليدهم ودرسوا ثقافتهم وحضارتهم 
وشخصيتهم الوطنية من أجل إعطاء حكوماتهم أكبر قدر ممكن من المعلومات عن هذه الشعوب حتى يسهل 
التعامل معها بما يسهل تحقيق أغراض الدول الأوربية . 


651 


النفاد الى جوهر الفكر دون التارر : يخ ونتلمس نحن ذلك ولكن على استيحاء . ولكن ١‏ 
يحاول معظمهم حتى الآن تمثل وح اق العشرين + روح انحور في لاد انان 

ما زاك غرييا في عقليته وفيٍ بنائه , النفسي , وف , أهدافه وبواعثه . ولذلك نش صراع 
لعبة ا وإقامة بديل عنه وتأسيس وم إنسانية وطنية خاصة علم الاجتاع . 
ولكن ما زال المستشرقون يجدول من يمتح هم ذراعهم من الباحثين الذين هم أمتداد 
الاستشراق في بلادهم والذين وقعوا ضحية مناهجم والذين لم يبلغوا بعد درجة الوعي 
القومى والذين ما زالوا يسلكون « بعقدة الخواجة » أو الذين تربطهم بالاستشراق 
الغربي مصالح مشتركة من مناصب أو درجات أو دعوات أو مؤتمرات . 


والبحث التقريري نوع لم يعرفه تراثنا بل إن الشروح والملخصات ذاتها لم تكن 
مجرد جمع مادة أو إسقاط أخرى بل كانت محاولات فلسفية تزيد من نطاق التحليل الفعلي 
وبيان أسسها النظرية » وهذا هو الشرح . أو أن تركز على الأفكار الأساسية التي تبرز 
من خلال التحليلات والبراهين . وهذا هو التلخيص . أما التقرير المحض الذي يجعل 
: من الفكر مجد تاريخ ويصبح لدينا « تاريخ الفلسقة الاسلامية » أو « تاريخ علم 
لكلام » أو تاريخ التصوف الاسلامي ؛ أده ارخ الفقه ا تناقض 
يفكر على ما يقرر . وينقد ويغير . ومحمد عبده في رسالته عن التوحيد لم يقرر فحسب 
بل حاول إعادة بناء العلم نفسه . والأمثلة كثيرة في التراث على أن الباحث هو 
فيلسوف . والدارس هو مفكر . أما هذا النوع من البحث التقريري الصرف في تاريخ 
العلوم العقلية أو تاريخ المشاكل فهو نوع غريب كل الغرابة عن روح التراث 2 فضلا 
عن الخلط بين التاريخ والفكر. وهو خطأ لا يتبدد إلا بعد دراسة مناهج العلوم الانسانية 
أولا . وتجديد الباحث هدفه وفهمه لطبيعة التراث وخاصيته الأولى ثانيا » وهو أنه وحي 
يتحول الى حضارة » ووضع مثالي يتحول الى علوم مثالية ومناهج فكرية خالصة . 


المنيج التاريي إذن يقضى على وحدة الظاهرة واستقلاها . ويرجعها الى عناصر 
مادية وإلى عوامل تاريخية مع أن هذه العناصر المادية إن هي إلا عوامل للفكر وليست 
مصدرا لموضوعاته . فالطبيعة لا تنتج فكراً بل هي محررة للفكر. ففي مقابل التفكير العلي 


82 


يوجد التفكر الماهوي » الأول يعتبر الموضوعات الفكرية معلومات والعوامل التاريحية 
عللاً . 3 يعتبر موضوعات الفكر مستقلة ويتعامل معها كموضوعات مستقلة أو 
كاهيات أو معان . كا نضع في مقابل التفكير النشوئي التاريخي الذي يتتبع نشأة الأفكار 
في الظروف التاريخية التفكير التكويني الشعوري الذي يتتبع نشأة الأفكار في الشعور . 
وكلاهما المنبج العليّ والمنبج النشوئي التاريخي خطآن من أخطاء العصر. ونقص في 
تكوين عقلية الباحث الفلسفية خاصة أمام تراث ماهوي يعطي موضوعات مثالية . 
مهمة الباحث إذن تحويل الموضوع من أساسه المادي كتاريخ أو حادثة أو واقعة أو فرقة 
الى أساسه الفكري الشعوري من أجل تحديد تصورات العالم . مهمته وضع الحوادث 
التاريخية خارج دائرة الاهتهام ورؤية ماهية الفكر ونشأته في الشعور . ولا يعني محليل 
الظواهر الفكرية باعتبارها موضوعات مستقلة عن التاريخ الوقوع في مثالية مغرقة وذلك 
لأن التاريخ سيظل الحامل للافكار وستظل المواقف الاجتاعية هي المهيئة لظهور الفكر 
من خلال الشعور . أي أن الموقف هو الموقف النفسي الاجتماعي . الفكر لا يظهر إلا في 
التاريخ وفي الموقف الاجتماعي ولكنه لا يتأسس إلا في الشعور . ولكن في التاريخ هناك 
فرق بين الوقائع الدالة والوقائع المصمتة التي لا دلالة لها , فالاولى هي التي تثير الفكر , 
وهي الى يمكن رصدها لأخها تبين مسار الفكر في الواقع ونشأته فيه ؛ في حين أن الثانية 
جرد تجميع لوقائع لا تعني شيعا وكأن التاريخ ما هو إلا مجموعة من الحوادث المتراصة 
لخالية من أى معى . 

ولا كانت الفلسفة الاسلامية ذات طابع عارض وليست ذات طابع مشكل 
فالفيلسوف يعرض نظرياته وآراءه مرة واحدة » ويعبر عن تصوره للعالم » ولا يفكر 
محللا مشكلة ما وعارضاً لأوجه حلوها المختلفة . لذلك كان على الباحث أن يتجه 
بفكره نحو المشاكل نفسها التي تكمن وراء العرض . يعرضها في صيغة تساؤلات 
مفتوحة دون أن يكررها في قوالب ونظريات مغلقة حتى يستطيع السامع أو القارىء أن 
يساهم في حلها . يمكن عرض التساؤلات في صيغة توحي بأن هناك حلين متعارضين 
مثل : هل المنطق يرد الى الإلهيات أم الإلهيات الى المنطق ؟ هل السياسة عند الفارابي في 
تصوره للمدينة الفاضلة ترد الى الالهيات أم الى بناء الدولة الحمدانية ؟ هل الطبيعيات 
تحليل للطبيعة أم اليات مقنعة ؟ هل الله مفارق ىا هو ا حال عند الفلاسفة أم حال كم| 
هو الحال عند الصوفية ؟ هل الوحي تنزيل أم تأويل ؟ ميزة هذا العرض أنه يحبي الفكر 
عله مشكلة بل ومشكلة شخصية الطالب "و السايع أ القارىء إذ عليه أن يختار أحد 
حلين أو أن يرفضهم معاً أو يقيم حلا ثالثاً لو استطاع ذلك5'0» . لا بد للفلسفة 


(51) لا يعني ذلك الوقوع في النظرة الأحادية الطرف والانتقال من نقيض الى نقيض وفقدان التوازن كما هو الحال 


053 


الاسلامية إذد من الفكرة الموجهة ومن فرض أولي حتى يمكن إحياء المادة وفهمها وعدم 
تكرارها . فكيا أن الطبيعة لا تتحدث بل يشع فيها نور العقل فتصبح معقولة . كذلك 
مادة الفلسفة الاسلامية له تعرص نفسهأ وتحتاج الى فرص يمكن شرحها وبيانها وإلا 
لصارت جزءا بن التاريخ العام أو تابيخ لكل د الفللاسفة مادة في كتب 
يمكن العثور عليها إما من الوحي وهو الصدر أو من العقل وهو الأساس أومن الواقع 

وفي النباية . يمكن للباحث ابتداء من الإخبار أن يقوم بإعادة البناء فإذا استطاع 
فإنه يمكنه بعد ذلك أن يقوم بالخطوات الثلاثة الآتية : 


1 - أن يقوم الباحث بجمع المادة الفكرية اللازمة إما لارجاعها الى أصولها في 
الوحي أ و لإعادة بنائها في العقل دون نقد أو تمحيص اد تدخل شخصي من الباحث 
خاصة إذا كان مجدداً همه الأول هو عرض الموضوعات أو النظريات أو العلوم وترتيبها 
وتصنيفها دون أدنى تفسير من جانبه » يكفيه لذلك أقل درجات الوضوح العقلٍ . وهذا 
حت برجن الى الوحي كنقطة ارتكاز . 

- أن يقوم الباحث بتجاوز الترتيب والعرض الى النقد والتمحيص محلا 
وناقدأ 2 50 ومقترحاً 2 مؤيداً ومهاحماً إما .بتار الى الأصول في الوحي أو بالنظر الى 
الفهم الشخصي للباحث أو ذوقه الفلسفي أو اتجاهه العلمي أو واقعه الاجتماعي . 
وغالباً ما يتعرض هذا النوع الى خلط بين الأصول نفسها وبين المزاج الشخصي للباحث 
أو انتسابه المذهبي . وفرق بين النقد والتجديد 5 فكثيراً ما يتوجه الباحث في آخر 
مشكلة بعد أن يعرضها عرضاً تاريخيا - مقرراً بذلك مادة حايدة لا دل له فيه - كثيراً 
ما يتوجه بالنقد المعتمد على قضايا الدين أو مسلاته » وفي أحسن الأحوال على النظر 
العقلي والذوق السليم. » كما يعتمد أحياناً على الذوق الفلسفي والمذهب الفكري الذي 
ينتسب اليه 'الباحث . وهذا ليس هو المطلوب إذ أن هذه الطريقة الى تقرر مادة محايدة 
وهي في الحقيقة ليست كذلك والتى يلحق بها نقد خارجي لا يجدي تقع في خطأين : 
خطأ التقرير وخطأ النقد الخارجي . 
- أن يقوم الباحث بعمل مرضوعه من جديد باعتباره مفكراً أو فيلسوفاً أو 


في العقلية الغربية بل يعني فقط إثارة إشكال هو إشكال عصري . وإعادة الاختيار بين الاحتهالات طبقاً 
الحاجات العصر ومتطلباته : 


عالماً » يحاول أن يبنيه من أساسه مستنيراً بالاصول ومستعيناً بالمادة العلمية التي عرضها 
الباحث الأول والتي نقدها الباحث الثاني » ولكن جهده يتركز أساساً على تكوين 
الموضوع وبنائه باعتباره مؤلفاً كالمؤلفين السابقين المطلوب من الباحثين الدحول في 
المشكلة القديمة وإعادة وضعها كموقف التزم فيه بفكر التراث وأخذ موقفاً منه . وبذلك 
يبدو الباحث متسقاً مع نفسه . وممثلا لحضارته . يحاول الباحث المجدد أن يعيد بناء 
الوقف القديم بثقافة العصر. وسرعان ما يجد موقفاً يحتمه عليه فهمه الجديد للوحي . 
1 بعد ذلك أن يقارن بين حلول التراث وأن يبني مواقفه من جديد لأن |الحدوس 
الفلسفية واحدة تتكرر في كل عصر وبكل لغة وفي كل ثقافة . وهي معادلة صعبة أن يجمع 
الباحث بين التاريخ والفكر. فلا تهمنا الوقائع التاريخية بقدر ما يهمنا الفكر والتحليل 
النفسي للافكار ومدى أثرها وفاعليتها في الجماهير عن طريق إعادة بناء الموضوع نفسه في 
الشعور وتجربته على الباحث نفسه . وعلى هذا النحو يتم الخلاص من عيوب المنيج 
التاريخي (52) , 
المعبج التحليل : 
يقوم هذا انيج عل تفتيت ماخر الفكرية الى مجموعة من العناصر يتم التأليف 
بينها في حزمة لا متجانسة من الوقائع أ والعوامل التي أنشأتها . فالظاهرة الفكرية ظاهرة 
مركبة تركيباً صناعياً يمكن تحليلها الى عناصرها الأولية حتى يتم توضيحها وفهمها فإذا 
كان المنبج التاريخي يقوم باستبدال واقعة مادية بالظاهرة الفكرية فإِن تت التحليلٍ و 
بعد ذلك بتفتيت هذه الظاهرة الصناعية وردها الى عناصرها الأولية أو الاجتماعية أو 
السياسية أو الدينية . وهكذا أصبح العنصر الديني مع أنه هو الدافع الأول لتكوين 
الظاهرة عنصراً مساعداً لبقية العناصر , ضامراً . متقوقعاً على نفسه , يتدخل فيا لا 
وهذا المنبج مخالف تماماً لطبيعة الظاهرة الفكرية المدروسة التي تكونت أساساً من 
نحويل النص الموحى به الى معنى والمعنى الى بناء نظري . ففكرة العوامل الي نحدد 
تكوين الظاهرة وتتحكم فيها وفكرة العناصر التي تتكون منها مادة الظاهرة لا يمكن أن 
تساعد على فهم الظاهرة الفكرية التي نشأت طبقاً لمنيج في تفسير النصوص أي طبقا 
(52) لذلك وضعنا في الهامش كل التاريخ القديم وتحليلاته المدعمة بالنصوص ووضعنا الفكر وتحليل الموصوعات 
وبنائها في الشعور في صلب الصفحة . ولقد أطلنا في عرض المنيج التاريخي أكثر من المناهج الأخرى باعتباره 
أكثرها شيوعاً في الاستشراق ولشموله أحياناً للمناهج الأخرى . ( أنظر تطبيقا لذلك ٠:‏ من العقيدة الى 
الثورة » خمسة مجلدات . مدبولي القاهرة 1988 . دار التنوير » بيروت 1988 ) . 


ل 


لمنطق في فهم الوحي وحسب منطق عقلي آخر حدد طبيعة البناء النظري الظاهرة 
الفكرية الناشئة من محول الوحي الى حضارة ليست ظاهرة مركبة تركيباً صناعياً من 
عناصر ووقائع مادية أنشأتها عوامل تاريخية بل ظاهرة معنوية نشأت من تحول النص 
الديني في شعور المفكر الى معنى 5 فهي امتداد للنص الديني على مستوى الفكر . 


والأمثلة كثيرة على ذلك . فعديد من الدراسات على المسائل الحزئية في علم 
الكلام لا تعطي نظرة شاملة على أساس هذا العلم ولا تدرك جوهره . فيمكن دراسة 
عدة جوانب من التوحيد كالتأليه أو التجسيم أو التشبيه أو التتزيه مع إعطاء مئات من 
الآراء عن كل منبها ولكن ذلك كله لا يجعلنا ندرك ماهية التوحيد أو عملية التوحيد أو 
عمليات الشعور التي وراء النظريات الجزئية . كذلك عديد من الدراسات الجزئية عن 

عصر الترحمة وأسماء المترحمين وعناوين ترجماتهم لا تعطي كلا شاملا عن معنى الترجمة 
والدور الثقاني الذي قامت به في تمثيل الفكر الاجنبي وتمثله واحتوائه داخل لغة الحضارة 
الجديدة ونشأة لغة جديدة للتعبير مها عن المعاني الواردة . ونظريات متفرقة من هذا 
الفيلسوف أو ذاك في علمه أو فلسفته أو طبه أو رياضياته لا تكشف عن حدس 
الفيلسوف ومنهجه وتصوره الذي يحاول به التعبير عن الوحي . وتحليلاته متفرقة عن 
القيم الصوفية والأحوال والمقامات لا تكشف عن التصوف كقصد عام وموقف كلى من 
الحياة وتيار خاضع لظروف إجتاعية ينشأ بوجودها ويختفي بعدمها . وتحليلات جزئية 
مناهج الرواية لا تكشف عن المناهج العامة للنقد التاريخي التي وضعها علماء الحديث 
والأصول وتفريعات متنائرة عن اللغة لا تكشف عن منطق اللغة والصلة بين اللفظ 
والمعنى والشيء . وتقسييات لا تنتهي لأنواع العلل لا تكشف عن الصلة بين الوحي 
والواقع أو بين النص والعالم . ونظريات متناثرة عن العلوم العقلية الاسلامية لا تكشف 
عن بناء عام للحضارة الاسلامية وتطورها . تظهر فيه الحضارة كوحدة عضوية واحدة . 


وقد نشأ تفتيت الظواهر الى عناصرها الأولية من عقلية الباحث الغربي ومزاجه 
وثقافته وبيئته وطبيعة الدين الذي نشأ فيه وطريقة تحوله الى حضارة عن طريق الرفض 
وردود الفعل . فطبقا للمسيحية التي يعتنقها عديد من المستشرقين يمكن تقسيم الظاهرة 
الى عوامل دينية وأخرى غير دينية لأن الْدذر ين لا ينظم إلا جانباً خاصاً من جوانب الحياة 
وهو الجانب الروحى وما سوى ذلك فهو الجانب المادي لا شأن للدين به . هناك إذن 
عامل ديني وعامل غير ديني يشمل العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . فإذا نظر 
المستشرق الى نشأة الفرق الاسلامية فإنه يحكم بأن هذه النشأة سياسية وليست دينية . في 
حين أن الوحي الاسلامي بطبيعته لا يفرق بين الدين والواقع . والعامل السياسي عامل 


580 


ديني » والعامل الديني عامل سياسي واقتصادي واجتاعي . . . الخ . وعندما رفضت 
العصور الحديثة في الغرب كل الموروث القديم عن طريق رد فعل هائل ضد السلطة 
الموروئة ظهرت الأفكار الجديدة من خلال ظروفها الاجتاعية وبيئتها الثقافية . فمنبها ما 
نشأ نشأة سياسية ومنها ما نشأ نشأة إجتتاعية » ومنها ما نشأ نشأة اقتصادية . وهكذا 
يمكن تفسير نشأة الأفكار وتطورها منذ عصر النبضة حتى الآن في الثقافة الغربية عن 
طريق البحث عن العوامل التي سببت نشأتها . ويجوز في كثير من الأحيان تفسير الظاهرة 
بعامل واحد وبذلك تنشأ العقلية أحادية الطرف تتقلب على العوامل . واحد تلو 
الآخرء لا تستقر على حال . وانتقلت الثورة على الموروث إلى هذا الموروث ذاته تبحث 
عن مصادره فتحالت النصوص الدينية » وتفتت الى مصادره في ريخ الاديان أ و تاريخ 
المجتمعات القديمة » وثبت أن ما ظنه الناس قروناً طويلة وحياً أنه ليس كذلك بل 
بجموعة من كتب التاريخ القصصي والأساطير . تحللت النصوص ورجعت كل ققرة الى 
مصادرها في بابل أو آسيا الصغرى أو مصرء وظهرت بواعث التأليف سياسية واقتصادية 
واجتاعية. ولما أثبت التحليل جدارته في النصوص الدينية في الغرب, ولما كان المستشرق 
في الهاية باحثا غربيا نا وتكون في الثقافة الغربية لن أن ما حدث في بيئته لا بد وأن 
يكون قد حدث ضرورة في كل بيئة أخرى . وهذا هو خطر تعميم الجزء على الكل . 
لقد سارت العقلية الأوربية في المناهج التحليلية لأنها اصطدمت بمعطيات مركبة أضرات 
مها وبواقعها . وكان لزاماً عليها تحليلها للكشف عنما إذا كانت معطيات صحيحة أو 
باطلة . فالتحليل باعث في الشعور الأوربي كوسيلة للكشف عن الزيف والبطلان : 

وقد يستعمل التحليل عمد للقضاء على الطابع الكلي الشامل وهو أهم ما يميز 
الحضارة الاسلامية التى قامت أيضا على وحى كلى شامل ٠‏ فبتفتيت الكل لا يرى أحد 
الأجزاء المتناثرة » ومن ثم لا تختلف الحضارة الاسلامية عن الغربية في شيء » فكلاهما 
مجموعة متنائرة من الأجزاء . وقد يستعمل التحليل بطريق لا شعوري تعبيراً عن رغبة 
دفينة في الهدم وقضاء على الموضوع » فالتحليل تفتيت وسحق . يحقق الباحث ما يريد 
من القضاء على الظاهرة إن أراد . وقد يستعمل التحليل حتى يمكن رد كل جزء إلى 
أجزاء شبيهة في حضارات معاصرة » ومن ثم يكون التحليل مقدمة لاثبات الأثر 
الخارجي وتفريغ الحضارة من مضمونها الأصيل . 

وقد حاولت المناهج الغربية المعاصرة استدراك الأمرء فظهرت المناهج التكاملية 
التي تبغي أخذ العوامل كلها مرة واحدة » واستبعد التفسير الأحادي للظاهرة . كم| 
ظهرت مناهج « الجشطلت » تعطي الأولوية للكل على الأجزاء . ونشأ منبج وصف 
الظواهر يعطي أيضاً الأولوية للكل على الأجزاء » ويجعل من الظواهر الفكرية ماهيات 


7 


مستقلة عن عواملها المادية » بل ونشأت مذاهب فلسفية كاملة » مثل مذهب هيجل 
تقوم على وصف الكل وأن الأجزاء ما.هي إلا تعيينات للكل الذي يتطور ويظهر في 
الأجزاء . ويتجلى ويدلكشف على مسار التاريخ . ولكن المستشرق نادراً ما يأخذ بيئته 
الثقافية موضعاً للدراسة والتأمل . ونادراً ما يحلل شعورها الخاص لرؤية عملياته . 
يخضع لمؤثرات بيئته » ولا يحاول التحرر منها برخم من اننا ات المعاصرة والتنبيه على 
الاخطار . ولكن في الشرق . وفي رحلاته إليه ٠‏ بل وني رغبته في التتخصص اقيق 
والبحث المنمق » ينسى الكل وراءه أو فوقه . ل يتابع المستشرق في ما منبجه التحليلٍ أي 

مناهج تحليلية في القرن العشرين . تحليل اللغة . تحليل المفاهيم والتصورات . 1 
المنطق . تحليل الرموز ء تحليل المعطيات الحسية » تحليل التجارب الشعورية » التحليل 
النفسي . التحليل العاملٍ . . . الخ أي أنه حتى في تحليله التاريخي انعزل عن الفلسفة 
التحليلية وهي إحدى فلسفات العصر الرئيسية كرد فعل على المناهج التركيبية والنظرات 
الشمولية والمذاهب الشامحة التي سادت القرن التاسع عشر . وكان بإمكانه الاستفادة من 
كل هذه المناهج التحليلية الفلسفية لأنها أكثر قدرة على تحقيق أهدافه الثابتة وأكثر تعبيرأً 
عن عقليته الغربية . وقد تكون المناهج التحليلية المعاصرة على مشارف الانتهاء بحدوث 
رد فعل عليها والعودة الى النظرة الشاملة للأمور . ولكن المنبج التحليلي الاستشراقي 
باق لا يتغير. ومستمر منل نشأة الاستشراق حتى الآن . فالاستشراق لا يحدث ردود 
فعل على نفسه .2 ذ فهو الفعل ورد الفعل معاً . وأي مستشرق يرفض المناهج التحليلية 
ويحاول إعطاء نظرة شاملة ؛ فإنه يتعسف في النظرة » يركبها طبقا لهواه أو لأحكام عامة 
على الحضارة بالجدب . وعلى الدين بالجمود . وعلى الوحى بالاضطراب والاختلاط . 
وعلى التوحيد بالتجريد , وعلى العقائد بالقضاء والقدر , وعلى الشعوب بالتخلّف . 


وليس معنى ذلك أن المنيج التحليلٍ في ذاته عقيم ٠‏ ففي تراثنا القديم نماذج من 
يلات التي تكشف عن البناء الكل . بل أن الثراث كله قائم على نظرية في التحليل . 
تحليل الوحي إلى مراحل . وتحليل العقائد إلى أصول . وتحليل أصول الفقه إلى أدلة . 
كل علم يقوم على تحليل . وأوضح مثل على ذلك علم أصول الفقه وعلوم التصوف . 
ذ, علم أصول الفقه تحليل الشعور التاريخي . وتحليل مناهج الرواية » وتحليل الألفاظ . 
وتحليل الأحكام . وفي علوم التصوف تحليل الأحوال والمقامات . وتحليل مراحل 
لطريق الصوفي . ولكن التحليل هنا هو التحليل التكويني الذي يكشف عن البناء العام 
أو التحليل الارتقائي الذي يبين مراحل التكوين وليس التحليل التجزيئي الذي يقضى 
على بناء الظاهرة وينفى وجودها . ْ 


58 


ج -المنبج الاسقاطي : 

ويقوم هذا المنبج . وهو في الغالب لا شعوري . باستبدال الظاهرة المدروسة 
بظواهر أخرى هي أشكال الأبنية النظرية الموجودة في ذهن المستشرق .يراها في الواقع 
فيا يذلك الظاهرة الموضوعية التي أمامه والتي كان في نيته دراستها قد يكون الاسقاء 
مطلقاً عندما لا يرى المستشرق من الظاهرة التى أمامه شيثاً .ولا يرى فيها إلا صورته 
الذهنية . وقد يكون نسبياً عندما يرى الظاهرة ولكن يضيع منه تفسيرها الحقيقي وكيفية 
خروجها من النص الديني . ويعطي بدلاً عنه تفسيراً آخر يخضع للأبنية النظرية لصوره 
الذهنية . فالظاهرة الموجودة بالفعل بما أنها لا توجد كصورة عقلية في ذهن المستشرق 
فإنه يحكم عليها بالنفي . والظاهرة التى لا وجود لها بالفعل ولكنها توجد كصورة ذهنية 
عند المستشرق فإنه يحكم عليها بالوجود الفعلٍ . والثيء ء الوحيد الموجود بالفعل يصبح 
خلطأً لآن البناء النظري في ذهن المستشرق بناء ثنائي . والشيء الوحيد الموجود الف 
يصبح تفرقة لآن صورته الذهنية في ذهن المستشرق صورة مفترقة . وهكذا يصدر المبج 
الاسقاطي أحكام قيمة يعلي فيها من شأن هذه الصور الذهنية ويقلل من شأن 
الموضوعات المدركة بالفعل . ويتضح هذا باستمرار خاصة إذا كان موضوع الدراسة 
نفسه باعتباره مقياساً للظواهر الفكرية يمكن أن يكون مرآة تعكس الصور الذهنية 
المسقطة عليها من شعور المستشرق وأن يردها من جديد الى ذهنه . الاسقاط إذن خطأ 
في الادراك يجعل المستشرق في عزلة ذهنية » .ويضعه في موقف نرجسي خالص عندما لا 
يرى في العالم الخارجي من موضوعات إلا ما هيو موجود في نفسه كصور ذهنية . 

فمثلا يقال عن الإسلام أنه « المحمدية » أو « الاسلامية » في حين أن « الاسلام ) 
إسم لا يحتاج الى وصف آخر . وقد ساه المستشرق المحمدية كيا تنسب المسيحية الى 
المسبيح ؛ والبوذية الى بوذا » والكونفوشيوسية الى كونفوشيوس ., والتاوية الى تاو. وك) 
يسمى مذهب هيجل اليجلية » ومذهب ماركس الماركسية . ىا ركز المستشرقون كثيرا 
على حياة محمد . وحاولوا كتابة عدة تواريخ لحياته ) حدث في العصر الحديث بالنسبة 
لحنياة المسيح يميزون فيها بين الواقع والاسطورة » بين محمد التاريخي ومحمد الايماني . 
وكثيرا ما تحدث المستشرقون عن الكنيسة الاسلامية أو السلطة الدينية وعلاقاتها بالدولة 
وعن أن سبب تأخر العالم الاسلامي اليوم هو عدم الفصل بين الدين والدولة مع أن هذا 
إسقاط من ذهن المستشرق المسيحي من تاريخ الغرب المسيحي ومكاسبه التي نالها من 
الفصل بين الكنيسة والدولة وتحرر الجماعات من سلطة الكنيسة . وأخذ النمط الغربي 
على أنه هو النمط العام الذي على أساسه يعاد بناء كل الأنظمة الأخرى , أو إتهام 
الترحيد الإسملامي بأنه تجريدي خالص لا يمكن فهمه ولا يقاد إليه 


059 


الذهن ابتداء من رموز حسية وهى الأيقونات . وهذا إسقاط من ذهن المستشرق 
المسيحي . والحكم على التنزيه بالتجريد » إسقاط من التجسيم والتشبيه الذي تعود 
عليه . ولذلك عندما يؤيد التصور الشيعي القائم على التجسيم والتأليه على التصور 
السني القائم على التنزيه الخالص فإنه إنما يسقط من نفسه مقياس الاختيار . وهو 
المقياس المسيحي العقائدي . وعندما يقال أن الاسلام دين قوة أو دين مذكر أ و دين 
رجولة أودين حرب فإن المستشرق إنما يسقط من نفسه تصوره للمسيحية على الأقل نظرأ 
على أنها دين تسامح وحب » ودين سلام وإيمان . فكل حكم نفي يقوم به المستشرق 
يقوم على نفي لما لا يوجد في ذهنه » وكل حكم إيجاب يقوم على إثبات لما يقوم في ذهنه . 
وإذا ما ظهرت حركات تجديد تدعو الى تغيير الواقع أو إلى اعادة فهم التراث فهما عقلانيا 
يل علياة والحادا . وقد نشأ المستشرق ف بيئة كهنونية ويتسب الى دين كهنوتي فكل 
ثورة ضد الكهنوت الدخيل على عقليتنا المعاصرة تكون علمانية . ىا تعود على تصور أن 
الله متجسد فكل رفض لهذا التصور لله يعتيره إلحاداً . وإذا ما نشأت حركات أخرى 
تدعو الى البدء بالواقع وإلى فهم حياة الناس قيل مادية وماركسية وذلك لأآن الباحث 
الغربي تعود على أن الروح شيء وأن المادة شيء آخر . وعلى أن كل من يبدأ من العالم 
يكون ماديا وكل من يبد | بحياة الناس وصراعهم يكون ماركسياً في حين أن تراثنا القديم 
قد قدم لنا هذا النمط الفكري عند أصحاب الطبائع من علماء الكلام وعند ابن رشد 

من الفلاسفة .كما أن عديداً من الثورات في تاريخنا القديم , ٠»‏ مثل ثورة الزنج وثورة 
القرامطة قد نشأت بدءاً بالواقع من أجل تغيره تغيراً جذريا . ولا بحدث هذا الاسقاط 
من الباحث الأوري فحسب بل قد يحدث أيضاً من باحث ينتسب الى الحضارة 
الاسلامية ولكنه مثقف ثقافة غربية » ويتبع منطق الغرب في تفكيره . ولم يحاول التنصل 
منها أو وعي ذاته ومنطق حضارته 2 فيصير الاسلام في ذهنه ديناً مثل غيره من 
الاديان . ويقاس على المسيحية .» وتنقل دعوات الاصلاح على النمط المسيحي 
الغربي(7 © . 


وينشأ المنبج الاسقاطي من خضوع الباحث واه وعدم استطاعته التخلص من 
الانطباعات التي تركتها لديه بيئته الثقافية المعينة مع أن التحرر من الأحكام المسبقة 
العقلية والانفعالية معأ هو الشرط الأول للبحث العلمي ( وذلك نأشبىء عن إِيمان 


المستشرق بثقافته وأنها هي النموذج الوحيد لكل الثقافات وأنه ينتسب الى حضارة هى 


(53) مثل الدعوة الى العلانية عند على عبد الرازق وخالد محمد خالد . والدعوة الى المادية العلمية عند إساعي 
: عوة الى إساعيل 
فى . 


مركز العالم » ومحور التاريخ ومصدر الحقائق , ومنبع المناهج , ومهد العلوم . قد يرجع 
ذلك الى تضخم في الذات الحضارية لدى المستشرق . ونعرة غربية تجعله ينظر الى 
الظواهر المدروسة من عل ولا يضعها على نفس المستوى مما يسهل الاسقاط . فالاسقاط 
في نباية الأمر هو وضع الآخر في قالب الذات » والحكم بالسواد على ما ليس بأبيض . 
وكأن العقلية الغربية باسقاطها في جوهرها عقلية عنصرية هي الأساس للثقافة والدين 
والفن والعلم والحضارة . 

ليس معنى ذلك أن الإسقاط ذاته لا يؤسس منبجاً ولا يعطي رؤية » بل الاسقاط 
من حيث هو إسقاط لهوى أو مصلحة أو صورة ذهنية بيثية هي الذانية عندما تتوقف عن 
أداء دورها في كشف الموضوع . ولكن الذاتية يمكنها أن تتجه نحو الموضوع وتنيره . 
وتحليله الى معنى, وني هذه ا حالة تكون الذاتية مصدراً لخدس وأساساً لرؤية, وتكون هي 
الذاتية الخالصة المتجردة عن أي هوى أو مصلحة أو صور ذهنية بيئية . وتراثنا القديم 
قد مارس هذا التوجه من الذات نحو ال موضوع ىا داح قٍِ علوم التصوف واعتادها 
على الرؤية والحدس والادراك المباشر وكا هو واضح أيضا في علم أصول الفقه عندما 
يقوم النص الذي يحتوي على الأصل بتوجيه الشعور نحو العلة المشتركة مع الفرع من 
أجل تعدية حكم الأصل الى الفرع . ومناهج الأصوليين في تحقيق المناط وتنقيح المناط 
وتخريج المناط كلها قائمة على البداية بالذاتية .النصية . والقياس الشرعي أيضاً يبدأ 
بتوجيه النص نحو الواقع من أجل رؤيته . والضامن لموضوعية الذاتية هو أنها تعتمد على 
الوحي باعتباره حقيقة موضوعية مستقلة غير موضوعة من الأفراد 0 
وجهات النظر والمصالح والأهواء والنظريات الأحادية الطرف . كما أن براءة الشعور 
الأصلية قادرة على توجيه الذات نحو الموضوع دون قضاء عليه 1 تزييف له » وهي 
البراءة التي تعبر عن النية الخالصة من حيث وظيفتها المعرفية . 


:منهج الخد ولسار . 

أن يقوم المنبج التاريخي كهمة الفصم بن مصذدر الظاهرة الفكرية ؛ وهو 
النص الديق 3 وبين هذه الظاهرة نفسها مرجعا إياها الى مصدر تاريخي محص « وبعد 
أن يقومٍ المنبج التحليلٍ بمهمة تفتيت الظاهرة الفكرية الى عناص وعوامل تاريخية تكون 
موضوعاً إصطناعياً يعادل الظاهرة الفكرية مدعيا تمثيلا ها أو بديلا عنما » وبعد أن يقوة 
المنبج الاسقاطى بمهمة ته لسار تفسير الظاهرة الفكرية ابتداء من الصور الذهنية المهائلة أو 
المخالفة والتى ليس لما إلا وجود ذهنيى خالص في نفس المستشرق . قوم متبج الأثر 
والتأثر بالمهمة الباقية وهي القضاء التام على ما تبقى من الظاهرة مفرغاً إياها من 


01 


مضمونها » ومرجعاً إياها الى مصادر خارجية في بيئات ثقافية أخرى دون وضع أي منطق 
سابق لفهوم الأثر والتأثر » بل بإصدار هذا الحكم دائ] بمجرد وجود اتصال بين بيئتين 
ثقافيتين وظهور تشابه بينهه| مع أن هذا التشابه قد يكون كاذباً وقد يكون حقيقياً » وقد 
يكون لفظياً » وقد يكون معنوياً . والأمثلة على ذلك كثيرة فقد قيل عن الفلسفة 
الاسلامية بوجه خاص أنها فلسفة يونانية مقنعة وأنها ترديد لما قاله اليونان من قبل ٠‏ بل 
ترديد خاطىء يسوده عدم الفهم والخلط التاريخي . وهذا غير صحيح على الاطلاق بل 
ويدل على عدم علم بطبيعة العمليات الحضارية التي تحدث كلما تلقي حضارتان. 
فالفلسفة الاسلامية لم تأخل من الحضارة اليونانية الا اللغة ولكن المعاني المعبر عنها ظلت 
هي المعاني الاسلامية . فالكندي يرفض قدم العالم ويقول بالخلق .» وبرفض استراحة 
الاله ويقول بالعناية الالحية » يرفض الواحد الرياضي ويقول بالتوحيد » ويرفض فناء 
النفس ويقول بخلودها . وإذا كان الفارابي وابن سينا قد قالا بالفيض فإنها) لم يفعلا 
ذلك إتباعاً لأفلاطون بل لاتجاههم| الصوفني ونظريتهما الاشراقية التي تؤثر فيها الوحدة على 
الكثرة والتي يسود فيها القلب على العقل والتي يكون الأولوية فيها للروح على البدن . 
وابن رشد في قوله بقدم العالم في شروحه على أرسطو يقول بالخلق في التوحيد . ولا يقول 
بقدم العالم إلا دفاعاً عن حرية الفكر واستقلاله ضد إشراقيات الفيض . ويقول بخلود 
النفس الكلية لا تبعية لأرسطو وخلود العقل الفعّال بل رفضاً للتصور الفردي للخلود . 
وإيثاراً للروح الجماعية . وإذا كان الفلاسفة والأخلاقيون قد انتهوا في تعريفهم للفضيلة 
بأنها وسط بين طرفين أو في تعريفهم للحياة الخلقية بها حياة التوازن بين قوى النفس ٠‏ 
وهذه هي العدالة . فإنهم لم يفعلوا ذلك اتباعاً لأرسطو أو لافلاطون بل فهياً الجوهر 
الوحي ووضع الفضيلة وتصور الحياة الخلقية فيه . وما دامت الظواهر تفسر من داخلها 
فلاذا اللجوء الى الخارج ؟ وما دام يفسر وجودها بالعلل القريبة فلماذا اللجوء الى العلل 
البعيدة ؟ 


وقد قبل عن التصوف أيضاً أنه ناشىء من مصدر خارجي فهو إيراني نظرأً لوجود 
التشابه بين عناصر في التصوف الاسلامي وعناصر أخرى في التصوف الايراني مثل صور 
الناس . والصراع بين النور والظلمة والمعرفة الاشراقية . وهو هندي أيضاً لوجود تشابه 
بين عناصر التصوف المندي والاسلامي مثل الفقر والزهد والورع أو تناسخ الأرواح أو 
الفناء الكل . وهو يوناني لوجود تشابه بين بعض الاتجاهات الصوفية في الحضارة 
اليونانية وعناصر مشابهة في التصوف الاسلامي مثل النحلة الأورفية والتطهير 
الفيئاغورسي » وإشراقيات أفلاطون وتأملات طاليس . وشيطان سقراط . وهو أخيراً 
نصراني لوجود عناصر مشابهة بين التصوف الاسلامي والاخلاق واللاهوت المسيحي 


02 


مثل الطهارة والتقوى والمحبة والإحسان والقدوة الى الزهد والتقشف والرهبنة واحتقار 
الدنيا أو القول بالحلول والتجسد. في حين أن التصوف وكل التصوف إن هو إلا رد فعل 
اجتماعي على مظاهر البذخ والترف في المجتمع ؛ ومقاومة سلبية لحب الدنيا وسيادة 
الطمع والرغبة في الاستحواذ على كل شيء . وكأن وجود مجرد صلات تاريخية بين 
الحضارة الاسلامية وكل هذه الحضارات المجاورة يؤكد هذا الأثر والتأثر . وقد قيل عن 
أصول الفقه أنه أيضاً أثر من آثار المنطق اليوناني وأن الشافعي . واضع علم الأصول . 
تعلم اليونانية لهذا الغرض في حين أنه شتان ما بين المنطق اليوناني والمنطق الأصولي . 
فالمنطق الأصولي يشمل أو مناهج للنقد التاريخي 2259 . ومناهج اللغة في الأصول 
مرتبطة أشد الارتباط باللغة ولا شأن لها بأبحاث المقولات أو العبارة في المنطق اليوناني . 
ومباحث القياس الفقهي لا صلة ها بالقياس أ و البرهان الأرسطي فالقياس الفقهي منتج 
7 يفو على التجربة وقياس العلة في حين أن القياس الأرسطي غير منتج صوري 

أما منطق الأحكام فليس له ما يرادفه على الاطلاق في المنطق اليوناني الذي هو 
سن نظري خالص لا شأن لس بالفعل الال : ولكن المستشرق لمجرد أنه رأ منطقة 
وهو يعلم أن اليونان هم أصحاب المنطق فإنه يتسرع 2 حكمه أو يلحق الظاهرة الي 
يدرسها بالمنبع الذي خرجت منه الثقافات الأوربية والتي هوجزء منها(25 . 


وفي علوم أصول الدين قيل أنه خضع للآثر والتأثر مع أنه أبعد العلوم عن ذلك 
نه أو في النشأة قبل عصر الترجمة » وهو أول محاولة للتعبير عن النصوص وفهمها فهمأ 
عقليا خالصاً » وتحويلها الى معان ٠‏ قيل مغلا إن الأحوال الثلاث ؛ العلم 0 
والحياة » عند أبىي يح هاشم لا تبتعد كثيراً عن الأقاليم الثلاثة ة في النصرانية . كما قيل أن 
0 والطباع والطبائع عند الحاحظ والنظام وتمامة وجعفر من آثار الدهرية لدى الفرس 

أن علم الكلام يفرد أبوابا خاصة للفرق غير الاسلامية ويرد عليها . فأحوال أبي 
هاشم صفات مطلقة منزهة غير مجسمة أو مشخصة: والطبع عند القائلين به أكبر رد 
نعلي على تشخيص الطبيعة عند الأشاعرة . 


ويرجع منهج الأثر والتأثر الى نشأة المستشرق في بيئة ثقافية خاصة . هي البيئة 


(54) وقد كان علم الحديث تموذجاً وضع عليه رينان نقده التاريخي لاصول المسيحية ا يعترف هو بذلك في 
المقدمة الأولى لكتابه المشهور « حياة المسيح 6 
(55) انظر هذا الموضوع في رسالتنا عن أصول الفقه . 
اكنال لا ب#متكمعطة7صصرم 15 عل كامعسمعلمه 065 عممعق؟ 12 كناد ندددء رعوفع قيرطل دوعلمط )6ج وع1] 
1905 رع15هن) ع1 رطوط إء 


93 


الأوربية التى تخضع ثقافتها للأثر والتأثر . فقد نشأت الحضارة الاوربية ابتداء بالبعث 
اليوناني في أوائل عصر النبضة وإحياء التراث العقلى القديم لانقاذها من قطعية اللاهوت 
وسلطان الكنيسة . فكل مذهب نكري حديث له ما يقابله في الفكر اليوناني القديم . 
ولا يتضح ذلك في الفكر فحسب بل يتضح أيضا في الأدب والفن والشعر والنثر والخطابة 
والعمارة والمسرح . فظن المستشرق بانطاعاته الثقافية وتكوينه الفكري أن اليونان هم 
مصدر كل حضارة وأن الحضارة اليونانية هي السحر الذي يسري في كل حضارة تتصل 
مهأ في حين أن علاقتها بالحضارة الاسلامية كانت علاقة رفض أكثر منها علاقة قبول. 
وإذا قبلت الحضارة الاسلامية منها شيئا فا تفعل ذلك بعد عرضه على العقل وإثبات 
اتفاقه معه » والعقل أساس النقل » ومن ثم فهي تقبل ما يمليه العقل أولاً . وكذلك لما 
توالدت المذاهب الفلسفية في الغرس بعضها من البعض الآخر. وتأثر الفلاسفة 

بعضهم بالبعض ظن المستشرق أن كل حضارة إفا تسج على الخال الغربي وغالباً ما 
يكون يكون الأثر الغربي الجيد من منطق وعقلانية وفكر منبجي أو تقوى باطنية وتحليل 
للاخلاق أو تصور علمي للعالم يقوم على إثبات قوانين الطبيعية واستقلال العقل . كل 
ذلك أتى من الخارج ء وم ينتج من الداخل إلا الأفكار التقليدية الشائعة التي تعبر عن 
التخلف الفكري والركود العقلٍ وكأن ثقافة شعب ما وما تنتجه من جديد لا تكون 
إلا عميلة للغرب وتابعة له وامتداداً لسلطانه . خطأ هذا المنبج إذن هو تفريغ الثقافة 
المدروسة من مضمونها ٠»‏ وإرجاع الداخل الى الخارج » والقضاء على جدتها وإبداعها . 
وهو خطأ ناتجح عن تصور العلاقة بين الثقافات على أنها أحادية الطرف , الأولى معطية 
منتجة مبدعة وهى الثقافة الأوربية والثانية مستقبلة محدبة فارغة خاوية وهي الثقافة غير 
الأوربية . وتعبر هذه العلاقة أحادية الطرف عن عقلية عنصرية . وشعور متمركز على 
الذات . ورغبة في السيطرة والهيمنة على ثقافات الشعوب وأقدارها . 


كا يقوم منبج الآثر والتأثر أيضاً على خطأ في فهم التأثر نفسه والحكم به بمجرد 
وجود تشابه بين ظاهرتين في بيئتين مختلفتين بينهها اتصال تاريخي . وهذا غير صحيح على 
الاطلاق » فالأثر والتأثر عملية حضارية معقدة تتم على مستويات عدة : اللغة والمعنى 
والشيء . فلو كان هناك اتصال تاريخي بين حضارتين » وظهر تشابه بين ظاهرتين » فإ 
التشابه قد يكون في اللغة » وفي هذه ا حالة لا يكون أثراً بل هو استعارة » ولا يكون في 
المعنى أو في الشيء ء بل يكون في الشكل أو في الصورة ء واللغة هي صورة الفكر وشكله 
ووسيلة التعبير عنه . إذ أنه يحدث بنشأة حضارة ما وتطورها أنها تمتد حتى تصل الى 
حدود حضارات أخرى سابقة عليها في الزمان أي أنها أسبق منها نشأة وأكثر منها تطوراً 
فيحدث أن تسقط الحضارة الناشئة ألفاظها القديمة ونستعير ألفاظ الحضارة المجاورة 


04 


وتستخدمها للتعبير مها عن المضمون القديم . وهذا هوما يسمى بالتجديد . وهذه هي 
إحدى طرقه بالاستعارة اللغوية خاصة إذا كانت اللغة المستعارة عقلية وعامة ومفتوحة . 
فهى استعارة للشكل دون المضمون . وتجديد للصورة دون الفحوى . قد يحدث تجديد 
داخلي للمضمون والفحوى بفعل اللغة الحديدة ولكنه تجديد داخلي بتفاعل المعنى القديم 
مع اللفظ الجديد الذي يبرز جوانب من المعاني كانت خافية تحت اللفظ القديم أو يركز 
على جوانب أخرى كانت مهملة باللفظ القديم . وهذه الاستعارة اللغوية عملية طبيعية 
تحدث في كل لحظة تاريخية تتقابل فيها حضارتان معأ ؛» الأولى ناشئة والثانية متطورة حتى 
تنتقل الحضارة من الخاص الى العام بفعل التطور . والاستعارة اللغوية على هذا النحو 
ليست أثراً أو تأثراً لأن الألفاظ مشاع بين الجميع يتداولها الناس . فهناك استعارة ض 
من الألفاظ الفارسية في الوحي لأنها كانت مشاعاً قبل ذلك في الشعور العربي . 

نشأت ألفاظ العام والخاص والمطلق والمقيد وسائر مصطلحات علم الأصول , 
« الرسالة » للشافعي نشأة تلقائية لأنها لغة العقل البسيط ©" . 

أما إذا حدث تشابه في المضمون بين ظاهرتين من حضارتين مختلفتين فإن ذلك 
أيضاً لا يكن تسميتة أثراً أو تأثراً دون تحديد لمعنى الأثر لأن إمكانية التأثر من اللاحق 
بالسابق موجودة أي أن الثيء نفسه موجود ضمناً في الظاهرة اللاحقة . وما كانت 
الظاهرة السابقة إلا مثيراً أو مقوياً ؛ ووجود الباعث أو امثير أو المقوي لا يعننى وجود 
الشيء نفسه بل العامل المساعد الخارجي على إظهاره . فالصلة التاريخية لا تدل على أثر 
أو تأثر بقدر ما تدل على إظهار إمكانيات جديدة للحضارة الناشئة وتحويلها الى ظواهر 
بالفعل بفضل الوسائل الحديدة المتاحة للتعبير . وكثيرا ما تؤثر الحضارة الجديدة الناشئة 
بمعانيها في الحضارة القديمة . فإذا استعارت الحضارة الناشئة ألفاظ الحضارة القديمة في 
التعبير بها عن معانيها الخاصة أخذت هذه الألفاظ معاني جديدة لم تكن فيها من قبل » 
واكتشفت في الحضارة القديمة أبعاد جديدة لم تكن معروفة من قبل ولم تعرف إلا بفعل 
الحضارة الحديدة الناشئة وبمعانيها الشاية2©7 , 


ويجوز أ يضاً أن يوجد تشابه بين ظاهرتين من حضارتين مختلفتين سواء وجد اتصال 


تاريخي بينها أم لم يوجد . ويجوز أن يرجع هذا التشابه الى تشابه في نفس الظروف التي 
أدت الى ظهور نفس الأفكار ما دامت واحدة . والذهن الانساني واحد . والحقائق 


(56) أنظر فيا بعد طرق التجديد 1 - اللغة . 
(57) ومهذا المعنى كان برجسون يقول باستمرار أنه أثر في أفلوطين . وأن الحاضر هو الذي يساعد على اكتشاف 
الماضي . 


05 


واحدة . فهناك حقائق إنسانية عامة وثابتة تظهر هنا وهناك دون أن يكون هناك أدنى أثر 
من هذه الحضارة أو من تلك . فكلاهما راجعان الى نفس المصدر ., حقائق موجودة . 
وأذهان متفتحة تدركها . فالصلة التاريخية » وجوداً وعدماً . لا تدل على شيء من أثر أو 
تأثر بل تدل على إمكانيات الحقائق الشاملة التي توجد في كل عصر والتي تظهر في كل 
حضارة . منبج الأثر والتأثر يقضي على هذه الامكانيات وينكر وجود معانٍ مستقلة عن 
التاريخ . 


إن الحضارة الاسلامية قادرة على تمثل ثقافات الشعوب المجاورة ووضعها في قالبها 
لأنه القالب الأوسع شمولا والآكثر عقلانية ؛ ومن ثم لا يؤثر الجزء على الكل بل يدخل 
الجزء ء ضمن الكل ويصبح متضمناً فيه . ومن ثم كان منهج الأثر والتأثر يدف أساساً الى 
القضاء على أصالة الحضارات وقدرتها على التمثيل والتعبير والخلق والى القضاء على 
الظواهر المستقلة وقيامها من ذاتها . والى إرجاع كل شيء الى مصادر خارجية » ومن ثم 
يقضى على فعل الروح وعمل الذهن . وهذا ما يهدف اليه المستشرق الغربي 


الباعة الخطابية 


وهي النزعة التي تسود معظم الدراسات التي يقوم بها الباحثون الذي ينتسبون الى 
نفس الحضارة » وهو الخطأ المضاد للنعرة العلمية السائدة فى معظم دراسات 
المستشرقين . وبالرغم من أن النزعة الخطابية تعطي الأولوية للوحي على التاريخ إلا أن 
الاتجاه اتجاه ساذج يعبر عن نوع من المراهقة الفكرية حيث تسود العاطفة والانفعال , 
ويصدر الفكر متدفعاً في حية ودون وضوح نظري . فهو ناتج عن أزمة أكثر من 
صدوره عن موقف فكري . أزمة الحق الضائع . والعجز المشلى ؛ والتخلف 
الجماهيري . ويأخذ في بعض الأحيان موقف المدافع والمقرظ لا يقول وما يعبر 
عنه . قد يكون ذلك موقفاً طبيعياً بالنسبة لمواقف الحجوم التي يتخذها إما بعض 
المستشرقين أو بعض الباحثين الاسلاميين التابعين لهم ولكنه هجوم مؤقت انفعالي لا يرد 
على الحجة بالحجة . وما يساعد النعرة الخطابية على الظهور هو نوع من الشهرة 
الاعلامية التي يتشوق اليها الباحث الذي في الغالب ما يكون مدعياً للتجديد أو متملقا 
لعواطف الجمهور رغبة في الانتصار الديني لدرجة أنه ينقلب أحياناً إلى نوع من 
الاستهلاك المحلى الصرف خاصة إذا احتاجته السلطات السياسية لتعمية الموقف 
السيامي وملا الفراغ بالعواطف الدينية النعرة الخطابية إذن نقص في الجدية بل 
ونقص في الوعي الادراكي للمشاكل . يساعد على ذلك نقص في التكوين النظزي 


96 


للباحث . فهو يعبر عن المستوى الثقاني الحالي من تطور الحضارة ولكنه متخلف عن 
المستوى الثقافي للترا اث القديم الذي استطاع دفع المشاكل وإيجاد حلول عقلانية لها . 
وقد بلغ التعقيل في تراثنا القديم درجة أن التراث كله أصبح نظرية في العقل . 

وتظهر النعرة الخطابية في عدة مناهج هي في الحقيقة تنويعات مختلفة على الخطابة 
دون أن تكون مناهج محكمة ذات أصول وقواعد وأهمها : التكرار أو تحصيل الحاصل . 
والتقريظ أو الدفاع . والجدال والمهاترات . والرؤية الحدسية قصيرة المدى . 


أ التكرار أو تحصيل الحاصل . إن كان من الصعب تسمية هذه الخاصية منبجا 
فإنها على الأقل تسود كثيراً من الدراسات وتغلب على عقلية كثير من الباحثين » وهي 
.تكرار مضمون النصوص المدروسة دون الإدلاء بأي فهم أو تفسير لا أي أن تنقل 
بصورة أخرى مسهبة أو موجزة الموضوعات التقليدية | هي معروضة في التراث القديم 
وكا تفعل الشروح القديمة التي لا تتعدى حدود الألفاظ والمصطلحات القديمة وتفسير 
الماء بالماء . فالعيارة هي نفس العبارة مكررة في صور عديدة تفقدها تركيزها بل 
ومضمونها إذ تحمل الفكرة الحوائي والشروح أكثر مما تسسطيع لدرجة أنها تفقدها 
استقلالها ودلالتها. وغالبا ما يكون المنبج التاريخي وتحصيل الحاصل نفس المتبج . فالذي 
يقرر الوقائع التاريخية لم يفعل إلا أنه كرر ما هو معروف . ولكن المنبج التاريخي يستعمله 
المستشرق والتكرار يقوم به الباحث الذي ينتسب الى نفس الحضارة . وكثيراً ما يعتمد 
التكرار على اقتباس النصوص ووضعها في صلب البحث حتى يتضخم . وغالباً لا تذكر 
المراجع ويضع الباحث المادة القديمة دون ذكر لمصادره . ويتعيش المعاصرون على 
السابقين . ويأكل الخلف على موائد السلف . ويتسطح الفكر ويمتط . لقد حدث هذا 
في عصر الموسوعات والشروح والملخصات خشية على التراث من الضياع تحت تأثير 
هجات التتار والمغول . حفظ التراث ودون في موسوعات عامة ى)ا يحدث في كل تراث 
وكيا حدث في التراث اليهودي في القرن السادس قبل الميلاد أثناء الأسر البابلي . ولكننا 
الآن » والحمد لله . لا نواجه هذا الخطر . فالتراث محفوظ ومدون بل ومنشور منه قسط 
كبير ولكئنا نواجه الخطر اآخر وهو خطر التكرار بلا نهم 5 والترديد بلا وعي وعدم 
وجود تفسير معاصر لتراث قديم . 


وإذا كان بعض التكرار موجودا في المؤلفات القديمة في علم أصول الدين وعلم 
أصول الفقه بل وي 0 الحكمة أيضا إلا ' أن كل مؤلف يمحاول بناء ٠‏ العلم من 
الدين المثأخر مثالد يأخذ طابعاً نظرياً خالصاً ‏ ويتحول التوحيد فيه الى نظرية في العله 


097 


ونظرية في الوجود بخلاف علم أصول الدين المتقدم الذي تسوده خلافات الفرق 
والمشاكل الجزئية . والتصوف المتأخر عند ابن سبعين إضافة أساسية على التجارب 
الصوفية المبكرة . وفي أصول الفقه المتأخر عند الشاطبي | إضافات أساسية بتحليل 
المقاصد . مقاصد الشارع ومقاصد المكلف على الأفكار الأصولية الأولى عند الشافعي أو 
الدبوبي أو السرخسي . أما تكرار المعاصرين فإنه لا يضيف شيئاً ولا يفعل أكثر من 
نسخ القديم مع أن هناك أجزاء كثيرة من العلم لم تبن بعد مثل « الانسان » في علم 
التوحيد وفي الفلسفة » ووصف عملية السلوك وتحويل الوحي الى نظام مثالي للعالم في 
أصول الفقه(275 » ومسار التاريخ وتحويل البعد الرأسي الى بعد أفقي ف التصوف . 
التكرار في التراث القديم لم يكن تكراراً خالصاً محايداً بل كان مقارنات ونقداً وأحكاماً . 
فمتأخرو الأشاعرة ينقدون أوائلهم ىا يفعل الرازي مع الأشعري » ومتأخرو الفلاسفة 
ينقدون متقدميهم كا يفعل ابن رشد مع الفارابي وابن سينا » ومتأخرو الصوفية ينقدون 
أسلافهم كى! فعل السهروردي مع الحلاج والغزالي . فالتكرار هنا هو تفسير كل عصر 
للعلم وإعادة بناء العلم طبقا لحاجات العصر ومتطلباته وهوما يمحاول « التراث 
والتجديد » القيام به بالنسبة الى العلوم العقلية التقليدية القديمة . 


والتكرار هو سبب الأزمة الواقعة في الفلسفة الاسلامية عند المشتغلين مها . فهاذا 
يقول الباحث بعد شرح نظريات الفلاسفة ؟ وإذا كان الفلاسفة أنفسهم ! يُعيدون شرح 
نظريات أخرى . أو هكذا يبدون » فيتحول التدريس إذن الى شرح على شرح ١‏ ويقع 
الفكر في شروح على متون ثم يضيع الفكر . وتشتد الأزمة عندما ينتهي الشرح ثم 
يتساءل السامع : ولكن ما صلة هذا كله بالفلسفة الاسلامية خاصة إذا كان على دراية 
بالفلسفة اليونانية والحديثة والمعاصرة حيث يرى السامع فيها المشاكل المعروضة والحلول 
المقترحة على مستوى إنساني وبلغة العقل ؟ تلك إذن هي مهمة الباحث المعاصر في أخذ 
المواقف بالنسبة للقديم وعرض ما قاله القدماء على حاجات العصر ومتطلباته . يمكن 
للباحث المعاصر أن يبين كيف نشأ القديم . » ولماذا ظهر على هذا النحو ثم يعيد البناء من 
جديد وتستأنف عملية التكوين من جديد . لقد نشأ التكرار من فقدان الهمدف عند 
الباحث » فالباحث لم يحدد له هدفاً من قبل . ٠‏ عن أي شيء يبحث حتى يجد أو لا يجد , 
ولم يحركه حدس مسبق , ول تدفعه غاية معينة . ينشأ التكرار من أن الماحث يتحول إلى 
بحرد موظف وليس صاحب رسالة » وينقلب الى صاحب مهمة وليس صاحب دعوة . 
قد يكون هناك تكرار للحدث ولرؤية الكاتب . وني هذه الحالة لا يكون التكرار مجرد 


(58) أنظر محاولتنا لتكملة علم أصول الفقه بإضافة هذا الحزء الجديد عليه في رسالتنا المذكورةج 


08 


تحصيل حاصل بل يكون تعبيراً عن الحدس بعديد من الصور وببراهين مختلفة . 
فالكاتب الحادف ليس له في الحقيقة إلا حدث واحد يعبر عنه بطرق شتى » وذلك لأن 
الحدس هو رؤية للواقع ؛ ومن ثم فالواقع ذاته لا بد أن ينكشف على مستويات عدة وفي 
جوانب مختلفة . وغالباً ما يكون للكاتب حدس واحد يأخذ صورا عدة » وتطبيقات 
ختلفة » ويعير عنه بلغات عدة . ولكن ذلك ليس تكراراً بل بيان وحدة الحدس بالرغم 
من اختلاف المواضع 

ب - التقريظ أو الدفاع : وتظهر النزعة الخطابية أيضاً كتقريظ للتراث أو لمصدره 
ثم الدفاع عنه والدعوة له . والدفاع في الحقيقة خلط بين التبرير والتفكير , فهو يقبل 
موضوعه ثم ييرره ويداقع عنه دون أن يضعه موضع التساؤل ودون أن يحاول معرلة لي 
بناء نظري له أو أي أسس عقلية يقوم عليها . وقد يقوم التقريظ على الدفاع عن التراث 
كله ؛ بك م في وعن التاريغ كله دون تخيص سايق لمكن إرجاعه من الى الصا 
الأول في الوحي » ونا يمكن إرجاعه الى تاريخ الح . قد يكون التقريظ قائا أيضا 
على أسس خاطتة في الفهم أو مناهج خاطئة في التفسير خلفها التاريخ وراءه واقتضت 
الظروف استعإها . 


والأمثلة على ذلك كثيرة . فمثلاً في التوحيد ندافع عن التنزيه دون أن نتحقق من 
سوء فهم التنزيه عندما يتحول الى وظيفة نفسية تساعد على الدفاع عن السلطة . وندافع 
عن إثبات الصفات دون أن نحاول معرفة سوء إستخدام ذلك الاثبات في ضياع 
استقلال قوانين الطبيعة وحرية الانسان . وندافع عن الكسب دون أن نفهم ماذا يعني 
ولكن من أجل بات حت الله كم موك في ا القديم . وفي الفلسفة ندافع عر 
الخلق ونهاجم الفيض والقدم دون أن نحلل ما ينتج عن الخلق أحياناً من آثار على 
السلوك إما في النفاق أو التستر أو الانحلال . وندافع عن الالميات وكأنها هي الصياغة 
الوحيدة للتوحيد . وندافع عن خلود النفس وانفصالمها عن البدن وكأن هذا الخلود 
التطهري الفردي هو الوسيلة الوحيدة لاثبات البقاء والاستمرار في الصوف . ندافع عن 
الالهام والكشف والكرامة والولاية ونعلي من شأن الرضا والتوكل والخشية والنوف 
والحزن والبكاء » ولا نتحقق من خطورة هذه القيم السلبية في سلوك الناس وعلى 
عقولهم وعلى حريتهم . وندافع عن الفقه القديم وكأن الوقائع وحياة الناس يمكن 
صياغتها بالنصوص < 

والدفاع هو غياب لكل وجهة نظر نقدية*للموروث . وتقبل لكل الماضي بلا نقد 
أو تمحيص 1 الدفاع هدم للعقل « وضياع للواقع » وسيادة للانفعال . الدفاع هو 


09 


إعلان بالعاطفة لما يجب أن يقوم العقل بتحليله » واستمرار في التخلف النفسي . 
وتعويض ذلك بال حماس وتملق مشاعر الجماهير . الدفاع رفض للعقل . ؛ ينشأ عن جهل أو 
تعصب . يتبارى المدافعون كما يتبارى المحامون . الدفاع إثبات للهوية وللذات عن 
طريق إقامة معركة في الهواء وتعويض نفسي عن هزائم القوم وتخلف الباحثين واستسهال 
الأمور وطلب المراكز . تستخدمه السلطة السياسية لتغطية الواقع ومآسيه . فإذا كان 
الحاضر قد ضاع فعلى الأقل لنا عزاء في الماضي . وعادة ما يكون الدفاع هو دفاع عن 
النفس ٠‏ ودفاع عن المنصب . ورغبة في الشهرة » ودخول في المزايدة . فأشد المدافعين 
حية هو الذي يحصل على الخنيمة ٠‏ ومن ثم ينقلب الفكر الى تجارة » والأمانة الى 

. وكثيراً ما يكون الدفاع عن نفاق لا عن إيمان واقتناع » ما دام الأمر كله تسابقا 
عل الأعلون عن القت وجريا وراء المغانم . يخدم الدفاع أغراض الرضا عن النفس ‏ 
فالدفاع تبرئة للذمة . وتغطية للواقع : إذ يسير الواقع في تياره ونظمه بعيداً عن 
الوحي ء عن الدين في الحقيقة ليس في إثبات للدين بل فيه تغطية على واقع لا ديني ٠‏ 
والدفاع عن الايمان تغطية لشعور لا إيمان فيه . 


وقد نشأ الدفاع في وجداننا المعاصر كحيلة العاجز الذي لا يقدر على البرهنة عقلاً 
ولا على إثبات واقعا . كا أنه لا يقدر على وضع هدف أمامه ثم التخطيط من أجل 
تحقيقه . ويظن أن الدفاع عن الشعار هو تحقيق له حتى لقد تحول فكرنا المعاصر الى محرد 
أبواق تدافع دون أن تدري عن أي شيء تدافع وكأن الدفع يصبح ذاتا وموضوعا في أن 
واحد . لقد كان الدفاع في تراثنا القديم من مواطن قوة . واستطاع أن يبرهن وأن 
يحاجج وأن يستدل » وانتهى الدفاع الى إثبات حقائق الوحي على أسس عقلية كا انتهى 
الى استقرار الوحي كثقافة وكحضارة . وعلم أصول الدين كله قد قام بمنبج الدفاع 
فتأسس العلم واكتمل بناؤه » وظهر العقل والبرهان كمحك للنظر . 


ولا يعننى عدم الدفاع غياب الحدف والمحايدة أمام الموضوعات . وبرودة الفكر , 
والتعامل مع جمادات . ولكن فرق بين الدفاع عن الهدف وتحقيق الهدف . فأكبر دفاع 
يمكن أن يقام لفكرة هو تحقيقها في العقل باليرهان أو في الواقع بالفعل . بل إن الدفاع 
عن الهدف لا يحقق هدفا بالمرة إذ يكتفى الفكر بكونه عواطف وجدانية تتطاير فوق 
الواقع وتحجبه. ويظل الواقع ذاته أسير أبنيته الخاصة محجوباً عن أثر الفكر » فالدفاع 
حماية الواقع من كل توجيه للفكر . إن الاحساس بالرسالة هو الذي يجعل البحث هادفا 
ملتزماً مع القدرة على تحقيقها بالفعل ومن ثم تتحول الذات الى موضوع , ويتم التوحيد 
بين الذاتية والموضوعية . وبين العقل والوجدان . وبين الحدس والبرهان . 


100 


ج ‏ الجدل والمهاترات : يؤدي الدفاع والتقريظ الى الجدل والمهاترات ذلك لأن 
التقريظ والدفاع يؤديان الى المقارنة ثم الى اهجوم إما بين الباحثين أنفسهم أو بينهم وبين 
باحثين آخرين من حضارة أخرى . فإن كان في التقريظ والدفاع بقايا من وجود فكري 
للموضوع فإن هذه البقايا تمحى كلية في الجدل والمهاترات . فالجدل لا يهيدف الى 
الوصول الى الحقيقة بل يهدف الى الانتصار على الخصم . وبدل أن تتوحد جهود 
الباحثين في عمل مشترك تتعارض وتتنافر ويلغي بعضها البعض أو ينتصر واحد على 
حساب هزائم الآخرين . المجادل لا يفكر بل يريد هزيمة الآخر ولو كان على حساب 
موضوعه ومنطقه ومواقفه الفكرية . ولا يرى غضاضة في البدء بالأفكار المسبقة وفي 
استعمال المغالطات . والتسليم بمقدمات الخصم وهولا يؤمن بها . فالمجادل لا يفكر ولا 
يحايد بل يعارك ويحارب . وهنا أيضاً يضيع العقل . وتسود العاطفة والانفعال » ونكون 
أمام الفن الأدبي القديم » فن المناقضات الأدبية » ولسنا أمام فكر موضوعي . ويتحول 
الباحثون الى شعراء لا يقرضون شعرا . 

والأمئلة على ذلك كثيرة . يثار بيننا الجدل عن الحكومة الدينية » خخلافة أم 
علمانية . وتتصارع الأهواء . وتتضارب الغايات دون أن يحاول أحد تحليل الواقع الذي 
يمكنه أن يبدد كل هذا الجدل , فالواقع لا يوصف بما هو أقل منه . كا أن له بناءه المثالي 
5 الوحي ؛ والوحي ليس دينا بل هو البناء المثالي للعالم . ويثار جدل آخر حول الفلسفة 
الاسلامية يونانية أم اسلامية . تابعة أم أصلية » وتتضارب الأهواء وتتبارز الأقلام . ولا 
يحاول أحد وصف العمليات الحضارية الناشئة من إلتقاء حضارتين » وهي عمليات 
واقعة بالفعل ترفض أن يلصق عليها أي وصف خارجى . ويثار جدل ثالث ». وما زال 
يثار بين شيعة وسنة حول الامامة والتوحيد وأي الأئمة كان أحق بالامامة منذ أربعة عشر 
قرناً مضت. وهل الاله مجسم أم منزه. ولا يحاول أحد أخذ الواقع ذاته والاحتكام إليه. إن 
حال الناس اليوم في إيران أو مصر لا يختلف فكلاهما يعاني من التسلط والبؤس 
والتخلف . ولا يحاول تفسير نشأة الأفكار الدينية بالرجوع الى الظروف النفسية 
والاجتاعية التي سبقتها » وربما يكون التوحيد لا هذا ولا ذاك . ويثار جدل رابع حول 
التصوف من أي مصدر هو خارجي من فارس أو اند أو اليونان أو الرومان أو داخلي 
من الكتاب والسنة وحياة الرسول والصحابة والتابعين . ولا يحاول أحد الرجوع الى 
الواقع الذي نشأ فيه التصوف وكيف أنه كان رد فعل على حركة البذخ والترف ٠‏ 
ومقاومة سلبية فردية انعزالية لقلب القيم . ويثار جدل خامس عن حياة الناس أتخضع 
لقانون ديني أم قانون مدني . وكأن حياة الناس ذاتها ليس طا الأولوية على كل قانون . 

والجدل والمهاترات ينشآن من إحساس رهيب بذاتية كل كاتب تصل الى درجة 


101 


المرض . فهو يدافع عن ذاته وعلمه ومذهبه وصدارته من خلال القضايا . والغاية هي 
الذات وليس القضية خاصة في مجتمع لم يتعود على العمل الجماعي . وعلى النظرة 
الموضوعية , وعلى الفصل بين الوقائع وبين القائلين بها. الجدل هو إنفصال عن الماضي 
والحاضر على السواء . فالموروث لم يقم على جدل ومهاترات بل على تحليل وبرهان . 
والواقع لا يصاغ بالحدل وبالآراء بل بتحليل المعطيات والمكونات . الجدل بين الكتاب 
نوع من المراهقة المتأخرة وضجة بلا أساس. وقرقعة بلا سلاح» ومعركة بلا ميدان. 
هذا بالاضافة الى أن الجدل يمكنه إثبات الشيء ونقيضه ما دام الأمر يتوقف على البراعة , 
فقد يثبت الحدل أفضلية التوحيد على التثليث كما قد يثبت أفضلية التثليث على التوحيد 
بنفس البراعة . وقد تبارى علماء الجدل القدماء في ذلك . فالجدل مهارة وليس معرفة . 
وهو فن لا علم . هو ظن لا يقين . والعجيب أن التراث القديم ذاته قد أدان الجدل 
بوضعه داخل منطق الظن وخارج منطق البرهان . والجدل مع السفسطة والخطابة 
والشعر على نفس المستوى . ولكننا لم نع درس التراث وتجادلنا بيننا من أجل إثبات ذواتنا 
الضائعة .» ومن أجل افتعال معارك . والمعركة الحقيقة في طي النسيان . الجدل مثل 
التتحرّب للاندية الرياضية في غياب تصريف الطاقات الطبيعية للناس . فيتجادلون 
إعلاناً عن نفوسهم الضائعة ووجودهم المنسبي . ورغبة في إلحاق الزيمة بعدو مفتعل , 
والحصول على النصر بأجر زهيد وكلمات معدودات . 


ولا يعني نقد الجدل والمهاترات غياب المعارك الفكرية من واقعنا الثقاني . فالجدل 
شي ء والتنوير شيء آخر . . فصراع الآراء حول الواقع 3 وتضارب التحليلاات حول 
اموضوعات جزء من عملية اتنرير ولكنها خالية من الانفعال والذاتية . يمكن للجدل أن 
يكون منبجاً سلي] للحوار المفتوح 3 وتبادل الآراء ( وعرص وجهات النظر المختلفة » 
والتعلم المشترك . فقد نشأ علم أصول الدين كله على هذا النحو بالجدل بين الأفكار 
ولكن ليس الحدل العقيم بل الحدل الخصب الذي يدل على حيوية الفكر والقدرة على 
أخذ المواقف . ك) نشأ عند الصوفية الجدل ‏ بين العواطف والانفعالات من أجل وضع 
منطق للشعور . كا ظهر الجدل بين الشيخ والمريد ولكنه في هذه المرة ة جدل بناء وليس 
جدلا هداما . وفي أصول الفقه ظهر جدل بين الفقهاء يدل على جدل آخر بين النص 
والواقع . وهو جدل منطقي سلوكي من أجل توجيه. الوحي حياة الناس . فالجدل ليس 
مداناً انه بل هو مدان إذا تحول ال مهارات وسفسطة في حين أنه نه يمكن أن يكون دليلا 
على الحوار وعلى خصوبة الفكر . 


د الحدس قصير المدى : إذا كان بالامكان تسمية النزعة الخطابية منبجاً فذلك 


102 


لأنها استطاعت أن تتحول الى منهج في الدراسة قائم على الخدس قصير المدى في 
الاتجاهات التجديدية الحالية . ويقصد بالحدس قصير المدى ما يلاحظه بعض الباحثين 
من حقائق في التراث توصف ابتداء من نشأتها من الوحي . هو حدس لأنه قائم على 
إدراك مباشر لبعض حقائق في التراث, وهو قصير المدى لأنه لم يتعد نظرات متفرقة هنا 
وهناك دون أن تتجمع في بناء نظري كامل يمكن أن يكون نموذجا لوصف 0 
الفكرية أو منطقاً لتفسير الوحي ٠‏ ولذلك ظل محدوداً سواء في تكوينه النظري 

تطبيقه في الواقع . وهو أيضاً حدس جزئي استطاع أن يصور جانباً من التراث بصدق 
ولكنه لم يتجاوز هذا الجانب الى أن يعطي صورة عن التراث ككل . 


والأمثلة على ذلك كثيرة من داخل حركات التجديد المعاصرة التي أعطت حدوساً 
لم نطورها في دراساتنا على التراث القديم . فالتوحيد كما يصوره الأفغاني وإقبال مشلا 
ليس علم الكلام الموروث من نظرية في الذات والصفات والأفعال بل هو حياة وحركة 
وقوة على الأرض . وحياة في الشعور . وتحرير للانسان» وتأسيس للمجتمع الواحد ذي 
الطبقة 708 » وتوحيد للشعور بين القول والعمل والوجدان والفكر . وتوحيد للبشر 
بلا لون أو دين أو جنس أو لغة أو منطقة . والتوحيد كما يصوره المفكر سيد قطب تحرر 
الوجدان الانساني من كل القيود وتأسيس لمجتمع العدل والاخاء . والتوحيد عند 
الكواكبي هو أيضاً إثبات لحرية الإنسان ومقاومة لقوى الاستعباد والاستبداد والظلم 
والطغيان . وهنا يتحول تنزيه الله الى حرية الانسان . ونحن الآن نتحدث في التوحيد 
دون الحرية . كما أعطى رشيد رضا تفسيراً إجتاعياً للقرآن موجهاً النصوص ضد أبنية 
الواقع المخلخلة من أجل التغيير » تغيير هذا الواقع المخلخل الى واة قع مثالي راسخ ء, و 
كن م يسر أحد بعد ذلك في هذا التفسير اموجه » واستعال التصوص استعما وظيف 
خالصا . وما زلنا نفسر النصوص تفسيرا نظرياً خالصاً(؟5) . كما ظهرت لدى الأفغاني 
وعثمان دنقة والمفكر سيد قطب وحدة النظر والعمل وأن الفكرة الاسلامية ليست نظرية 
بل هي ممكنة التحقيق وواقع يتحرك ثم رجعنا عن ذلك الى الدراسات الى تظهر فيها 
الأفكار جرد آراء لا تتعدى ما بين السطور . 

وهناك أمثلة أخرى كثيرة على حدوس في تراثنا القديم نكررها بعد أن ظهرت 
دقائقها في التراث دون تطويرها وإحيائها وتوجيه الواقع بها . فقد ظهر أن العقل هو 


(59) حاولنا تطوير نظرية التفسير في مقالات ثلاث صغيرة لنا وهي : هل لدينا نظرية في التفسير؟ أيهها أسبق 
نظرية في التفسي أم منبج في تحليل اخيرات ؟ عود الى المنبع أم عود الى الطبيعة ؟ أنظر قضايا معاصرة ج 1 
ص 176-165 


103 


أساس النقل وأن كل ما عارض العقل فإنه يعارض النقل . وكل ما وافق العقل فإنه 
يوافق النقل . ظهر ذلك لدى المعتزلة وعند الفلاسفة. وظهرت لغة التخييل في الوحي 
ومنطق البرهان في الفكر . ولكننا لم نسر في هذه الرؤية . ورجعنا الى التشبيه والتجسيم 
والتقليد » وجعلنا النقل أساس العقل . وآمنا بالوقائع الحسية المادية وراء التصوير 
الففي » واعتمدنا على سلطة الكتاب في البرهان . وظهر الواقع في علم الأصول . ورأينا 
المصالح المرسلة والاجتهاد . وأن « ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن » » وأن 
الواقع له الأولوية على كل نص في « لا ضرر وضرار » . ولكننا لم نسر في هذا الحدس . 
ورجعنا الى النص الأول نعطي له الأولوية على الواقع . احتمينا بالنصوص فجاء 
اللصوص © . وظهرت الشورى في شروحنا على نظم الحكم وحرية الانسان في مجتمع 
حرء ولكننا أسقطنا الرؤية بل وبدلناها الى الاعلان عن مخاطر الحرية لمن يسيء 
استغلاها وعن مأسي الشورى في مجتمع لم يتعود على حكم نفسه بنفسه . وقلبنا الباطل 
حمقا والحق باطلا . كأننا ندعو الطاغية للظهور , ونسلم له الرقاب ٠.‏ 

وقد كان الحدس قصير المدى لضعف في التكوين الثقافي لصاحب الحدس . فلو 
أنه استمر فيه تطوره .» وبرهن عليه . وأعطى له تطبيقات أكثر. وأدخله ضمن العلوم 
الانسانية لقدر له البقاء والاستمرار. ولتحول الى نظرية عامة بل وإلى أساس نظري 
لسلوك الناس . وربما أيضاأ غاب النفس الطويل عن الكاتب , وأسرع في التعبير عن 
حدسه ونم يصبر حتى يتحول الى بناء نظري عام في مجتمع يريد الشهرة ويفرح بالأبطال 
الذين يلوحون بالفكر . وكيف يسقط الزمان من الحساب وهو الحامل للاختمار؟ وقد 
يكون السبب أيضاً عدم تكوين مدرسة فكرية تتبنى الحدس الأول وتطوره حتى يمكن أن 
يظهر من خلاها مفكرون يحولون الحدس الى تيار فلسفي وبالتالي الى حركة في الواقع 
والى مسار تاريخي . وربما لأن صاحب الحدس ما زال فرداً » أو ما زال يسرى عليه ا 
يسري على الآخرين من اعتزاز بالشخص وبالعبقرية الفردية لنقص في المعرفة بدور 
الفكر في التاريخ 5 وبطريقة سري الأفكار وتحقيقها وانتشارها . وربما لعدم إنشاء حزب 
يكون مهدا للفكر. وحققاً للحدس في التاريخ يتربى من خلاله الناس . وينشأ فيه 
المفكرون والكتاب . وربما لتخوف المفكرين وتنصل الكتاب من تبعة المسؤولية ٠‏ فتطوير 
الحدوس يلزم المفكر بالواقع وهو لا يريد إلا أن يكون عارض نظريات ٠‏ لذلك يؤثر 
المفكرون السلامة وحسن العاقبة . 

وكا أن دراسات المستشرقين ليست « دراسات موضوعات » :بل « موضوعات 
(60) هذه قصيدة لمحمود درؤيش : ١‏ واحتمى أبوك بالنصوص فجاء اللصوص » . 


104 


دراسة » فكذلك دراسات الباحثين المعاصرين الذين ينتسبون الى نفس الحضارة ليست 
دراسات لموضوعات بل موضوعات لدراسة . وكا أن دراسات المستشرقين تكشف عن 
التكوين الثقافي والنفسي للباحث أكثر مما تكشف عن واقع مدروس فكذلك دراسات 
الباحثين المسلمين تكشف عن ثقافتهم وتكوينهم وواقعهم النضبى والاجتاعي أكثر بما 
تكشف عن واقع مدروس . وكا أننا لم نستعمل دراسات المستشرقين كمصادر للتراث 
والتجديد لأنها تحتاج الى فحص سابق . والجهد المبذول في ذلك أكثر بكثير من النتائج. 
المرجو الحصول عليها قكذلك لم تستعمل دراسات الباحثين المسلمين لأن الجهود المبذولة 
في إعادة تحقيقها أكبر بكثير من النتائج المرجوة منها . وذلك لأنها تكرار وترديد أو مسخ 
وتشويه للقديم ولأننا نريد إعادة بناء القديم الخام وتطويره دون المرور بالدراسات 
الثانوية » والأسهل مضغ اللقمة مباشرة ثم ابتلاعها بدلا من ابتلاع اللقمة من مضغ 
الغير . ومع ذلك فالدراسات الثانوية يمكن أخذها كمؤشر على عقليتنا المعاصرة 
وكنموذج لما وصلت اليه دراساتنا حول التراث . فهي تكشف عن واقعنا أكثر ما تكشف 
عن القديم . 

وإذا كان خطأ النعرة العلمية أنها تعرف « كيف تقول ؟ » دون أن تعرف « ماذا 
تقول ») « فإن خطأ النزعة الخطابية » أنها تعرف « ماذا تقول ؟ » دون أن تعرف « كيف 
تقول ؟ » . والتراث والتجديد لتفادي الخطأين معاً إذ يحاول أن يعرف « ماذا يقول » 
وهو التراث « وكيف يقول ؟ » وهو التجديد . 


105 


رابعا : طرق التجديد 
اُااسساسسسسسساسسس يلل 


1 - منطق التجديد اللغوي 

2 إكتشاف مستويات حديثة للتحليل . ١‏ الشعور ) 
3 تغير البيئة الثقافبة 

4- طرق التجديد 


طرق التجديد 


نحدث التجديد بعدة طرق . بعضها خاص باللغة . والبعض الآخر خاص 
بالمعاني والبعض الثالث خاص بالأشياء ذاتها طبقاً لابعاد الفكر الثلاث : اللفظ . 
والمعنى . والشيء . 

1 - منطق التجديد اللغوي 
ٍ إن إكتشاف لغة جديدة هو اكتشاف للعلم . وطلما تأسس العلم بتأسيس لغته 

أولا . بل إن تطور العلوم وانفراج أزمتها بحدث باكتشاف اللفظ أو المفهوم » ومن ثم 
يصبح التجديد عن طريق اللغة هو بداية العلم الجديد . 

واللغة وسيلة للتعبير » ويمكن لفكرة صحيحة صحيحة أن يعبر عنها بلغة غير محكمة ثم 

تضيع الفكرة . كا يمكن لفكرة غير صحيحة أن يعبر عنها بلغة محكمة فتثبت الفكرة 
37 تنتشر ويعتنقها الناس 0 ٠‏ وقد فرص 
كل فكر جديد لغته » وبدأت كل حركة جديدة بتجديد اللغة أولاً » إذ يحدث أحياناً 
عندما تتطور الحضارة وتمتد وتتسع معانيها أن تضيق بلغتها القديمة الخاصة التي لم تعد 
قادرة على إيصال أكبر قدر ممكن من المعاني لأكبر عدد ممكن من الناس فتنشأ حركة تجديد 
لغوية » وتسقط فيها الحضارة لغتها القديمة الخاصة وتضع لغة جديدة أكثر قدرة على 
التعير(ا6) , 

إن العلوم الأساسية في تراثنا القديم ما زالت تعير عن نفسها بالألفاظ 
والمصطلحات التقليدية التى نشأت بها هذه العلوم والتيى تقضى في الوقت نفسه على 


(61) أنظر ما قلناه من قبل عن منطق التجديد اللغوي وهوما سميناه . 
:120017-6 .مم رعوغع 6د 'ل 5ع116500 5ع1 ,05110 صكصة 1 


109 


مضمونها ودلالتها المستقلة والتي تمنع أيضاً إعادة فهمها وتطويرها . يسيطر على هذه 
اللغة القديمة الألفاظ والمصطلحات الدينية مثل : الله » الرسول . الدين . الحنة. 
النار» الثواب . العقاب . كا هو الحال في علم أصول الدين . أو القانونية مثل : 
الحلال » والحرام ٠‏ الواجب . المكروه . كما هو الحال في علم أصول الفقهء أو 
التاريخية الملتصقة ببيئة ثقافية معينة مثل : الجوهر . العرض . الممكن . الواجب . 
الضروري . الحادث . العقل الفعال . العقل المنفعل ى) هو ال حال في الفلسفة » أو 
الرضا . التوكل . والورع . الصبر. الخشية . الخوف , الحزن . البكاء ىا هو الحال 
في التصوف . هذه اللغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقا لمتطلبات 
العصر نظرا لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التى نريد التخلص منبها . ومهما 
أعطيناها معاني جديدة فإنها لن تؤدي غرضها لسيادة المعنى العرفي الشائع على المعنى 
الاصطلاحي الجديد . ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء بمهمتيها في التعبير 
والايصال . 


ولا يتم التجديد بطريقة اليةء ؛ باسقاط لفظ ووضع أى لفظ آخر محله , مرادفاً أو 
شبيهاً . ٠»‏ بل بطريقة تلقائية صرفة يرجع فيها الشعور من اللفظ التقليدي الى المعنى 
كل لدي يفيل نم شاول أعبيد من جديد عن ذا لمن الصلي يلف ين من 
اللغة المتداولة ىا كان اللفظ التقليدي متداولاً شائعاً في العصر القديم . وهذه عملية 
طبيعية تحدث في أوقات تجديد الحضارات ومرورها بمراحل جديدة في تطورها . إذ 
يقبض الشعور على المعاني الأولية وهيٍ جوهر الحضارة .» ويخشى عليها من الضياع 
والجرف إبان التغير اللغوي . ثم يعبر عن هذه المعاني الأولية بلغة من واقعه الذي 
يعيش فيه . فالمعان هي معاني التراث . واللغة لغة التجديد . إن نجديد اللغة ليس 
عملا إرادياً يتم والباحث على مكتبه يغير اللغة التقليدية كيف يشاء بل عمل تلقائي يتم 
في شعور الباحث الذي يجد نفسه غير قادر على التعبير عن المعاني الكامنة في اللغة 
التقليدية نظراً لثقافته الحديثة ولبيئته الثقافية الجديدة . وعلى هذا يتم التجديد اللغوي 
وكأن اللغة تنشأ من جديد . ولكنها تكون لغة ثانية لها طراز في اللغة التقليدية . ولذلك 
أمكن تسمية هذا التغير تجديداً لغوي باعتبار النشأة الأولى التي تمت في المرحلة 
التقليدية » وذلك لأن المعاني الكامنة والتي لا يتم التعبير عنها بسهولة في اللغة التقليدية 
قد تأتي لحظة إما تتفجر فيها » وتصبح ثورة فكرية بلا قيود لغوية وبلا استمرار حضاري 
أ و تلفظ كلية وتصبح انقطاعا وتحولا عن التراث التقليدي كله . إن اللغة الحديدة من 
شأنها السماح لمذه المعاني بالتعبير» وتكشف عن أشياء كانت خافية في بطن اللغة 


110 


التقليدية . والتجديد اللغوي لا يتخلص فقط من ركود اللغة التقليدية وقصورها في 
التعبير عن المعاني » ولكنه يتخلص أيضاً من بعض القلق وعدم الوضوح في الاستعمال 
لبعض ألفاظ اللغة الحديدة » فألفاظ الشعورء والزمان . والفعل والقصد كلها ألفاظ 
عائمة لا تفيد معنى محدداً بل تفيد عدة معانٍ وربما متعارضة بل ومتضادة . فنظراً 
للمذاهب الفكرية التي نشأت فيها هذه اللغة وبيئاتها الثقافية ‏ ونظراً لأن المعاني الكامنة 
ف اللغة التقليدية لما من الاستقرار والأصالة . لأنها خارجة من الوحي ., ما يؤهلها 
لتكون عاملا للاستقرار اللغوي للغة الجديدة فإن التجديد اللغوي يصبح ضرورة 
طبيعية تستبدل فيها اللغة القديمة بلغة جديدة من أجل التعبير عن المعاني المتجددة طبقا 
لقتضيات الواقع 


ولا كانت اللغة صورة الفكر فإن التجديد اللغوي ليس تغييراً لمضمون الفكر بل 
تجديداً لصورته وهى اللغة . اللفظ ليس إلا حاملاً للمعنى وموصلاً له » ولكن المعنى 
مستقل عن اللفظ . وقد كان الاحساس في تراثنا القديم باستقلال المعاني عن الألفاظ 
إحساساً قوياً » ولا يوجد متكلم أو فيلسوف أو فقيه أو صوفي إلا ونبه على أنه لا مشاحة 
في الألفاظ ؛ وأن صلة المعنى باللفظ كصلة النفس بالبدن أي صلة تميز واستقلال 29 . 


ومع أن اللغة لا تمس مضمون الفكر إلا أن مجرد تجديد اللفظ وإعطاء فرصة 
للفكر كي يعبر عن نسه بلفظ جديد يكشف عن مواطن في الفكر أخفاها اللفظ 
القديم . قد لا يكون المعنى المكتشف في الفكر موجوداً بالفعل في الفكر القديم بل قد 
يكون إسقاطاً من الروح المعاصرة على اللفظ القديم إذ لم تجده في أي قراءة جديدة لهذا 
اللفظ القديم ” لو حدث ذلك لكان أيضاً شيئاً طبيعيا ‏ ؛ فاللغة كالحضارة متطورة . 
وبتطور الأفكار وتجددها تتطور الألفاظ وتتجدد . فالتجديد عن طريق اللغة ليس عملا 


(62) فمثلا يقول الغزالي « فإن العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها » الاقتصاد ص 12 ويقول أيضاً 
«وإذا أنت أمضت النظر . واهتديت السبيل عرفت قطعاً أن أكثر الأغاليط نشأت من خلال من طلب المعاني 
من الألفاظ . ولقد كان من حقه أن يقدر المعاني أولاً ثم ينظر في الألفاظ ثانياً . ويعلم أنها إصطلاحات لا 
تتغير مها المعقولات . . . نفس المصدر ص 13 ويقول الرازي : «هذه العبارات متفاوتة والمقصود شىء 
واحدء». أساس التقديس ص +4 ويقول القاضى عبد الجبار وولا معتير بالعبارات إذا صحت 
امعان . . .» المغني ج 12 أنظر والمعارف ص 508 كما تروى هذه الحادثة وهي ذات دلالة بالغة في أنه لا 
مشاحة في الألفاظ في صيغة كتابة صلح الحديبة . قال الرسول اكتب باسم الله الرحمن الرحيم . فقال 
سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كا كنت تكتب . فقال النبي : باسمك 
اللهم ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله » فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما 
صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله . فقال النبى : اكتب محمد بن عبد 
الله . . . . » التنبيه ص 7 . ْ 


111 


شكلياً بل هو عمل يمس المضمون في إعطائه أكبر قدر مكن من القدرة على التعبير 
والكشف عن كل إمكانياته . والحقيقة أن اللغة تلعب دورا كبيرا في نشأة العلم وفي بنائه 
بل إن مصطلحات العلوم هي التي تحدد بناءها . فألفاظ التواتر والآحاد . والعام 
والخاص . والأمر والنبي » والخلال والحرام هي التي حددت نشأة علم أصول الفقه . 
وهي ألفاظ عادية مستعارة من اللغة العادية وتعبر عن مضمون فكري وبناء نظري لعلم 
أصول الفقه. وكذلك ألفاظ المكن والواجب والمستحيل أو الذات والصفات والأفعال , 
كلها ألفاظ مستعارة من اللغة تعبر عن مضمون آخر وبناء نظري آخر لعل أصول 
الدين . وكل مصطلحات الصوفية : الحال والمقام . الوجد والفقد . البعد القرب » 
الغيبة والحضور . الصحو والسكرء الكشف والمشاهدة. الحلول والاتحاد كلها تعير أيضاً 
عن مضمون آخر وبناء وجداني آخر . والألفاظ المتعلقة بواجب الوجود . وممكن 
الوجود . والمطلق والنسبي . والحزئي والكلي . والقديم والحادث . والجوهر والعرض . 
والكيف والكم تحدد بناء نظريا آخر وهو الفلسفة . دور اللغة إذن في بناء العلم أو في 
إعادة بنائه دور أساسي وأولي . بل إنه يمكن القول بلا أدن مبالغة إن العلم هو لغة وأن 
تأسيس العلم هو إنشاء اللغة . 

أ قصور اللغة التقليدية 

وتغير اللغة التقليدية لا يحدث حباً في التجديد أو تعالاً من محدث بل هو ضرورة 
لغوية وفكرية معاً وذلك لأن اللغة التقليدية تصل الى مرحلة من تطور الحضارة لا 
تستطيع معها أن تؤدي وظيفتها ني التعبير عن المرادوني إيصاله الى الآخرين .. وذلك 
للفرق الزماني الشاسع بين اللغة التقليدية وبين الباحث الحديث والقارىء المعاصر . تبدو 
اللغة التقليدية وكأنها تسودها بعض العيوب التى تعوقها عن أداء وظيفتها في التعبير 
والايصال . وهذه العيوب تظهر حالياً على أنها عيوب مع أنها كانت قدياً خصائص مميزة 
أدت دورها في التعبير والإايصال وأهمها : 

1 - إنها لغة إلحية تدور الألفاظ فيها حول ١‏ الله » ولو أنه يأخذ دلالات متعددة 
حسب كل علم . فهو «الشارع» في علم أصول الفقه . وهو ١‏ الحكيم » في علم أصول 
الدين » وهو الموجود الأول في الفلسفة ٠»‏ وهو ١‏ الواحد ») في التصوف . لفظ ١‏ الله » 
يستعمله الجميع دون تحديد سابق لمعنى اللفظ إن كان له معنى مستقل أو لما يقصده 
المتكلم من استعاله له . بل إن لفظ « الله » يحتوي على تناقض داخليٍ في استعاله 
باعتباره مادة لغوية لتحديد المعاني أو التصورات . وباعتباره معنى مطلقاً يراد التعبير عنه 
بلفظ محدود وذلك لأنه : 

أ- يعبر عن اقتضاء أو مطلب . ولا يعبر عن معنى معين أي أنه صرخة وجودية 


112 


أكثر منه معنى يمكن التعبير عنه بلفظ من اللغة أو بنصور من العقل . هورد فمل على حال 
نفسية إو عن إحساس أكثر منه تعبيراً عن قصد أو إيصال لمعنى معين . فكل ما نعتقده 
ثم نعظمه تعويضاً عن فقد . يكون في الحس الشعبي هو الله » وكل ما نصبو اليه ولا 
نستطيع تحقيقه فهو أيضا في الشعور الجماهيري هو الله . وكلما حصنا على تجربة جمالية 
قلنا : الله ! الله ! وكلما حفت بنا المصائب دعونا الله , وكل) أردنا ضانا ويقينا حلفنا 
الآخر به وحلفنا له أيضا باه . فاه لفظ نعيربه عن صرخحات الم وصيحات الفرح 

أي أنه تعبير أدبي أكثر منه وصفاً لواقع وتعبير إنشائى أكثر منه وصفاً خبرياً . وما زالت 
لانسانية كلها تحاول البحث عن معى للفظ ٠‏ الله » . وكا أممنت في البحث إزدادت 
الآراء تشعبا بأ وتضارباً . فكل عصر يضع من روحه في اللفظ . ويعطي من بنائه 
للمعنى . وتتغير المعاني والأبنية بغير العصور والمجتمعات . فالله عند الجائع .هو 
الرغيف . وعند المستعبد و الخرية , وعند الظلوم هو العدل » وعند المحروم عاطفياً هو 
الحب. وعند المكبوت هوالإشباع. أي أنه ف معظم |الحالاات « صرخة المضطهدين » . 
وله في مجتمع يخرج من الخراقة هو العلم » وفي تجتمع آخر يفوج من التتخلف هرم 
التقدم . فإذا كان الله هو أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا فهو الأرض . والتحررء 
والتنمية ٠‏ والعدل . وإذا كان الله هو ما يقيم أودنا وأساس وجودنا ويحفظنا فهو الخبز . 

والرزق . والقوت . والارادة » والحرية . وإذا كان الله ما نلجأ إليه حين الضرر . وما 
نستعيذ به من الشر. فهو القوة . والعتاد . والاستعداد . كل إنسان وكلى جماعة تسقط 
من احتياجاتها عليه » ويمكن, التعرف على تاريخ احتياجات البشر بتتبع معاني لفظ 
« الله » على محتلف العصور(ة» . 

ب من المستحيل تعلق لفظ محدود بحروفه وتركيبه وتكوينه في الحملة ووضعه في 
الصياغة ودلالته على معنى معين من مؤلف معين لقارىء في عصر محدد ليدل على, معنى 
مطلق غير محدود ولا يماثله أي تصور محسوس يند عن حدود اللغة والتركيب والصياغات 
ويشمل كل العصور والأوطان » وجود مطلق أزلي أبدي الى آخر ما يقال دائماً في تصور 
الله بعد سماع لفظ « الله » . من المستحيل منطقياً التعبير بالأكثر تحديداً عن الأقل تحديداً 
أو بالأقل وجودا على الأكثر وجوداً . إنه إدعاء بشري ونقص في الأمانة أن يقول كاتب 
واحد أنه يعنى بلفظ « الله » ما يريد إلا عن طريق التقريب . ولاذا استعملت الصور 
الذهنية إذن ؟ ولاذا اختلفت من عصر الى عصر ؟ إذا كانت اللغة هي جرد حامل 
(63) أنظر الفصل الأول «ذات الانسان » والفصل الثاني ه صفات الانسان » من الجزء الأول « من العقيدة الى 

الثورة » أنظر أيضاً مقالنا ‏ التجديد والترديد في الفكر الديني المعاصر » قضايا معاصرة ج 1 ص 70 90 . 
( المجلد الثاني : التوحيد ( الانسان الكامل ) . الفصل الخامس : الوعي الخالص ( الذات ) . الفصل 

السادس : الوعي المتعين ( الصفات ) . 


113 


للمعنى , والمعنى مستقل . فإنه يمكن التعبير عنه بأي لفظ آخر من أي عصر اخر ومن 
أي بيئة ثقافية أخرى . فلفظ « الله » لا يساوي معناه بأي حال . صحيح أن اللفظ ورد 

في الوحي ولكن الاشكال هو في فهم اللفظ في عصر معين لجماعة معينة من أجل 
الحصول على معنى حضاري للفظ . وما زال علماء أصول الدين يحاولون فهم مدلول 
اللفظ حتى الآن دون الوصول الى مدلول واحد يتفق عليه الجميع . ! بل إن الوحي نفسه 
موجود في زمان ومكان معينين » وبالتالي : فهو أيضاً قد تحول في لحظة الإعلان الى حضارة 
أي الى مفهوم بشري يختلف باختلاف البشر . 

ج - هناك استحالة في تحديد جامع مانع للفظ إذ أن التعريف بطبيعته قائم على 
التحديد . والمعنى المراد التعبير عنه والموجود المراد الاشارة اليه قائم على الاطلاق وليس 
على التحديد . والتحديد قائم على أساس قطع جزء من الواقع ثم تصويره والإشارة اليه 
عن طريق التصور ‏ أما الاطلاق فلا يمكن تحديده على هذا النحو . ولما كان « الله ) لا 
يمكن تصوره فكيف يمكن التعبير عنه بلغة قائمة على التصور ؟ 

د لما كان الوجود وجوداً جزئياً خاصاً يمكن الإشارة اليه والتحقق منه فإنه لا 
يمكن أن يكون مطابقاً لوجود الله في التصور المقصود له كوجود عام . وإذا كان الله ليس 
وجوداً ذهنياً فحسب بل وجود واقعي أيضاً فكيف يشار إليه وكيف يعبر عنه في اللغة ؟ 
من الصعب إذن وجود ما صدق للفظ و اله » كي وضيع أنه من عيب ود 
له . ولا ينفع هنا أي دليل انطولوجي لاثبات وجود الله لآن الانتقال من الذهن الى 
الواقع هو خروج من القوة إلى الفعل يحتاج الى تحقيق ونشاط وحركة وفاعلية لا يعطيها 
الدليل العقلي الذي لا يتجاوز مجرد الافتراض والتسليم جدلاً . وكيف يوجد في الواقع 
من محرد وجوده في الذهن . وهو في كلتا ال حالتين وجود جزئي متعين ؟ فالتصور محدود 
بالذهن لأنه التصورينال بالحد . والوجودمتعين جزئي وهوعلى خلاف الافتراض . 

ه ‏ ولا يمكن إيصال أي معنى بلفظ « الله » لأن اللفظ حوى كثرة إن ادل 
لدرجة أنه يدل على معاني متعارضة . فهو الأزلي . المطلق . الشامل , الكل . 
عند البعض الآخر الزمني . النسبي . الجزئي . المتحرك » المتغير وهو عند فريق 
ثالث الدافع الحيوي , والاندفاع . والعاطفة . وعند فريق رابع التاريخ والصيرورة . 
فإذا استعمل البعض لفظ «١‏ الله » وهو يقصد معنى معيئاً فلربما ة فهم المستمع معنى آخر ء 
والمعنيان كلاهما واردان في اللفظ . وكل من يجادل في الله فإنه لا يزيد على إقامة حوار 
دن سيسة 7 


لقد ظهرت اللغة الحية في أول انتشار الحضارة لتعبر عن الدين الجديد . فقد كان 


114 


لفظ « الله » له مدلوله الشعوري الثالي في الشعور العربي القديم . ولكن ما أن بدأت 
الحضارة في التطور حتى بدأت اللغة الالهية في التراجع وحلت محلها لغة عقلية خالصة 
كما اتضح ذلك في أصول الدين المتأخر . وكى!ا وضح بصورة أوضح في علوم الحكمة . 
2 واللغة القديمة لغة دينية تسودها ألفاظ تشير الى موضوعات دينية خالصة 
مثل : دين رسول . معجزة . نبوة » وهي لغة عاجزة عن إيصال مضمونها للعصر 
الحاضر . فاللفظ التقليدي « دين » لا يؤدي وظيفته في الأإيصال . فإذا كان لفظ «١‏ الله ) 
يحتوي على تناقض داخلى في الايصال بالاضافة الى تضارب معانيه . وكلها قد تعارض 
المقصود منه » فإن لفظ « دين » وإن كان يمكن التعبير به عن المقصود منه إلا أنه لا يمكن 
أداء وظيفته في الايصال نظراً للمعاني العديدة التي التصقت به طول تاريخ استعماله بل 
والتي تتعارض أحياناً مع المعنى الأصلي له الموجود في المعنى الاشتقاقي أو في المعنى 
الاصطلاحي الشرعي وهو المعنى الاصلى القبلٍ الذي أى به الوحي . فنظراً لهذه 
الشحنة من المعانى الغريبة عن اللفظ والملصقة به فإن اللفظ يفقد معناه الأصلى بل ويفقد 
كل قدرته على إيصال أي معنى حتى ولو كان المعنى الأولي له لما يلتصق به من معاني 
مضادة . بل ويستحيل إعطاء أي معنى جديد له لآن هذا المعنى الجديد بمفرده لا يمكنه مقاومة 
تاريخ طويل من العاني الوافدة عليه. لفظ «دين» أصبح لفظا «منعرجاً) د 
طرف واحد لا يوصل إلا معنى واحداً وهو الغالب أي أنه لا يوصل إلا أحد الجوانب في 
رته المتطرفة وهو الجانب الالمى أو الخارق للعادة أو الأخرويات أو ما وراء الطبيعة . 
فكل دين بالضرورة يفيد هذا المعنى . وكل ١‏ مادة » للدين تكون من هذه العينة » كلها 
تشير الى هذا الجانب الواحد . بل وأصبحت هذه المادة عينة مختارة ونموذجاً لكل الأديان 
الممكنة دون أي تصنيف لنوعيات الأديان الى دين تاريخ ودين وحي . دين ما وراء 
طبيعة ودين طبيعة » دين سر ودين علن . دين لا عقل ودين عقل . دين سلطة ودين 
فرد . دين خطيئة ودين براءة » دين طقس ودين تقوى . دين كهنوت ودين عالم » دين 
اله ودين إنسان . . . الخ ودون أي مراعاة لتطور الدين في مراحله المختلفة . فنظرا 
لأن لفظ « دين » له استعالات كثيرة » ويفيد معاني متناقضة فإنه أصبح يشير إلى ما لا 
يقصد به . فهو يشير الى التاريخ أكثر مما يشير الى الوحي . ويشير الى التاريخ السياسي 
والاجتاعي للدول المعتئقة هذا الدين أو إلى لعلو الدينية الي نشأت منه والى المذاهمب 
والتيارات الفكرية الى أسسها بعض المعتقدين به أو الى مجموعة من العقائد التي نشأت 
من تصورات معينة في مرحلة محدودة من تطور الحضارة التي نشأ فيها هذا الدين . وهي 
كلها لا تفيد معنى الدين والمقصود منه في الوحي او في عصرنا الحاضر طبقا لتطلياة 
الحالية . لقد كانت اللغة الدينية ضرورة أولى في نشأة الحضارة ولكن ما أن تقدمت 


115 


الحضارة حتى بدأت اللغة الدينية تتراجع وتأتي محلها لغة عقلية خالصة كا هو الحال في 

علم أصول الدين المتأخر . ولما كان لفظ « دين » قاصراً عن آداء المعنى فإن لفظ 
« أيديولوجية ) أقدر منه على التعبير عن الدين المعني وهو الإسلام » وإيصال معناه لأن 
الوحي مجموعة من الأفكار والتصورات تصدر منها أنظمة وشرائع خرجت من الواقع 
« بأسياب النزول » وتكيفت حسب الواقع «بالناسخ والمنسوخ»._وهدفها تغيير الواقع الى 
واقع أفضل منه . فالحاكمية لله تعني تحقيق الوحي كنظام إجتماعي وإنشاء الدولة التي 
تعبر عن الكيان السياسي للأمة . وذلك عن طريق المؤمنين وهم الحزب الطليعي أو 
بمعنى معاصر هم الحزب « البروليتاري » الذي يقوم بتحقيق الايديولوجية في 


إفنة ) 


التاريخ 
وكذلك لفظ ١‏ الاسلام » مشحون بعديد من المعاني كلفظ «دين». فإن أمكن . 
من الناحية النظرية على الأقل ‏ ا 
مع المعنى الأصلى للفظ . وليس من الضروري ا 
السامع ولكن يكفي أن تكون شائعة في الجو الثقافي كي يستحيل بعدها استما الل 
ميدان معين وليس لفظاً عاماً يدل على مع مستقل عن كل ميذان مشلا : حرية .2 
نحرر. مسأوة ٠‏ إنسانية . وحتى لو استعمل اللفظ ابتداء من معناه الاشتقاقي فإن معناه 
. التاريخي يكون أقوى وأمثل اللأذهان . ٠‏ ومن الصعب نجريد الذهن وتخليصه من المعنى 
الشائع , وإلزامه بالمعنى الاشتقافي الأول . فلفظ « التحرر ( 0 ديد لذي يعبر 
كل الانسان من الود رعسل روي لا 0 
إله » . فإذا تحرر الانسان من القيود فإنه يقوم بالفعل الثاني وهو الإثبات ١‏ إلا الله ) 
فيسلم أله . فالاسلام هو نحرر الشعور الانساني من كل فيود القهر والطغيان» مادية أو 
سياسية(55؟2 , ولفظ « السلام » أيضاً يعبر أكثر عن مضمون ) الاسلام » من اللفظ ذاته 
لأن الاسلام هو الذي يحقق السلام الداخلي للانسان بعد تحرره من كل قيود القهر 
والاستعباد . م هو الذي يحقق المجتمع الواحد الذي لا طبقات فيه ولا استغلال ولا 
احتكار ومن ثم ينشأ السلام ُْ المجتمع . وهو أيضاً الذي ينظم علاقات الامم 4 
بعضها مع البعض الآخر على أساس من السيادة المتبادلة وأحلاف السلام . 


(64) أنظر مقالنا ١‏ الأيديولوجية والدين » قضايا معاصرة ج 1[ص 146-128. 
.(65) وهذه هي أهمية تفسير الشهيد سيد قطب للتوحيد في كتابه « العدالة الاجتاعية في الاسلام . 


116 


3 - واللغة في تراثنا القديم لغة تاريخية تعبر عن وقائع تاريخية أكثر من تعبيرها عن 
الفكر . فهناك الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية في أصول الفقه . والمعتزلة والاشاعرة 
والخوارج والشيعة في أصول الدين . والكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد في 
الفلسفة » ورابعة والحسن البصري والحلاج والغزالي وابن الفارص والسهروردي وابن 
عربي وابن سبعين في التصوف . وكل هذه الألفاظ لا تشير إلا إلى وقائع تاريخية ‏ 
وأشخاص أو حوادث أو مناطق جغرافية » وليست مفاهيم علمية لها دلالتها المستقلة . 
صحيح أن العلوم العقلية القديمة نشأت في أحضان التاريخ وني بيئات جغرافية . 
وحسب مقتضيات الظروف . فارتبطت العلوم باسماء من اشتغلوا بها » والتيارات 
الفكرية بأسماء من اعتنقوها وإذا كان تراثنا القديم قد وقع بالك فه| وقع فيه الثراث 
الغربي فإن مهمتنا هى القضاء على تشخيص الأفكار . فالأفكار لا أساء لما ٠‏ بل هي 
أذكار عامة شائعة فى كل زمان ومكان : ونلا وتظهر في كل حضارة . ونحن نعاقٍ من نسبة 
الأفكار الى أشخاص . ونخلط , بين الصراع الفكري والصراع الشخصيٍ . ويتقلب 
الحوار بين الأفكار الى صراع بين الأشخاص وإلا لكان الاسلام محمدياً » والعقل 
معتزلياً : والنقل أشعرياً . والطبيعة نظامية أو جاحظية والشورى سنية . إن التشبيه 
والتنزيه لا شأن لما بالاشاعرة والمعتزلة بل هما موضوع شعوري مستقل . وقد اقترب 
راك الديم من ذلك عندما ضم كل مجموعة من العلماء تحت الفكرة الى يدافعون عنها 
فهناك « أصحاب الطبائع » معمر والجحاحظ وثامة والنظام ضمن أهل التوحيد والعدل 
وهم المعتزلة » وهناك المشبهة والمعطلة . والمجسمة . والقدرية » والمرجئة . والامامية 5 
والشيعة . والمعتزلة , والخوارج ؛ وأهل السنة . . الخ . فالفكرة هي الأساس . 
ومهمتنا نحن إبراز إستقلال الفكرة عن ليها , وعن الأماكن التي ظهرت فيها مثل 
الحروية . وعن الحوادث التاريخية الي بد ت فيها مثل المعتزلة والشيعة والخوارج 5 
فيبقى لدينا التجسيم والتشبيه والتعطيل , 05 والارجاء . والإمامة . مهمتنا إحياء 
الأفكار من منازل الموق . 

4 - واللغة في تراثنا القديم لغة تقنينية » تضم الوجود وتضعه في قوالب . فهناك 
قانونية المصطلحات في أصول الفقه » والتقسيمات العقلية في أصول الدين والفلسفة على 
السواء ء» وكلها تبدأ بعبارات مثل « يجب على » أو « من الواجب أن » وكأن الحياة يمكن 
أن يفرض عليها قانون من الخارج , وكأن الاسان ما هو إلا مستقبل لتشريعات مفروضة 

عليه من كل علم . باستثناء أصحاب الطبائع الذين رادها نهم كل ليء صل ان 
طبيعة . لقدكانت اللغة القديمة على إتفاق تام مع نشأة الدين , وتلائم طٍ طبيعة الظروف 
النيي نشأت فيها العلوم التقليدية وتطورت . فالدين أتى مشرعا للواقع ٠‏ ومصدراً 


117 


للأحكام ولكن لغة التقنين لا تصح لكل عصر . فعصرنا مشابه لعصر الوحي القديم 
وقت نزوله . واقعنا مشكل ينادي على حل », واقعنا مأزوم ب يبغي الفرج . ولا يأتي ذلك 
الا بإطلاق قواه . فالواقع يقتضي فكرة | اقتضى الواة قع القديم الوحي . صحيح أن 
تقنين الثورة من قاموسنا المعاصر ولكنه لا يعني فرض قوانين على الواقع بقدر ما يعني 
تنظيم ما يفرضه الواقع من تغير ثوري حتى لا يجهض أحد ما هذه التغيرات أو يستعملها 
لحسابه الخاص . « فالواجب » مثلا لفظ مستعمل في أصول الدين . النظر أول 
الواجبات » ومستعمل أيضاً في أصول الفقه , الواجب أول الأحكام الخمسة : 
الواجب . وال حرام » والمندوب . والمكروه . والمباح . فهي ألفاظ توحي بأن الانسان ما 
هر إلا آلة للتطبيق » وأنه فاقد حريته . في حين أن التعيي بألفاط أخرى مثل الطبيعة . 
والانطلاق . والازدهار فيها تأكيد للذات . وإثبات لحريتها . وتحقيق لوجودها . 


5 واللغة في تراثنا القديم لغة صورية محردة . فهناك تقسيات عدة للوجود الى 
نمكن » وواجب . ومستحيل . وجوهر. وعرض في علم أصول الدين وفي علوم 
الحكمة . وهناك أيضا تفريعات عدة يفتقد الموضوع خلالها. وفي علم أصول الفقه هناك 
تقسيمات عدة لأنواع العلل إلى موجبة » وقاصرة . ومؤثرة . ومناسب . وملائمة » دون 
أن ندري ما هو الواقع وراءها . وفي التصوف هناك تقسيات أخرى للطبيعة ولمقولاات 

--الطبيعة ولكنها تتحول كلها الى تجريد خالص فتفقد اللغة المستعملة مباشرتها وواقعيتها 
وإنسانيتها . أما ألفاظ التاريخ » والجماهير . والأنا . والآخرء والانسان . والعالم , 
والتقدم + والتخلف . فهي أكثر إيجاء للمعاى : وهي تمثل أيضاً منطقاً عملياً أو جدلا 
تاريخيا أو بناء إجتاعياً . وهو أسلوب العصر ولغة الحيل . إن التجريد ينشأ بعد نشأة 
العلم كموضوع وكمنهج وكبناء » ونحن الآن بصدد إعادة بناء العلوم من حيث 
النشأة . ومن ثم فمستوى التجريد في العلوم لا يلائم مرحلتنا الحالية في إعادة بنائنا 
للعلم ووصف نشأته وتكوينه من جديد . 

6 - واللغة التى يرفضها العصر حتى ولو كانت لغة قديمة لا يمكن استعالها من 
جديد , فمهم| أمكن إبراز معنى الخلافة أو الامامة من شورى » وبيعة . واختيار إلا أن 
اللفظ لا يستعمل نظرا للشحنات التاريخية , والخلافات المذهبية لي نشع منه . فلو 
حاول أحد الآن عمل نظرية في اأخلافة أوجد آذاناً صماء » ولو حاول أحد حد أن يعمل 
نظرية في التجسيم أ و التشبيه لوجد عداء وتكفيراً .كا لو استعمل أحد لفظ «الالحاد) 
« والكفر » لكان أشبه يمن يرطم رأسه بصخر. ويبقى الحهدف من « التراث والتجديد » 
وهو عمل ثقافة وطنية يمكن التعبير عنها بلغة يقبلها الشعور العامي . فالألفاظ التي 
تقبلها العصر هي التي يمكن استعالها . بل إن في العصر ألفاظاً تجري مجرى النار في 


1168 


الهشيم مثل : الأيديولوجية » التقدم . الحركة . التغير التحرر . الجاهير » العدالة ‏ 
وهي الالفاظ التي لها رصيد نفبي عند ماهير واتي يكن أن تعبر عن ثقافة وطنية يمكن 
تكوينها . لا يعنى ذلك تملق الجاهير أ واللعب على أوتارها الحساسة بل تعني أخذ العرف 
في الاعتبار , والمعنى العرفي جزء من معنى اللفظ . ويعني أيضاً تطويع اللغة في نشأتها 
واختيار ألفاظها الى متطلبات الواقع حتى لا تقع في انعزالية الثقافة بصورية اللغة . 

اللغة التقليدية إذن قاصرة عن أداء وظيفتها في إيصال المعاني التي يمكن للباحث 
أن يعبر عنها للآخرين . فإذا بدأ الباحث برؤية الشىء . وفهمه لمعناه ثم وضعه في اللفظ 
المناسب للتعبير فإن السامع يبدأ بساع اللفظ ثم يحدد معناه ثم يرى الشيء الذي رآه 
الباحث أولاً . فإذا كان تجديد اللغة مه] اس للباحث بإعطائه المعنى وإشارته الى 
الثىء فإنه مهم أيضاً بالنسبة للآخر باستقباله المعنى ورؤيته للشيء . 


ب تميزات اللغة الحديدة 


واللغة الجديدة تحاول أن تتلاى عيوب اللغة التقليدية التي تعوق التعبير والايصال. 
وتحاول أن تستبدل بخصائصها خصائص أخرى يمكن بواسطتها سهولة التعبير عن 
المضمون ودقة إيصال المعنى المطلوب وأهم هذه الخصائص هي : 


1 - أن تكون اللغة الجديدة عامة بل وأكثر كثر درجات اللغة عموماً حتى يمكن بها 
مخاطية كافة الأذهان . فمثلاً لفظأ عام وخاص ف فى أصول الفقه لفظان عامان يمكن لكافة 
الأذهان فهم المراد منه| بل ومناقشة المضمون واقتراح تغيير أحدهها أو تغييرهما تغييراً 
كاملا . وكل مصطلحات أصول الفقه خاصة في| يتعلق بمناهج الرواية أ و بمناهج اللغة 
ألفاظ عامة يمكن أن تنطبق على أي تراث وعلى أي نص ديني6*0) . وني أصول الدين . 
النظر والعمل لفظان عامان يمكن لكل الافهام أن تحصل على المراد منه| . وكذلك ألفاظ 
الحرية والاختيار . العقل والنقل , كلها ألفاظ عامة لا تخص حضارة بعينها » وتعبر عن 
أكبر قدر من العمومية لأكبر عدد ممكن من الناس . بل إن من خصائص لغة العلم المحكم 

هي أنها تكون عامة حيث يكن للعلاء في أي مكان وني أي عصر التعامل مها. بذلك 
يفضل العلم اللغة الرياضية والرموز . أما مصطلحات الصوفية فإنها تحتوي من قبل 

على درجة كبيرة من العمومية نظراً لأنها تعبير مباشر عن الوجدان . والوجدان واحد عند 
كل الناس . ومن ثم تصبح عملية « التراث والتجديد » عملية جماهيرية » وثقافية وطنية 
يقرؤها الجميع وتسد فيهم التقص النظري في فكرنا المعاصر .كما تستطيع أن تصوغ لغة 
واحدة يستعملها المثقفون بصرف النظر عن تخصصاتهم ومواقفهم الفكرية » وتكون 


119 


اللغة المشركة. وكثيراً ما ضاع الفكر من أجل خصوصية اللغة ا هو الحال في الفكر 
المسيحي الذي يصر على استخدام لغه الخاصة في العقائد . وكثيرا ما ثبت الفكر بفضل 
عمومية اللغة ى) هو الحال في بعض جوانب تراثنا القديم . 

- أن تكون اللغة الجديدة مفتوحة . تقبل التغيير والتبديل إما في مفاهيمها أو في 
معانيها أو حتى في وجودها. إما بإبقائه أو بإلغائه كلية . اللغة الفتوحة ليست جامدة 
محددة بل تقبل إضافات وتغييرات كل خيرة إنسانية فردية أو مشتر . فيمكن النقاش 
مثلا في العام والخاص هل هما الكلي والجزئي التطفيا أم ها الكل وازثي في الفادة 
أم هما مقولتان سلوكيتان . فالخاص خطاب للفرد والعام خطاب للناسن - جيعا . ويمكن 
النقا* ش أيضاً في علم أصول الدين إذا كان لنظر والعمل وجهين لشيء واحد أ شئين 
مستقلين, وإذا كانا يوازيان اليقيني والظني أم لا؟ أو التساؤل عن النقل والعقل هل ها 
خيء ولحد ام شيئان نختلفان . وإلى أي حد هناك اختلاف ؛ وما هي وظيفة كل منها ؟ 
وكذلك يمكن التساؤل في الفلسفة عن قسمة 4 الى واجب وممكن . أو إلى جوهر 
وعرض. أو إلى موجود بذاته وموجود بغيره ٠‏ وإلى أي حد يمكن قبول هذه القسمة أو 
رفضها ؟ وفي التصوف يمكن أيضاً الاستفسار عن معنى الأنس . والوجد . والقرب ء 
والبعد, والهجر . والوصال . . . الخ ومناقشة التجارب النفسية التي وراءها . ومن 
ثم يمحي خطر التعقيد اللغوي السائد في فكرنا المعاصر . والتشدق بالألفاظ والمفاهيم 
الصعبة . .كلما ازدادت اللغة صعوبة عظم الفكر عمقاً ٠»‏ وصرخ الباحث أن اللغة 
العر بية غير طيعة للتعبير عن هذه المفاهيم الحديثة والتصورات العصرية والعلوم اللسنية 
ىا محدث أحياناً عند إخواننا الباحثين الشوام والمفكرين المغاربة لزيادة في تغرمهم ونقص 
في تعرمهم . 

- أن تكون اللغة عقلية حتى يمكن التعامل بها في إيصال المعنى . وأية لغة قطعية 
لن تعبر عن شيء لأنها مغلقة على نفسها . ولا تكون لغة اصطلاحية لأن هذه هى ما 
اصطلح عليه الناس . اللغة القطعية لغة توقيفية خالصة إما أن تقبل أو ترفض ولك: لا 
يمكن تغييرها أو عطاؤها معاني جديدة . اللغة العقلية هي التي يفهمها كل الناس بلا 
شرح أو تعليق أو سؤال أو استفسار بل يفهمها العقل بطبيعته » ويتعامل معها كأنها 
منه . فالممل , والمرية ٠‏ والشورى » والطبيعة . والعقل » كلها ألناظ عقلية في علم 
التوحيد لا يمكن للعقل أن يرفضها . أما ألفاظ الله » والجحنة » والنار. والآخرة . 


(68) وهذا هو السبب في قيامنا بأول محاولتنا لتجديد التراث في علم أصول الفقه في رسالتنا المذكورة ثم تطبيق 
العلم في رسالتنا الثانية عن « فينومينولوجيا التفسير » على نص ديني آخر هو العهد الجديد : 


120 


والحساب . العقاب . والصراط . ولميزان ء» والحوض . فهى ألفاظ قطعية صرفة لا 
يمكن للعقل أن يتعامل معها دون فهم أو تفسير أو تأويل للك سأها تراثنا القديم 
السمعيات وأخرجها من العقليات . لا يمكن استعماها استعمالاً شائعاً عادياً مثل 
لغة الخطيئة » والتجسد ؛ والخلاص » والفداء » والسرء والشخص .» والاقنوم . 

صحيح أن تراثنا الاسلامي أقل إيغالاً بكثير من أي تراث آخر مسيحي أو يبودي أو 
بوذي . وإن كثيراً من الألفاظ السياسية المعاصرة لترقى الى الكهنوت » ومن ثم استحال 
أيضاً استعم الها مثل : تحالف قوى الشعب العامل . الاشتراكية . الاتحاد الاشتراكي . 
والرأسالية الوطنية ملذ عشر سنوات . والايمان . وسيادة القانون . وأخلاق القرية هذه 
الأيام وما هو الخال أيضاً عند بعض الماركسيين المحدثين الذين لا يعبرون عن فكرهم 
إلا بمقولات الجدل . والكيف . والكم . والتناقض . والسلب . والنفي . والمادية . 
والتاريخية » والصراع . والطبقات . وملكية وسائل الانتاج » ونط الانتاج » والقيمة . 


وفائض القيمة . .. الخ . والنتيجة هي نفور الشعب من قاموس السياسة. 
فمصطلحاته القديمة بالرغم مما فيها من عيوب يدركها المستنيرون . أكثر تعبيرا عن 
أشواقه وتطلعاته . 


4 أن تكون اللغة لها ما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة حتى يمكن ضبط 
معانيها والرجوع الى واقع واحد يكون محكاً للمعاني ومرجعاً إذا تضاربت وتعارضت . 
فألفاظ الجن والملائكة والشياطين بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تجاوز الحس 
والمشاهدة . و يكن استعراها لها لا تشير الى واقع ٠‏ ولا يقبلها كل الناس . ولا 
تؤدي دور الإيصال . وكذلك ألفاظ العقل الفعال . والعقل المنفعل . والعقول 
العشرة. وأرواح الأفلاك, والروح كلها ألفاظ لا تشير إلى أشياء في الواقع وتجسيمات لمعاني 
إنسانية خالصة يمكن التعبير عنها بلغة عقلية تشير الى شيء موجود بالفعل في الحس 
والمشاهدة. وكذلك ألفاظ عين الله .» ويد الله » وقلب الله ووجه الله وصعود الله . 
ونزوله » وجلوسه . وقيامه كلها ألفاظ لا يمكن استعماللها لأنها أقرب إلى الصور الفنية 
منها إلى ألفاظ إخبارية . وكذلك الميزان والصراط والأعراف والحوض وأنكر ونكير وكل 
ما أطلق عليه العلماء القدماء السمعيات لا تشير الى حس ومشاهدة إلا عن طريق تأويل 
معاني الألفاظ . واستعارة الألفاظ الحسية للدلالة مها على معانٍ إنسانية . وأن اللغة 
بطبيعتها من خلال المعاني الاشتقاقية للألفاظ تنشأ من الحس وتخرج من والواقع . ولا 
يوجد معنى للفظ إلا وقد نشأ أولا من التربة والطين والأرض . ويظل هذا المعنى هو 
أساس المعنى الوصطلاحي . وقد بدأ الأصوليون تجديد معان مصطلحاتهم بالبحث عن 
المعنى الاشتقاقي للفظ. فهو المعنى الأول والأصيل والذي يكون ركيزة المعنى 


41 


الاصطلاحي . ولا يكون المعنى الاصطلاحي في الحقيقة إلا تتميهاأ للمعنى الاشتقاقي 
ونقله من التربة والأرض الى العلاقات الانسانية . فالزكاة في أصلها النهاء » والصلاة في 
أصلها العلوء والشهادة أصلها الحس والواقع والرؤية . وبالتالي » يمكن حماية فكرنا 
المعاصر من جعبة ألفاظه التى لا تدل على شىء . كما يمكن بذلك القضاء على انعزالية 
الفكر وعزلة المفكرين . 


5 أن تكون اللغة إنسانية لا تعبر إلا عن مقولة إنسانية كالنظر » والعمل . 
والظن, واليقين» والقصدء والفعل . والزمان . والباعث . فهي كلها ألفاظ تشير الى 
جوانب من السلوك الانساني الواقع في الحياة اليومية » يقابلها كل إنسان ويستعملها مها 
كانت عقيدته أو مذهبه أو تياره الفكري . أما ألفاظ القديم » والحادث . والجوهر . 
والعرض . والوجود » والماهية , والجهة . والاضافة . فكلها ألفاظ وإن كانت عقلية 
عامة إلا أنها لا تستعمل لوصف سلوكنا اليومي بالاضافة الى أن طابعها المجرد قضى على 
الموضوع ذاته . واللغة هي تعبير وإيصال للمعنى وليست قضاء عليه وتحوأ للشيء المشار 
إليه . أما اللغة التى لا تعبر عن مقولات إنسانية مثل « الله » والجواهر المفارقة , 
والشيطان , والملاك . فهى لغة اصطلاحية عقائدية تشير الى مقولات غير إنسانية إلا إذا 
أولناها وفسرناها وأعطيناها مدلولات إنسانية . فالله يصبح هدف الانسان وغايته ورسالته 
ودعوته في الحياة » والشيطان يصبح هو المعارض الذي يمثل الغواية والخطأ والحافز , 
والملاك يصبح هو ما يرجوه الانسان من طمأنينة وخبر ورحمة وأمن واستقرار ودعة . 
وبالتالي يمكن نقل عصرنا من مرحلة التمركز حول الله وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة 
التمركز حول الانسان وهى المرحلة الحالية . كما يمكن اكتشاف الانسان الغائب في تراثنا 
القديم والممحو في وجداننا المعاصر . والانسان كامن في ترائنا القديم ولكنه مغطى 
ومستور. وعصرنا الحالي هو عصر الانسان . وبالتالي تكون مهمة عصرنا إبراز 
الممتورء. والكشف عن الانسان . وتلك هى مهمة ١‏ التراث والتجديد » في أول 
محاولاته من أجل إعادة بناء علم أصول الدين على أنه « علم الانسان » . 


6 - أن تكون لغة عربية وليست مستعربة أو معربة عن طريق النقل الصوتي 
للغات والألفاظ الاجنبية بدعوة قصور اللغة العربية عن الامداد بمفاهيم حديثة تعبر عن 
مضمون العصر واكتشافاته . وقد وقع إخواننا الشوام والمغاربة في هذه الألفاظ 
المستهجنة بدعوى التحديث . والخطورة هي جعل الحديث من الخارج وليس من 
الداخحل . وبفضل وسائل دخيلة وليس عن طريق تطور طبيعي لثقافتنا القديمة . فاللفظ 
الأجنبي قد يكون له لفظ عرب يعبر عن مضمونه وإن كان مختلفاً عنه في الشكل . 


112 


صحيح أن في تراثنا القديم عديداً من الألفاظ المستعربة مثل موسيقى . وأنالوطيقا . 

رأوثولوجيا » ولكن ذلك قد حدث في أوائل عصر الترحمة . ولكن بعد أن استقرت 
امعان خرجت الألفاظ العربية لتعبر عنها مثل الألحان » والتحليلات » والالهيات . 
والموضوع ليس شكلياً صورياً بل يتعلق بالمضمون . فاللغة هي الثقافة ونشر اللغة 
بألفاظها هو في نفس الوقت نشر للثقافة . والألفاظ المستعربة دعوة إلى تبني الثقافة 
الدخيلة وترك الثقافة الأصلية وكأن مفاتيح العلوم والفكر والثقافة هي عند الثقافات 
الأخرى وليست في ثقافتنا الخاصة . لذلك حرص ١‏ التراث والتجديد » على تجدب 
الألفاظ المستعربة من أجل المحافظة على الأصالة اللغوية فهى شرط التعبير عن أصالة 
الفكر . ظ 
ج - اللفظ والمعنى والشيء 

ويمكن إخضاع التجديد اللغوي الى منطق محكم يقوم على التعبير المطابق للمعنى 

والذي يقوم بوظيفته في الايصال . فالمنطق اللغوي يشمل جانبين : جانب التعبير وجانب 
الايصال. وهما لا ينفصلان بل يشيران معاً الى حياة اللفظ ودورانه بين المتحدث 
والسامع . ويمكن وصف هذا المنطق لتجديد اللغة بطرق ثلاث : إما بالانتقال من 
اللفظ التقليدي الى معناه وإما بالانتقال من معنى اللفظ التقليدي الى لفظ جديد . وإما 
بالانتقال من الشىء نفسه الذي يشير اليه اللفظ التقليدي الى لفظ جديد . 


1 - من اللفظ التقليدي الى لفظ جديد : نظراً لنقصان اللغة التقليدية في التعبير 
عن كل محتويات اللفظ من معانٍ أصلية وفرعية » أو أشياء تشير اليها هذه المعاني , 
ونظراً لأن هذه المعانى وهذه الأشياء تكون دائاً منطوية على نفسها داخل اللفظ التقليدي 
الذى يفقدها حيويتها وجدتها بل وواقعيتها ووجودها فإنه يمكن الانتقال من لفظ تقليدي 
الى لفظ جديد له قدرة أكثر على التعبير وعلى إظهار المعاني وعلى الاشارة إلى الاشياء 
نفسها . والألفاظ التقليدية ليس معيبة في ذاتها باعتارها ألفاظاً أي ليست إههية أو دينية أو 
تاريخية أو تقنينية أو مجردة | أنها ليست محدودة مغلقة صورية بل هى ألفاظ عامة . 
مفتوحة ء عقلية » إنسانية » تشير الى واقع حسي مباشر ولكن ليس بما فيه الكفاية لأنها 
لا تعبر عن مضمونا ولا توحي بالأشياء النيي تشير إليها حتى ولو كان اللفظ التقليدي 
صالحاً للاستعال مثل لفظ « الأجماع » أو « الاجتهاد » . فإنه نظراً لأنهها أصبحا يعيران 
عن مذاهب فقهية تاريخية محدودة ويشيران الى بيئة ثقافية معينة بل والى جدل ومهاترات 
يتحول مضموما الى قضايا فإنه من المستحيل استع لما من جديد بعد تجريدهما من كل 
ما علق بها من تاريخ جدل طويل . أما لفظ الخيرة ب بين الذوات أو« التجربة المشتركة » 


123 


فهو لفظ معاصر يثير وجدان المعاصرين » ويدل على نفس مفهوم اللفظ القديم دون أن 
يثير عيوبه . وكذلك لفظ « شرعي » ولو أنه لفظ عقلٍ ؛ ) فالفكر يشرع للواقع » إلا أنه 
ما زال لفظأ دينياً . وقانونياً . وتاريخياً . ويمكن التعبير عن معناه بلفظ « قبل » وهو 

المعطى السابق . فهو لفظ أعم . ويركز على المعنى في اتجاه واحد وهو الطابع القبلٍ 
للوحى على الأقل من حيث مصدره لا من حيث باعثه أو حك صدقه لأن باعثه ومحك 
صدقه هو الواقع 

والانتقال من لفظ تقليدي الى لفظ تقليدي آخر مشابه لن يقدم شيئاً لأن المشكلة 
تظل باقية وهي استحالة التعبير عن المعاني الأولية بالألفاظ التقليدية وإلا وقعنا في 
الشروح على المتون عندما كانت تستبدل ألفاظأً قديمة بألفاظ أخرى قديمة . فالله والخالق 
يدلان على نفس المفهوم . والألفاظ العقلية والتقليدية مثل الأول . والآخر . والظاهر . 
والباطن » الى آخر ما هو معروف من أسا)ء الله كلها ألفاظ تقليدية لا يفيد تبديل أحدهما 
بالآخر . ولكن الانتقال من « الله » الى « الانسان الكامل » يعبر عن كل مضمون الله . 
فكل صفات الله : العلم » والقدرة ٠»‏ الحياة ؛ والسمع » البصر ء والكلام ٠‏ والارادة 
كلها هى صفات الانسان الكامل . وكل أساء الله الحسبى تعنى آمال الانسان وغاياته 
التي يصبو اليها ' فالانسان الكامل » أكثر تعبيراً عن المضمون من لفظ « الله اليو ' 

وعلم أصول الفقه مثلا يدور ثلثه على الرواية »سند ومتن» تواتر وآحاد للسند , 
ونص ومعنى للمتن . ولكن لفظ الرواية له معننى ضيق وهو العنعنة كما في علوم 
الحديث . ولا يشير إلا الى طرق الرواية المعروفة في علوم الحديث من تواتر واحاد 
ومرسل ومنقطع ومشهور مع أن الرواية هي نص الوحي . ويشير الى التاريخ باعتباره 
زماناً للانتشار والى المنطق باعتباره منبجاً للنقل . فالتاريخ هو العصر ليس فترة محدودة 
تحديدا تعسفيا بقرن أو بغيره ولكن بالوجود الزماني للفرد . فالعصر هو الجيل . هناك 
العصر الأول . والثاني » والثالث . والرابع أي الجيل الأول » والثاني » والشالث . 
والرابع . ومناهج النقل من تواتر وآحاد إن هما إلا طبيعة العلاقات بين الرواة من حيث 
اتصالهم واستقلاهم . فلفظ « منطق التاريخ » يفيد معاني أعم وأعمق . ويشير الى 
موضوعات أكثر وأوقع مما يفيد لفظ الرواية . 

والثلث الثاني من علم أصول الفقه خاص بمبحث الألفاظ . فهذا التعبير يشير الى 
دراسات لفظية محضة متنائرة دون أن يكون بينها ترابط منطقي أو بناء عام . فهناك 
الحقيقة والمجاز » والمحكم والمتشابه » والمجمل وامبين . والظاهر والمؤول, دون أن يجمع 


(2)69 وهوما يظهر بالفعل عند عبد القادر الحيلٍ في كتابه «الإنسان الكامل » . 


104 


هذه الثنائيات اللفظية أي جامع بينها . أما لفظ « منطق اللغة » فإنه يشير الى إمكانية 
دراسة هذه القسمة كلها في منطق واحد باحثاً عن دلالتها ومعناها . فالحقيقة والمجاز 
يشيران الى موضوع التصوير الفني باعتباره أسلوب الوحي في الخطاب . والمحكم 
والمتشابه يشيران الى ثنائية المعنى للفظ الواحد . والظاهر والمؤول يشيران الى إمكانية فهم 
المعنى على مستويات مختلفة من العمق . والمجمل والمبين يشيران الى ثنائية المعنى مع 
اختيار أحدهما كأساس نظري للسلوك . والخاص والعام يشيران الى مبحث لفظي أو 
منطقي أو فلسفي دون أن يشيران الى موضوعهما وهو البعد الفردي داخل اللغة » وجود 
الانسان والجماعة , الأنا والآخرون داخل الخطاب . 

والثلث الأخير من علم أصول الفقه هو الأحكام . ولفظ « الأحكام » يفيد قضايا 
عقلية خاصة بالمنطق أو قانونية خاصة بالقضاء . ولا تشير إلا إلى هذه القضايا الصادرة 
إما لوجودها المنطقي أو لوجودها اللغوي وني بعض الأحيان الى تطبيقاتها الفعلية في حين 
أن هذا اللفظ في الأصول يفيد الفعل » ويشير الى « منطق السلوك » . فدراسة الأحكام 
باعتبارها منطقا للسلوك تثير كل معاني المنطق العمل . وتبرز موضواته الخاصة بالقصد 
والنية » والنظر والعمل . والباعث والمانع . . . الخ . وكذلك لفظأ و مقاصد 
الشارع » يفيدان مقاصد الوحي وهي المحافظة على الوجود الانسانٍ في شتى صوره . 
فالابتداء هي الحياة » والأفهام تشير الى العقل . والتكليف يشير الى الفعل . والامتثال 
يدل على الدعوة الى الحياة . وكذلك لفظاً « أحكام لرضع » لا يفيدان ولا يشيران الى 
شىء لأنه مصطلح يعبر عن وصف موضوعي يدان السلوك أو موقف معين للفعل . فهناك 
السبب وهي الارادة » والشرط وهي القدرة ‏ والمانع وهي العقبة أو الصعوبة » والعزيمة 
والرخصة وهما صورتا الفعل المطلق والنسبي أو المثالية والواقعي » وأخيراً الصحة 
والبطلان أي صدق الفعل أو كذبه من ناحية الموقف كله وعلى وجه المخصوص من ناحية 
النية(70) 

2 - من المعنى الضمني الى لفظ جديد : إذا كان الانتقال من لفظ جديد قائا 
أساساً على أن اللفظ التقليدي لا يعبر بما فيه الكفاية عن المعنى الكامن فيه ولا يشير 
بوضوح أو لا يشير تماما الى الموضوع المراد فإنه في بعض الأحيان يكون اللفظ التقليدي 
لفظأ سلبياً مطلقاً ومعيباً في ذاته » ولا يؤدي وظيفته إما في التعبير أو في الايصال . فيترك 
ماما ثم يعبر عن معناه الضمني بلفظ آخر جديد يكون أكثر قدرة على التعبير عن هذا المعنى 


(70) هذه هي نحليللات الشاطبي 5 كتايه الشهير ١‏ الموافقات » وهو آخر ما وضع في أصول الفقه من الناحية 
0 التجديدية . 


125 


الضمني وإيصاله . فمثلاً لفظا «الكفارة والحد» لفظان سلبيآن لانهما يشيران الى جزاء في 
حين أن الكفارة هو نوع من إعادة بناء شعور لفر بعد قيامه بفعل سلبي وأثر على نه 
ومعنوياته » فهو نوع من رد الاعتبار لكيان الفرد المثالي . ما الحد فهو إعادة بناء لشعور 
0 آخر لاثبات حسن النية . 
فالكفارة اعتراف من جانب الفرد بعمل سلبي وتأكيد هذا الاعتراف بعمل إيجابي . أما 
الحد فإنه باعث على كشف الموقف نفسه الذي قام فيه الفرد بعمل سلبي على نفسه وعلى 
الغير . فبعد تحليل المعنى والكشف عن المواضع التي يثيرها اللفظ التقليدي يمكن بعد 
ذلك اختيار أحسن الألفاظ التي يمكن بواسطتها التعبير عن التحليلات الجديدة 0 
لفظا المصلحة والمفسدة كأساس للشرع . فإنجلب المصلحة ودفع الضرر يخشى منها أن 
تفسر المصلحة والمفسدة تفسيراً نفعيا حضاً دون اعتبار للاساس النظري . ولذلك يمكن 
التعبير عن معنيهما بالايجاب والسلب . وبذلك يحصل المعنى على أكبر درجة من 
العمومية . وكذلك لفظا ١‏ الأمر والنبي » فإنه) يدلان على قوانين مفروضة في صيغة 
إفعل أو لا تفعل مع أن الموضوع هو تحليل الزمان كموطن للفعل وكمقام له ثم تحليل 
استمرار الفعل بتكراره . فيمكن إذن البحث عن لفظ جديد يتحاثى المعنى الذي يثيره 
اللفظ التقليدي والتعبير عن الموضوع نفسه . وأخير فألفاظ « أحكام التكليف 
الخمسة » ألفاظ سلبية لا تعبر عن معناها ولا توصله أ وأنها ألفاظ قانونية توحي بشىء 
مفروض من الخارج مثل واجب . وحرام . ومكروه . ومندوب , وحلال . مع أن هذه 
الألفاظ تشير إلى وضع الانسان في العالم وإلى المستويات الختلفة للسلوك التي تتدرج بين 
قطب موجب وهو الواجب وقطب سالب وهو الحرام . ما وسط القطبين فهو الحلال 
الذي يمحى فيه السالب والموجب والذي يفيد بأن شرعيةٍ 0 : وجودها الطبيعي . 
أما الواجب فيفيد فعلا ضرورياً | إيجابياً ٠‏ والحرام يفيد فعلا ضرورياً سلبيا . أما المندوب 
فهو وسط بين الواجب والحلال يفيد فعلاً مكنا إيجابيا . والمكروه فعل وسط بين الحرام 
والحلال يفيد فعا ممكناً سلبياً(؟7) . وفي أصول الدين نجد أن لفظي « ثواب وعقاب » 
لفظان سلبيان لأنما قائان على الجزاء والعقاب . فالثواب هو نتيجة إيجابية للفعل 
والعقاب نتيجة سلبية له . فخلود الفكر أو الفنان أو الشهيد عن طريق عمله هو ثوابه . 
وفناء الانسان العادي ونسيان الآخرين له وكأنه م يوجد وعقابه » ولذلك يحتاجح هذا 
المعنى إلى لفظ جديد يعبر عنه دون لفظي ثواب وعقاب . وكذلك لفظا « الدنيا 
والآخرة » لفظان سلبيان خاصة اللفظ الثاني لأنه لا يعبر عن شيء محسوس يمكن التحقق 
(71) أنظر الجزء الثالث عن الشعور الفعلي من رسالتنا ءوةع4:5:6 06180065 1.65 . وتأتي معظم أمثلتنا من 
علم أصول الفقه لأنه العلم الذي درسناه في فى أول حياتنا العلمية . 1 


126 


منه في الحياة العملية . فالدنيا هي الوجود الزماني للفرد والآخرة هي الوجود كحضور في 
شعور الآخرين . ومن ثم يحتاج هذا المعنى الى لفظين آخرين غير اللفظين التقليديين . 

3 من الشىء المشار إليه الى لفظ جديد : إذا كان الانتقال من لفظ تقليدي الى 
لفظ جديد سببه هو النقص النسبى في اللفظ التقليدي قى قدرته على التعبير عن المعنى 
وايصال الشىء المراد » وإذا كان الانتقال من المعنى الضمنى الى اللفظ الجديد سببه هو 
النتقص الكامل للفظ التقليدي في التعبير عن المعنى والاشارة الى الموضوع فإن هذا 
الطريق لثالث هو الانتقال من الشيء المشار الى لفظ جديد يبدأ من الشىء نفسه ثم يعبر 
عنه بلفظ تلقائى . وأنه من التجاوز أن يسمى هذا اللفظ جديداً لآن ليس له مقابلٍ 
تقليدي يعادله أو يوازيه بل نشأ نشأة تلقائية للتعبير عن ا موضوع والإشارة إليه . فمثلا 
ألفاظ مثل « صورة » « ومضمون ) « وموضوعية ) ؛ ألفاظ جديدة 3 بواسطتها 
التعبير عن اليكل العام لعلم أصول الفقه . فمغلا في دراسة «الأخبار» أي في تحليل 
منطق التاريخ ٠»‏ تدرس مناهج الرواية باعتبار أنها صور للشعور التاريخي . والمصادر 
الأربعة للشرع باعتبارها مضموناً له وأخيراً شروط الرواية والراوي باعتبارها موضوعية 
له . وكذلك الحال في منطق اللغة فإن الألفاظ تكون صورة للشعور العقلي . ومباحث 
العلة تكون مضمونا اله ثم شروط المفتى والمستفتى تكون موضوعيته . وي دراسة 
الاحكام يكون الفعل صورة للشعور العمل والقصد يكون مضموناً له ثم تحقق الوعي 
كنظقام مثالي للعالم يكون موضوعيته . وكذلك استعال لفظ ل ») للاشارة الى 
موضوع التواتر والاأحاد باعتبارها مناهج للنقل الشفاهي أو لفظ « قطب » للتعبير عن 
قطبي الشعور العملي الإيجابي والسلبي أو الواجب والحرام أو لفظ « مستوى » للاشارة 
الى الأحكام الخمسة باعتبارها مستويات مختلفة للسلوك . أو بناء نظري للاشارة الى 
الأسس العقلية التي يقوم عليها أي موضوع(22 . 

ويعبير لفظ « الانسان الكامل » عن علم التوحيد وعلم التصوف معاً . فمع أن 
علماء أصول الدين يتحدثون عن الله ذاته وصفاته وأفعاله فإنهم في الحقيقة يتحدثون عن 
الانسان الكامل . فكل ما وصفوه على أنه الله إن هو إلا انسان مكبر إلى أقصى حدوده . 
وكذلك الصوفية عندما عبروا عن ذلك بأنفسهم ووصفوا الانسان الكامل على أنه 
الإنسان المعتمد بالله20 . وتأتي معظم الألفاظ من اللغة العادية الشائعة تلقائيا بلا 
تكلف أو تعمد . وقد نشأ علم أصول الفقه نشأة تلقائية عندما استعمل الشافعي ألفاظ 
(22) هذه هي الأبعاد الثلاثة للشعور : الشعور التاريخي . والشعور العقلي . والشعور العملي ىا وضحت في 

رسالتنا المذكورة . 

(73 انظر كتاب عبد القادر الحيلٍ الممشار اليه من قبل « الانسان الكامل » . 


127 


العام والخاص . ونشأ علم أصول الدين ن؛ ة تلقائية بظهور ألفاظ التجسيم والتشبيه 
والتنزيه والجير والأفعال. والعقل والنقل . ا والوعيد .والحسن والقبيح . 
والويمان والعمل . والامامة والشورى والتعيين . 

د مخاطر واشتباهات 

ويثير منطق التجديد اللغوي عدة تحفظات لا في شرعيته بل في نتائجه ٠‏ وذلك 
لأنه قد يتعرض الى مخاطر حقيقية تجعله جرد عبث وتلاعب بالألفاظ لا يغير شيئاً وأهم 
هذه المخاطر هي : 

1 التعالم والحذلقة بالمفاهيم الجديدة دون فهم لمضمونها ودون تحقيق لمصادرها 
ودون معرفة عما إذا كان يمكن استخدامها بدلا من اللفظ التقليدي المعيب أو للتعبير عن 
المعنى الكامن للفظ التقليدي أو للاشارة الى الموضوع نفسه الغائب تماماً في الألفاظ 
والمصطلحات التقليدية . فالمتعالم أو المتحذلق ليس باحثا ولا مجحدداً بل مراهق فكري 
تستهويه بعض الألفاظ الجارية على الألسن خاصة في أجهرز زة الأعلام والمترجمات 
ويستعملها مدعياً الثقافة الحديئة أو التجديد للقديم . ويوهم العلم الحديث بالحرأة على 
القديم وهو لا يعلم هذا ولا ذاك ٠‏ ولكن يبخفف من هذه الخطورة أن القائم ا 
هو عام أمين لا يبغي حذلقة ولا يدعي علا بل أنه ذو شعور صادق يحلل تجاربه المعاصرة 
النتي يتحد فيها القديم والجديد معا ويعبر عنها في اللغة المتداولة » لغة العصر . ولا تظهر 
الحذلقة أو التعالم إلا في غياب العمل الرصين الحاد . 


2 التعصب المذهبي الذي يؤدي الى نوع من التعسف في عمليات التجديد 
اللغوي عن طريق اختيار نوع واحد من الألفاظ المغلقة للتعبير بها عن معنى واحد مما 
يشير اليه اللفظ التقليدي كي يطبع الفكر الجديد بطابع مذهبي خاص . وبذلك تفقد 
اللغة الجديدة مميزاتها الأساسية وهي أنها ألفاظ عامة وانسانية ومفتوحة » وتصبح ألفاظا 
خاصة بمذهب معين ومغلقة على فكر خاص وتصدق على ميدان معين . ويتم هذا عن 
نقص في الوعي بالقديم أو عن شك فيه أو عن إنكار له أو عن إيمان به على الاطلاق. 
والباحث من هذا النوع يكون غير قادر على التراث والتجديد لأنه لا يؤمن بالتراث ولا 
يقف منه موقفاً محايداً خالصاً على الأقل بل ولا تتوافر فيه شروط الباحث أي باحث لأنه 
بدأ بأفكار مسبقة ومواقف مبتسرة وهي إنتسابه الى مذهب فكري معين . كما أنه لا يؤمن 
بالتجديد. فالتجديد بالنسبة له هو استعارة الجديد وهو مذهب الفكر الذي ينتتسب 
اليه . والذي يخفف من هذا الخطر أن القائم بالتجديد لا ينتتسب الى مذهب فكري 
معين ولا عقيدة فلسفية خاصة بل هو الشعور المحايد يعي الأفكار كلها في وقت انضوت 


128 


نحت بناء فكري واحد كوجهات نظر متعددة لحقيقة واحدة أو كتفسيرات مختلفة لموضوع 
واحد . فحياد الشعور وشموله هما الضان *+ 

3 - سوء النية وهو تطرف في التعصب المذهبى الى أقصى حد . يكون الباحث 
على وعي بذلك . ويقوم به مع سبق الاصرار والتعمد . يعبر الباحث عن المعاني القديمة 
بألفاظ جديدة من مذهب آخر لتحويل التراث كله من طابع الى طابع آخر تعصباً أو 
هادماً التراث كله يريد حاقداً بيان سطحيته أو زيفه . الباحث هنا ليست لديه الشمجاعة 
الأدبية الكافية لرفض القديم وهو موقفه الشعوري والدعوة للجديد وهو موقفه المستتر 
تملقأ للجماهير أو خوفا من السلطة أو جرياً على العادة وعلى أسلوب العصر . إن لوى 
التراث بطريقة تعسفية لا يفيد شيئاً لأن التجديد على هذا النحو لن يكون مقروءاً لا من 
القدماء ولا من المحدثين 2 ويكون عملا متحجراً لا ينبت منه لأنه محتث الجذور ولا 
يزيد عن كونه هوامش حضارية ودوائر منعزلة لا أثر لما . ويكون الأثر كل الأثر للتراث 
القديم أو لتجديد التراث الذي يقوم على حسن النية . وهذه ليست فقط قيمة خلقية بل 
هي شرط أسامي للمعرفة وأساس للعلم . ويخفف من هذا الخطر أن الباحث يبدأ 
ترات كفيمة وبلتجديد كقيمة ومن ثم فهر لا يدافع عن قيمة ضد قيمة أخرى ولا 
يي عل التراث باسم التجديد أو يبقي على التجديد باسم التراث ولكنه يقوم بتجديد 
التراث أي ضم قيمة الى قيمة وإلا وقعت فيها نحن فيه الآن من محاولات للعقلنة من 

وهناك عدة اشتباهات أخرى تحوم حول منطق التجديد اللغوي وهي مخاطر 
محايدة يمكن تفاديها لو استطاع الباحث المجدد أن يحكم منطقه في التجديد اللغوى أي 
أنها اشتباهات تتبدد بقدرة الباحث وأصالته ووعيته واستعداده وثقافته ونوعيته . وأهم 
هذه الاشتباهات هى : 


1 الشذوذ اللغري ٠‏ وذلك لأن الألفاظ الجديدة قد ينتامها بعض الاستهجان إن 
م يحترس الباحث الحديد في اختيار الألفاظ الجديدة الشائعة والمتداولة . قد يكون اللفظ 
غريباً غير مألوف لكن مما يقلل من هذه الغرابة اللغوية تاي النقل السوتي للألفاظ من 
اللغات الأجنبية إلا ما هو شائع منها ومتداول وما تحول منها إلى ألفاظ معربة شائعة في 
الاستعمال . وذلك لأن العثور على ألفاظ جديدة إنما يتم بصورة تلقائية دون تعسف أو 
تكلف . وقد يوفق الباحث أو يتعثر . وقد نشأت الألفاظ التقليدية ذاتها نشأة تلقائية من 
الألفاظ الشائعة والمتداولة في البيئة الثقافية التقليدية . فإذا كان عيب اللفظ التقليدي هو 


عدم قذرته عل التعبير عن المعنى والاشارة الى ا موضوع المراد فإن عيب اللفظ المستهجن 


129 


هو عدم استساغته وصعوبة تحويله الى لغة عادية ضمن التراث اللغوي ى الطويل . وأهم 
شىء في اللفظ الجديد هو طواعيته للفكر وسهولته في الاستعمال وتعبيره عن المضمون 
النفسى للناس وللتراث . 
- الغموض وعدم الدقة » وذلك لأن التجديد اللغوي يتطلب معرفة تامة 
بالألفاظ الجديدة ومعانيها والموضوعات التي تشير اليها. وذلك لا يتأق لكثير من 
الباحثين لما يتطلبه من إطلاع ومعرفة تامة بثقافتين أو أو بأكثر . وهذا هو سب الغموض في 
التجديد اللغوي الذي يرجع أساساً الى غموض الباحث نفسه . يمكن الاقلال من هذا 
الاشتباه التام عن طريق التحليل المستمر للألفاظ . والعثور على منطق محكم للانتقال 
من لفظ الى لفظ أو من معنى الى لفظ أو من شيء الى لفظ . ىا يخفف من هذا الغموض 
حرية الباحث في عدم التقيد بأي معنى اصطلاحي للفظ واستعاله بالمعنى الشائع الذي 
يتبادر لذهن السامع لأول مرة » وإعطاء الألفاظ معاني العصر وهيٍ المعاني العرفية 7 
وهذا ما يحدث أيضا في تطور الحضارة وتغير معنى الألفاظ طبقاً للعصور وتبعا 
لاستعمالات المفكرين 
3 الأثر الخارجي » وذلك لأن كثيراً ما تثير الألفاظ الجديدة شبهة التأثر 
الخارجي . فكثير من الألفاظ الشائعة والمتداولة في الميكة الثقافية الحالية قد يكون 
مصدرها بيئات ثقافية أخرى خاصة البيئة الأوربية . ولكن نظراً لتداول هذه الألفاظ 
وشيوعها فقط أصبحت جزءاً من الثقافة الوطنية المعاصرة بل وتراثاً إنسانياً عاما لسعة 
انتشارها . فألفاظ التقدم » والانسان » والزمان » والفعل . والجماهير. والسلوك , 
والصراع . والطبقة . والتاريخ , » والتحرر» والشعب ٠‏ والعام الل | ٠‏ الخ 
سح خاصة بيئة ثقافية معية أو بجذهب فكرى أو سياسي معين بل لي ألفاظ تعير عن 
ثقافة العصر ومطالبه . كما تعبر عن روح العصر ؛ بالاضافة الى أنه نظرا لوجود الباحث 
على حافة عدة بيئات ثقافية ؛ وعلى وعي تام بالمستويات الثلاثة لكل بيئة : اللفظ والمعى 
والشيء » فإن التأثر لا يتعدى الاستعارة اللفظية » وهي ليست استعارة إرادية بل تطور 
طبيعي عندما يسقط اللفظ ويحل اللفظ الجديد مكانه لأنه أكثر قدرة على التعبير عن المعنى 
وإيصاله(*27 . وإذا كانت هناك بعض الآشارات الى تيارات العصر أو ما يظن أنه ثقافة 
أجنبية أو حضارة أخرى فهذا يحدث كموقف طبيعي لباحث ينتمي الى حضارته وفي 
عصر تغزوها حضارات أخرى . كانت حضاراتنا القديمة مفتوحة أيضاً على الحضارات 


(74) وذلك يفسر وجود بعض الالفاظ الأجنبية في القرآن ٠»‏ رومية وفارسية وعبرية وذلك لأنها أصبحت متداولة 
وشائعة في البيئة الثقافية ية العربية » فهو استعمال لتراث لغوي بيئي وليس لتراث لغوي أجنبي . 


13 0 


الأخرى . وبعد عصر الترحجمة استعملت لغة الثقافات المعاصرة ومذاهبها الفكرية 
كوسائل للتعبير . وهذا ما يحدث الآن من جديد بعد عصر الترجمة الثاني والغزو الثقافي 
لواقع علينا الآن منذ قرنين من الزمان . فسواء أراد الباحث أم لم يرد فإنه يستعمل لغة 
الثقافة المعاصرة كوسيلة للتعبير بعد أن أصبحت شائعة ومتداولة . وأصبحت جزءا من 
ثقافة العصر يعلمها الجميع . لقد حدث نفس الشيء في الفلسفة الاسلامية قديماً عندما 
كان فلاسفة المسلمين . الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم . ذوي ثقافين 
اسلامية ويونانية » وعبروا عن القديم بلغة الجديدٍ . وقاموا بعملية التراث والتجديد 
الى تتم الآن مرة ثانية مع ثقاة العصر وهي الثقافة الأوربية(2)72 . 

ولكن بالرغم من كل المخاطر والاشتباهات التي قد تحوط بمنطق التجديد اللغوي 
فإن له نتائج إيجابية حاسمة أهمها . 

1 التجديد . فبالرغم من أن حركات التجديد لم تتوقف سواء في الماضي أو في 
العصر الحديث إلا أنها كلها ما زالت نسنبية ولم تؤد الى نتائج حاسمة سواء على المستوى 
النظري أو في التطبيق العملى . واللغة من أسباب هذا الاخفاق . وذلك لأن لغة المجدد 
ما زالت إلهية . دينية » تاريخية » قانونية . مجردة. وما زالت اللغة التقليدية تستعمل 
للتعبير عن المعاني الضمنية مما يؤدي الى نقص في التعبير وفي الإيصال . لن تتحول 
حركات التجديد المعاصرة الى حركات جذرية إلا بتجديد اللغة . ولن يتحول الاصلاح 
الى ثورة إلا بالتخلى عن اللغة التقليدية ء والتعبير عن المضمون الموروث سواء في المعنى 
أو في الشيء المشار اليه بلغة جديدة تتوافر فيها شروط العصر ٠‏ وعلى رأسها لغة العلم 
التي يمكن للآخرين التعامل بها » وتحقيق ما نصبو اليه جميعاً من قيام حركات للتجديد . 
كلية شاملة » جذرية أصلية » تكوينية جادة » لا هدف الا لنقل حضارتنا من طور قديم 
ا 

الاتجاه الاساني نظرا الأن اللغة. الجديدة تتميز بأنها عامة ومفتوحة وإنسانية 
فإن هذه الخصائي تتأكد أيضاً في المعاني الكامنة في اللغة التقليدية وفي المواضع التي 
تشير اليها والتى يتم التعبير عنها باللغة الجديدة » فيظهر الجانب الانساني العام الذي هو 
صفة الوحي . ومحل قصده . إن اللغة التقليدية لن تكون قادرة على التعبير عن روح 
العصر العامة التى تتجاوز فيها الأفكار والأبنية الإجتاعية حدود الحضارات والأوطان , 
وأقصى ما تستطيعه اللغة الخاصة هو استعالها داخل الحضارة ولكن ليس خارجها . 
اللغة الجديدة هي الوحيدة القادرة على إيصال معاني الحضارة وأبنيتها الى خارجها.. فهي 


(75) هذا هو موضوع الجزء الثاني من « انراث والتجديد » عن « فلسفة الحضارة » . ( وهوالآن : من النقل الى 
الابداع ) . 


131 


الانسان قُْ ترائنا القديم 3 وتحقيق مطلينا لمعاصر من الدفاع عن الانسان والحرص على 
حياته وكرامته . 


الانتقال الى طور جديد من أطوار الحضارة » وذلك لأن هدف ومنطق 
التجديد اللغوي هو نقل الحضارة كلها من طور الى طور وذلك بالعثور على المعاني 
الكامنة في اللغة التقليدية والأبنية المثالية المشار اليها » والتعبير عنها بلغة العصر التي 
تقدمها البيئة الثقافية ا حالية . وبذلك تأخذ الحضارة طوراً جديداً . ونسير على سنتها 
منذ نشأتها . وقد تطورت الحضارات الانسانية » وانتقلت من طور الى آخر بفعل منطق 
التجديد اللغوي . فإذا كان اكتشاف العلم وحده مرهوناً بنشأة اللغة فإن تاريخ 
الإنسانية كله مرهون بتجديد اللغة . وبالتالي نكون قد حققنا مسئوليتنا القومية تجاه 
الحضارة التي تشمل القديم والجديد معا » ويكون المحدثون بذلك ليسوا بأقل إثباتا 
لمسؤولياتهم القومية من القدماء . 


2 إكتشاف مستويات حديثة للتحليل - ( الشعور ) 

ويمكن نجديد الموروث القديم عن طريق كشف مستويات حديفة للتحليل م 
زالت مطوية فيه . هناك مستويات عامة مشتركة بين العلوم الموروثة يمكن الكشف عنها 
وهي في نفس الوقت إحدى مقتضيات العصر . فإذا كان منطق التجديد اللغوي قد أعطى 
لنا قدرة هائلة على التعبير عن المعاني والأبنية المثالية الموروثة ثة المغلقة باللغة القليدية فإن 
المستويات الحديثة للتحليل تعطينا ميداناً خصباً تظهر فيه خصوبة التراث . وأعني 
بمستوى التحليل المنظور الذي ينظر منه الى تراث . وهذا لا يتم إلا برؤيا معاصرة له . 
فالتراث يمكن قراءته بمنظورات عدة كلها ممكنة . والتجديد هو إعادة قراءة التراث 
بمنظور العصر . ليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة أو أن القراءات 
المستقبلية له غير واردة » بل كلها صحيحة . ولكن الخطأ هو قراءة التراث من 

المعاصرين بمنظور غير عصري . هنا يكمن الخطأ .» خطأ عدم المعاصرة . 
وأهم هذه المستويات هو الشعور . والشعور مستوى أخص من الانسان . وأهم 
من العقل » وأدق من القلب . وأكثر حيادا من الوعي » يكشف عن مستوى حديث 
للتحليل موجود ضمناً داخل العلوم التقليدية نفسها . ولكن نظراً لظروف نشآتها لم 
يوضع في مكان ا الواجبة , ولك ينهم غسماً ‏ ويقرا فيا 
بين السطور . أن تراثنا القديم يغفل البعد الانساني لأن الانسان كان موجودا 
بالفعل : وهو حامل عامل الوحي ؛ وصانع الحضارة . وفاتح البلاد . ولكن التنزيه هو الذى 


132 


كان موضع الخطر من الداخل واتجاهات التأليه والتجسيم والتشبيه أو من الخارج من 
الوثنية والشرك وتعدد الآلهة . يظهر ا موضوع في الحضارة عندما يغيب في لع 5 
ويغيب في الحضارة عندما يوجد في الواقع . لم يظهر الانسان واضحا في الحضارة كبعد 
مستقل كالالميات 1 الطبيعيات لأن الانسان كان موجوداً بالفعل . ومع ذلك فنجد أن 
الانسان وبوجه أخص الشعور موجود ولكنه متخفياً وراء الامهيات وداخمل العلوم 
التقليدية . 


يظهر الشعور في البناء الثلاثي لعلم أصول الفقه . في الأخبار. والمبادىء 
اللغوية . والأحكام . فتحليل الأخبار هو أساسا تحليل لشعور الراوي ٠»‏ وكيفية قيامه 

بمهمة النقل التاريخي للمأثورات الشفاهية . بل إن مناهج النقل التاريخي . التواتر 
والآحاد ؛ الخاصة بالسند قائمة أساسا على مبدأ وجود الراوي » ومدى صلته بالرواة 
الآخرين » وما يعيب المتن من زيادة أو نقصان خاضع لذاكرة الراوي . وصحة الراوية 
مرهونة بتطابق السمع والحفظ والأداء ٠‏ وهي مظاهر الشعور الحسية وصلته بالعالم 
الخارجي . وصحة النقل كلها مرهونة بشعور الراوي وموضوعيته وحياده والني نحددها 
العقل والبلوغ والعدالة والضبط والاعتقاد ٠‏ وهي كلها أحوال لشعور الراوي . 
الممادىء اللغوية فهي تقوم أيضاً على تحليل شعور المجتهد باعتباره شعوراً 0000 
فالحقيقة والمجاز يشيران الى بعد الصورة الذهنية وهو بعد شعوري . والظاهر والمؤول 
يشيران الى بعد شعوري وهي مستويات العمق في التحليل . وتحليلات العلة 
وأقسامها المختلفة إن هي إلا نحليلات للعمليات المنطقية التي تدور داخل شعور 
المجتهد . وأخيراً تكشف الأحكام أيضاً عن شعور المكلف الذي يوجه الفعل كسلوك 
وقصل ونية . كا يبدو الوحي كله وكأنه تحليل لشعور الشار وأنه قائم على مقاصد 
الحياة الكلية وكأن الشارع هو شعور عام يخاطب شعورا فردي هو شعور المكلف . 
فالشعور إذن مستوى خصب لتحليل المادة الأصولية ولو أنه متخف وراء المادة 
التقليدية . بل إن مادة الأصول وهى الأمثلة الفقهية لا تتعدى كونها مواقف إنسانية 
خالصة تظهر في مشكلات الفرد والجماعة . فهى ليست فروضاً نظرية يجردة ولو أن 
البعض منها كذلك . كما أنها ليست أشياء طبيعية مصمتة بل هى مواقف حية تحدث في 
الحياة اليومية. والإشكال الفقهي في النباية هو أزمة شعورية تحدث للفرد أو للجاعة . 
والحل الفقهي إن هو إلا خل لهذه الأزمة وعلاقة المفتي بالمستفتى هي أيضاً في نهاية الأمر 
علاقة شعور بشعور آخر(* 2 . 


,226 وقد فمنا بالكشف عن أبعاد الشعور الثلاثة قْ رسالتنا الأولى عن ١‏ مناهج التفسير» 112120010165 165 
عونغع 6ه ”ل 


133 


ويظهر الشعور في علم أصول الدين . إذ يكفي تحليل الأصول الخمسة لدى المعتزلة 
والتي تحدد معظم مسائل العلم لرؤية الشعور في كل أصل . فالتوحيد عندما يتحدد 
بعلاقة الذات بالصفات والأفعال . هوي الحقيقة وصف للانسان الكامل أو الانسان كما 
ينبغي أن يكون . ولن نفهم حقيقة القسمة الى ذات وصفات وأفعال إلا بالرجوع الى 
الى الذات الانساني وصفاته وأفعاله . وفي العدل يظهر شعور الانسان على أنه شعور حر 
ف أفعاله الداخلية . أفعال الايمان والعلم » أو أفعاله الخارجية . أفعال الجوارح . وفي 
الحسن والقبح يظهر الشعور العاقل وقدرة الانسان على التمييز بين الخطأ والصواب في 
الأفعال . وفي المنزلة بين المنزلتين يظهر الشعور على أنه أساس لفعل . ويظهر في جانبيه 
النظر والعمل أو النية والفعل . وفي الأمر بالمعروف والنبي عن المنكر يظهر الشعور على 
أنه الحارس المتيقظ لسلوك الآخرين وللبناء المثالي للواقع . بل إن المشاكل الطبيعية ذاتها 
لا يمكن فهمها إلا برفعها الى مستوى الشعور حيث أنها عدة إسقاطات من الشعور على 
الطبيعة . ومسائل المعاد كلها وصورها الذهنية ترجعنا آلى الشعور من حيث هو تصوير 
لهاية العالم من أجل التأثير فيه . والنبوة تفترض أساساً وجود الشعور . الشعور العام 
المعطى للوحي ؛ والشعور الخاص المستقبل الذي يأخذ الوحي ثم يسلمه بدوره الى 
شعور آخر . ومسائل الامامة هي أيضاً في نباية الأمر وصف لشعور الحاكم وشعور 
المحكومين والعلاقة بينها . وتاريخ الفرق كله والحكم عليها بالايمان أو الكفر هو وصف 
للشعور المثالي المتزن ثم ميوله واتجاهاته عندما يرتكز الشعور على جانب دون آخر. فادة 
أصول الدين لن تحيا وتجد دلالتها إلا إذا تحولت الى مادة شعورية وإلا إذا رجعت إلى 
أصلها في الشعور(” 2 . 

ويظهر الشعور في الفلسفة في نشأتها منذ عصر الترجمة حيث يقوم المترجم بفهم 
العبارة الأجنبية ويحاول أن يجد لما مقابلا في لغته الخاصة ثم عند الشارح الذي يقوم 


(77) لذلك سمينا الفصل الأول « ذات الانسان » والثاني و صفات الانسان » والثالث و فعل الإنسان » الرابع 
وعقل الانسان » والخامس « وحي الانسان » والسادس « مستقبل الانسان » والسابع وعمل الانسان» 
والثامن « مجتمع الانسان » والتاسع « تاريخ الانسان » والعاشر « الانسان » للدلالة على البعد الانساني في 
علم أصول الدين لكشف أبعاد الشعور . ( أصبحت عناوين الفصول في « من العقيدة الى الثورة » كالآتي : 
المجلد الثاني : التوحيد ( الانسان الكامل ) ويشمل الفصل الخامس : الوعي الخالص ( الذات ) » الفصل 
السادس : الوعي المتعين ( الصفات ) . المجلد الثالث : العدل ( الانسان المتعين ) . ويشمل الفصل 
السابع : خلق الأفعال. الفصل الثامن : العقل الغائي ( الحسن والقبح ) . المجلد الرابع : التاريخ 
العام . ويشمل الفصل التاسع : قصور الوحي ( النبوة ) ؛ الفصل العاشر : مستقبل الانسانية ( المعاد ) . 
المجلد الخامس : التاريخ المتعين . ويشمل الفصل الحادي عشر : النظر والعمل ( الأسماء والأحكام , 
الفصل الثاني عشر : الحكم والثورة ( الامامة ) ) . 


134 


باحتواء الفكرة الدخيلة ووضعها داخل قوالب حضارته الخاصة ثم عند الفيلسوف ذاته 
الذي يقوم بعملية الاحتواء الحضاري كلها » ويستعير لغة الحضارة المعروفة حديثاً 
للتعبير ها عن معانيها الأولية التي على قوامها نشأت حضارته . هذه العمليات كلها 
تحدث في الشعور , في شعور الترجم أوفي شعور الشارح 1 ومع أن قسمة الفلسفة الى 
منطق وطبيعيات والهيات قسمة لا يظهر فيها الانسان أو بعد الشعور ظهورا واضحاً إلا 
أن المنطق ذاته أحد جوانب الشعور ولو أنه منطق صوري معياري يضع قواعد للذهن 
تعصمه من الخطأ . أما الطبيعيات فإنها تشخيص للطبيعة يمكن رؤية الشعور المسقط 
عليها بسهولة في ترتيب عناصر الطبيعة ترتيباً تصاعدياً أو تنازلياً حسب مراتب الشرف 
والكال . والالهيات ذات تعبير عن إحساس الإنسان بالكمال وتشخيصه هذا الكهال 5 
الموجود الأول وصفاته المطلقة . ولكن إخوان الصفا زادوا قسم النفسيات لتعلن صراحة 
عن عام النفس . وهو عالم الشعور باللغة . والنص الديني نفسه أصبح عند الفلاسفة 
بعداً للشعور بتأويله كصورة فنية مهمتها الايحاء والتأثير في النفوس 

وقد ظهر الشعور بصورة واضحة للعيان في التصوف . بل إن التصوف إن شئنا 
هو علم الشعور كما يبدو من علوم الأخلاق والنفس والفلسفة التي تتخلل مراحل 
الطريق الصوفي . فتصفية النفس . والتشبه بصفات الكال » والتوبة » والخوف . 
والحزن . والبكاء كلها أفعال للشعور . وأحوال النفس وما يعتري النفس من قبض 
وبسط ,» خوف ورجاء » صحو وسكر . غيبة وحضور . وجد وفقد . قرب وبعد , 
بقاء وفناء » كلها أحوال شعورية خالصة حتى يصل الصوفي في النهاية الى وحدة الذات 
أو وحدة الشهود أو وحدة الوجود » وهى أيضاً حالات شعورية ناتجة عن اتحاد صاحب 
الدعوة برسالته واتحاده بالحقيقة . كا أن علاقة الشيخ بالمريد علاقة شعور بشعور 
وتراسل بين الذوات . ومعرفة الصوفية معرفة شعور من شعور . وسعادته اتحاد شعور 


03 


بشعور . 
ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور. أما في الشعور العام الشامل وهو 
ذات الله أو في الشعور المرسل اليه والمعلن فيه .» وهو شعور الرسول أو شعور التلقي 
للرسالة ٠‏ وهو شعور الانسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي 
الوحي مصدقاً لا طلب . الوحي ذاته جموعة من الآيات نزلت إبان ثلاثة وصثرين 
عاماً . كل آية أو كل مجموعة من الآيات تمثل حلا لموقف معين في الحياة اليومية لفرد أو 
لجماعة من الأفراد . نصوص الوحي ليست كتاباً أنزل مرة واحدة مفروضاً من عقل الي 
ليتقبله جميع البشر ء بل مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية الي تزخر بها حياة 
الفرد والجماعة . وكثير من هذه الحلول قد تغيرت وتبدلت حسب التجربة على مقدار 
الانسان وقدرته على التحمل . وكثير من الحلول لم تكن كذلك في بادىء الأمر معطاة من 


135 


الوحي بل كانت مقترحات من الفرد أو الجماعة ثم أيدها الوحي وفرضها. وهذ 
الخاصية توجد في الوحي في آخر مراحله وهو الوحي الاسلامي . فهو ليس عطاء من 
الوحي بقدر ما هو فرض من الواقع وتأييد الوحي له . وهذا هو معنى « أسباب 
النزول » . 

وما ينطبق على الكتاب ينطبق على السنة . فالسنة مجموعة من المواقف الانسانية 
يعمل فيها شعور النبي . ويقوم بدور المشرع للواقع إما بناء على الوحي الأول أو بناء 
على وحي جديد أو على الفهم التلقائي للنبي لهذا الواقع . وقد كان النبي قبل نزول 
الوحي وبعده يعيش ويتأزم ٠.‏ ويفرح ويتام أ وينتتظرء. فكانت له تجارب 
شعورية, وكان الوحي الذي ينتظره ه ثم يأتيه تفريجاً عن هم أو حلاً لاشكال أي أن علاقة 
النبي بالوحي كانت علاقة شعورية وعلاقتنا نحن بالنبي علاقة شعورية أيضاً باتخاذنا إياه 
قدوة حسنة ومثالاً للسلوك . 

وما ينطبق على الكتاب والسنة ينطبق عرٍ, الاجماع والاجتهاد . فالاجتاع تجربة 
مشتركة تتم في شعو الجماعة .» ويصدر الحكم نتيجة لعديد من العمليات الشعورية 
يتدخل فيها نص الوحي من الكتاب والسنة كعامل كما تتدخل فيها التجربة المشتركة 
والواقع المشكل كطرف آخر . والاجتهاد أيضاً عمل شعوري خالص يقوم به المجتهد 
ابتداء من فهمه لنصوص الوحي في الكتاب والسنة وعمله بالتجارب المشتركة السابقة 
ورؤيته للواقع المشكل رؤية مباشرة لمعرفة طريقة تغييره الى واقع مثالي مطابق للوحي . 
فالمبج الأصولي إذن كله بأدلته الأربعة منبج شعوري كا أن المنبج الصوفي منبج 
شعوري . وعلم الكلام علم شعوري . وعلوم الحكمة علوم شعورية . والشعور هو 
وصف حقيقي للمعرفة وللوجود إجابة على سؤالي : كيف يحصل الانسان على معرفة 
ركيف يعيش الوجود ؟ لا شيء في العالم الخارجي يمكن إدراكه ومعرفته إلا من خلال 
الشعور . والتصورات لا تفكر بل تعمل من خلال الشعور . والاشياء لا تعني إلا من 
خلال الشعور . فالشعور هو موطن المعرفة والوجود معاً لأنه هو ذاته معرفة ووجود . 
فهو الذات العارفة وهو الوجود الانساني في آن واحد . نحن ما نشعر به » والعالم هو ما 
نشعر به » وعلمنا نتيجة لشعورنا بالعالم » ووجودنا ووجود العالم هو ما نشعر به . 
فالبداية بالشعور بداية يقينية لا تسبقها بداية أخرى . 

والشعور أيضاً مطلب من مطالب العصر . وكثيراً ما نجد في أدبنا المعاصر دعوة 
الى الاحساس بما يدور حولنا » ونداء لليقظة الداخلية وخطاباً موجهاً مباشرة الى 
شعورنا . يقظة الشعور هو هدف المصلح . وغاية المجدد . أمل الفكر . وبغية التأثر , 
وهو أن يعي الإنسان موقفه في الحياة حتى يشعر بذاته وبما حوله وبأبنية الواقع التي هو 
غارق ذيها » ومدى بعدها عن الأبنية المثالية في الوحي . وعندما نعاني أزماتنا وهزائمنا 


136 


وانتصاراتنا فإننا نعانيها بالشعور . وعندما نحس بالمرارة والألم والعار والتسول فَإِمما 
نحسها بالشعور . وعندما يحاول الطاغية استعباد الناس يلهيهم ويبعدهم عن دائرة 
الشعور . فالفقر هو شعور بالفقر. والاحتلال شعو بالاحتلال وإلا لما ثار الناس ضد 
الفقر ولما حاولوا تحرير أراضيهم . كذلك كثرت في آدبنا المعاصر تحليلات الشعور 
ووصف ما يعتري في نفوس الناس من تمزق وحيرة وألم وضياع . 
والشعور أيضاً جزء من بيئتنا الثقافية المعاصرة التي انطبعت بطابع الثقافات 
الملاصقة وأصبح موضوعاً شائعاً . لقد استطاعت الحضارة الأوربية بعد نضال دام أكر 
من أربعة قرون إثبات الانسان والشعور الانساني كنقطة بدء يقينية ليس قبلها شيء ‏ 
وكل شيء بسدها يكون من خلالها . وهذا هو معنى الكوجيتو الديكارتي واستمرار 
النضال باسم الشعور حتى تأكد مرة ثانية في القصدية عند هوسرل . وبعد عصر الترجمة 
الثاني الذي بدأ لدينا منذ قرين أصبحت لغة الشعور متداولة وصار , بعد الشعور شائعاً 
فالشعور وارد من التراث والتجديد على السواء . لغة الشعور لغة شائعة ومعروفة 
وموجودة في المخزون النفسبي عند المثقفين المعاصرين كما كانت ألفاظ السندس 
والاستبرق ومفاهيم الله والرحمن شائعة في المخزون النفسي في الشعور العربي القديم . 
3 - تغيير البيئة الثقافية 
وواقع البيئة الثقافية مستوى ثالث للتحليل . وذلك لأن العلوم التقليدية نشأت 
ىْ واقع معين له ظروفه وملابساته , وثقافته أدت الى نوع معين من المادة العلمية التي 
تعكس تامأ المشاكل التي تعرضها هذه الظروف والملابسات . نشأت العلوم التقليدية 
من واقع الحضارة القديمة وعلى مستواها الثقافي وفي واقعها التاريخي . وهذا الواقع حدد 
كل العلم ؛ ماهيته . ومناهجه . ونتائجه . ولغته . فالعلوم القديمة مهذا المعو 
تلو 0ك تثبتت مرة واحدة وإلى الأبد بل هي علوم نسبية حاولت التعبير عن 
الوحي في إطار نوعية الثقافة الموجودة في العصر القديم . هناك إذن فرق بين العلم 
ومادته . فالعلم بناء عقلي قد يعرض في مادة معينة أو غيرها في حين أن المادة تعطيها 
البيئة الثقافية المحددة في الزمان. والمكان . البناء لا يتغير ولكن المادة تتغير . وهذا ما 
حاوله الفلاسفة المسلمون في شروحهم على أرسطو خاصة ابن رشد وذلك بالابقاء على 
بناء العلم العقلي ثم إسقاط المادة اليونانية واستبدال مادة إسلامية مها . وهذا أيضا ما 
فعله الفقهاء وشارح المنطق بإسقاط الأمثلة اليونانية واستبدال أمثلة من الكتاب والسنة 
سها(79) 


(78) أنظر ابن رشد شرح الخطابة وأيضاً ابن حزم : التقريب الى حد المنطق . 


137 


فمثلاً يغلب على الفقه القديم طابع العبادات ولا تأتي المعاملات الا في الدرجة 
الثانية » وذلك لأن العبادات كانت تكوّن سلوكاً جديدا للناس وكانت أهميتها أنها تعطي 
للناس سلوكاً شرعياً في حين أن المعاملات كانت موجهة بالوحي . ولم تكن هناك حاجة 
ماسة لتفضيل المعاملات أو لاعطائها الأولوية على العبادات » ولكن الواقع الآن قد 
تغير» والظروف قد اختلفت . فالعبادات لدينا قائمة بل ومسيطرة ومهيمنة » ولكن 
المعاملات هي الضائعة المنزوية . فتجديد الفقه القديم محدث بإعطاء الأولوية 
للمعاملات على العبادات لأن المعاملات هى موطن الأزمة » وقد يكون هذا أقرب الى 
روح الوحي الذي فيه المعاملات عبادة » وبذلك نقضي على التصور الموروث للعبادة 
على أما مجرد التوجه نحو المعبود بالشكر والثناء ”2 . وعلى نفس النحر. كانت 
للعلاقات الشخصية في الفقه القديم » أحكام الزواج والطلاق والمواريث . . . الخ 
الأولوية على العلاقات العامة التي تشملعلاقات ال حاكم بالمحكوم . وروجنا لهذه المادة في 
عصرنا الحاضر بعد ضمور التشريع واقتصاره على الأحوال الشخصية ما دام المعاصرون 
قد قبلوا الاوضاع الحالية واستسلموا للحكام » وحددوا علاقاتهم معهم على أسس 
الطاعة والولاء أو التبرير والنفاق والا فالسجن والعذاب . في حين أننا في العصر الحاضر 
فق حاجة الى تغيير المادة الفقهية القديمة وإعطاء الأولوية لعلاقات الحكام بالمحكومين على 
علاقتهم الشخصية » فمأساتنا هي في نظم الحكم وليست في نظام الأسرة . ومشاكل 
الأسرة من طلاق وتربية للأطفال . ليست مشاكل فردية ترجع إلى أخلاق الناس بقدر ما 
هي مشاكل اجتاعية يحددها وضع الأسرة الطبقيى ودخلها ومهنتها وطبيعة النظام 
السياسي الذي تعيش فيه . وعلى نفس النحو إذا كان الجدل قد تم في العصر القديم بين 
أهل الآثر في الحجاز وأهل الرأي في العراق » وكثرت الأمثلة الفقهية المفترضة ابتداء من 
النص أو من الرأي دون أن يكون لها أدن وجود في الواقع مثل : ما حكم بيضة خرجت 
من دجاجة يعد أن جامعها رجل هل يجوز أكلها أم لا ؟ ما حكم امرأة أقسم بعلها أنها 
طالق لو جامعها في هذا الثوب أولم يجامعها في هذا الثوب ؟ ما حكم وصية كتبها رجل 
وهو بين أنياب الأسد ؟ هذه الأمثلة الفقهية الافتراضية حدثت من ارتياح الناس 
لمعاشهم وشغل أوقاتهم بالواقع الافتراضي الخالص حتى يظهروا عبقرياتهم في صياغة 
الحلول . أما الأن فواقعنا متأزم اللى درجه الاختناق » وحيائنا ذل وعار من الاحتلال. 
ووجودنا كله مهدد بالفناء » والأرض ضائعة » والناس سكرى باللهو » ومنتشية بالغناء 


9) سيكون موضوع الفقه والأصول موضوع الجزء الشالث من القسم الأول من «التراث والتجديد » . 
( موضوع الشالث التصوف « من الفناء الى البقاء » . وموضوع الرابع أصول الفقه « من النص الى 
الواقع » . أما الفقه فهو من العلوم النقلية التي سيعاد بناؤها من النقل الى العقل ) . 


138 


والرقص . والرح تضمر » والنباية تقترب . فادة التشريع المعاصرة مادة موجودة 
بالفعل » ومادة ملحة لأنها تنبع من واقعنا وحياتنا ووجودنا . وإذا كان الفقهاء قديما قد 
اختلفوا وتصارعوا في حكم الصلاة في الدار المغصوبة فمن منا يذهب الى الصلاة في 
فلسطين ؟ ومن منا يعبر القناة أو الأردن للصلاة في القدس ؟ نداء الصلاة يشنف الآذان 
والدار مغصوبة . 
وي علم أصول الدين كانت المشكلة القديمة هي مشكلة التوحيد ضد أخطاء 
التأليه والتجسيم والتشبيه والشرك وتعدد الآلهة . ومن ثم ظهر التوحيد القديم في هذه 
' المادة » وتشبعت الأسئلة عن اليد » والعين . والوجهء. والصعود. والنزول . 
والاستواء » ولكنهم كانوا منتصرين على الأرض » وكانوا فاتحين للبلاد » محررين لسائر 
الجماعات البشرية فكرا ونظيأ . أما الآن فالوضع يختلف . فالتوحيد كتنزيه ليس في خطر 
بل يعلم الناس كلهم اليوم أن المعبود ليس كمثله شبيء. وهو منزه من صفات البشر . 
ولكن الأرض هي الضائعة » والناس مهزومة . والجماعة تتهاوى » والنظم تتساقط . 
والروح مستذلة ومستعبدة ومن ثم يمكن لادة التوحيد أن تتغير . فالمادة القديمة مرتبطة 
بعصرها » ومادتنا مرتبطة بعصرنا » وكيف يستمر قيام على التوحيد على المادة القديمة ؟ 
ومن ثم فتوحيدنا هو لاهوت الأرض . ولاهوت الثورة » ولاهوت التحرر . ولاهوت 
التنمية » وللاهوت التقدم » كما هو الحال في عديد من الثقافات المعاصرة في البلاد النامية 
التي نحن جزء منها( © . 
وكذلك مشكلة خلق القرآن . كان القرآن قدياً حياً في قلوب الناس ومطبقاً في 
الواقع » وكان من ترف العقول البحث في الصلة بين القرآن ومصدره . ثم دخلت 
الشكلة كجزء من التوحيد الذي كان معرضاً للخطورة في ذلك الوقت . ولم يدخل 
كطرف مع الواقع لأن الواقع القديم لم يكن مشكلا بل كان قائاً موجوداً صلباً . أما 
الآن فهذه المادة كلها لا دلالة لما لأن التنزيه ليس معرضاً للخطر ‏ ولكن موطن الخطر 
هو الواقع المهاجم ٠‏ ومن ثم فالمادة الحالية هي صلة النص بالواقع . وللن له 
1 : هل نفهم بالنص أم يفهم النص بالواقع ؟ وهل يمكن 0 المباشر 
للواقع دون نص ؟ وهل يمكن اد يوجد نص بدون واققع 396 وحتى إذا عرض 
القدسء للصلة بين النقل والمقل ؛ وهو وضع أفضل لسألة النص من مشكلة خلق 


81 أنظر الفصل الأول «ذات الانسان » والفصل الثاني « صفات الإنسان » . ( الفصل الخامس : الوعي 


الخاص . والفصل السادس : الوعي المتعين ) . 
(82) أنطر مقالاتنا الثلاث : هل لدينا نظرية في التفسير ؟ أيهما أسبق نظرية في التفسير أم منبج في تحليل 


الخبرات ؟ عود الى المنبع أم عود الى الطبيعة » قضايا معاصرة ج 1 ص 165 176 . 


139 


القرآن » فإن أقصى ما يمكن قوله هو أن العقل أساس للنقل . وحتى في هذه الحالة 
يغيب الواقع وهو أزماتنا المعاصرة » ويكون السؤال عقل من ؟ عقل الغني أم عقل 
الفقير؟ عقل المضطهد أم عقل المضطهّد ؟ ويفرض الواقع الاجتماعي نفسه على 
الملدة القديمة3*» . ويمكن أن نقول نفس الشىء في مشكلة خلق الأفعال . فحرية 
الانسان ومسؤوليته عن أفعاله نازعها المعبود في المادة القديمة وأصبحت المشكلة الكبرى 
أيهها حر : الإنسان أم الله ؟ كان هذا طبيعياً في عصر يود تأسيس التوحيد ضد 2 
القديمة من الدهرية خاصة ولكن الآن ليست الحرية في خطر من المعبود الإلهي إلا 
الؤيمان بالقضاء والقدر. ولكنها في خطر من المعبود السياسي أي من الحكام 7 
معبودو اليوم ؛ وفي خطر من الأنظمة الاجتاعية التي تقوم أساسا على إلغاء حرية البشر 
أو على افتراض أن البشر لا وجود هم على الاطلاق**» . ولما كانت المادة الكلامية 
القديمة قد تناولت الطبيعة أيضاً من حيث صلتها بالمعبود الالمي . هل الطبيعة عاصية 
عليه أم طيعة له ؟ هل القوانين الطبيعية منتقلة بذاتها أم معتمدة عليه يمكنها أن تتوقف 
لتسمح له التدخل والفعل فيها ؟ فإنها قد تكونت لتعير عن نفس القضية وتدرأ نفس 
المخاطر التي كانت تهدد التوحيد القديم وأفكار العناية الالهية وفعله في الكون . ولكن 
الآن هذه المخاطر قد تبددت بل إننا نواجه المخاطر المضادة » وهي عدم الاعتراف 
بالطبيعة على الاطلاق وإنكار استقلالها وجعلها خاضعة لسلطان أعظم يفعل بها ما 

. وكثيراً ما يكون السلطان هو الحاكم . وتقدس السلطة السياسية ذلك إمعاناً 5 
تشبيت د عائم الاستبداد . ويغذي الوذ.ع السياسي الفكرة الدينية كا تثبت الفكرة 
الدينية الوضع السياسي القائم . 

وتكثر في الفلسفة الأمثلة على أن مادة الفلسفة القديمة لم تعد صالحة للعصر 
الحاضر لارتباطها بظروف العصر الماضي . فمثلاً نظرية العقول العشرة التي تدير 
الافلاك العشرة . ونظرية العقل الفعال الذي يدبر فلك الأرض . والحاوي لكل أنواع 
المعارف والعلوم ٠‏ والواهب لكل .الصور والمعقولاتٍ » وقسمة العالم الى ما فوق القمر 
وما تحت القمر. وتحديد كل شيء في هذا العالم طبقاً لحركات الأفلاك واعتبار الأفلاك 
كائنات حية مششخصة وعاقلة .» مدركة وحاسة . تقدر مصائر الناس ومظاهر الطبيعة . 
كل ما يتعلق بالفيض والصدور . كل ذلك أدخل في علم الفلك القديم وفي الأساطير 
القديمة استعملها الفلاسفة القدماء للتعبير من خلالها عن التوحيد الذي هو الموجود 
الأول الذي لا يحتاج في وجوده الى غيره » والذي هو علم وحياة وقدرة وحكمة وعظمة 


(83) أنظر الفصل الرابع « عقل الانسان » ( الفصل الثامن : الفعل الغائي ) 
(84) أنظر الفصا, الثالث  «١‏ فعل الانسان »( الفصل السابع : خلق الأفعال) . 


140 


وجلالة . أما الآن فهذه المادة لم تعد بذات دلالة . فالافلاك موضوع لعلم الفلك . 
والطبيعة موضوع لعلم الطبيعة » والعقل والنفس موضوعات لعلم النفس . والتوحيد 
ذاته موضوع لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية 
واجتتماعية معينة اضطهادا أو غلبة 
إن الخطر علينا الآن هو الخرافة والاسطورة والخلط بين المستويات ٠‏ وبيئتنا 

الثقافية الحالية حبلى بالمذاهب والتيارات الفلسفية والسياسية والاقتصادية والفنية 
والقانونية والخلقية من الحضارات المجاورة . فادتنا الحالية يمكن أن تنشأ بتحديد موقفنا 
الحضاري بالنسبة للثقافات الغازية ى) حدد القدماء موقفهم الحضاري بالنسبة للثقافات 
القديمة670» . وبالاضافة الى ذلك فإن مادة الفلسفة مليئة بالاشراقيات . وأن الانسان 
ليس حساً فقط أو عقلاً فقط بل هو أكثر من ذلك عنين وبصيرة وحدس . والهام 
وكشف . ونبوة ووحي . وقد كان ذلك طبيعيا في ثقافة قدية يغلب عليها العقل . و 
تتعود على نبوة. فكان طبيعياً أن يقابل المسلمون العقل المطلق بالعقل الملحق بالنبوة, 
ويعادلوا الفلسفة بالتصوف ٠‏ كا وضح ذلك في الفلسفات الاشراقية . ولكننا الآن 
نعاني من الاشراقيات . ونقاسى من الخرافة : ونتخبط لغياب العقل ونقص التنظيرء ولا 
أحد منا يضع النبوة وصع الشك . ومن ثم فالمادة المعاصرة مادة عقلية تقف أمام أخطا 
الاشراقيات القديمة أو المعاصرة في الحديث عن أهل الجنة والنار » وسيد شاب الحنة . 
وملائكة الرحمة والعذاب . وبالا ضافة الى ذلك كان خلود النفس الفردية جزءاً من مادة 
الفلسفة القديمة . وكان :ذلك طبيعياً أمام بيئة ثقافية تقول إما بفناء النفس أو بخلود 
العقل الفعال حتى يتصل الانسان به » ويتحد معه . وجاءت البراهين العقلية والحسية 

لاثبات تميز النفس عن البدن وخلود النفس الفردية . بل إننا نعاني من هذا اليقين المتطهر 
الذي يزكي فيه الانسان نفسه تاركاً لبدنه العنان إما للغنى والترف أو للفقر والحرمان . 
ىا أننا نعانٍ من الخلود الفردي الذي يحاول فيه كل إنسان أن ينقذ نفسه تاركاً 
الآخرين » مشبعاً في نفسه الرغبة في الحصول على درجة أعالى في السماء تساوي درجته 
على الأرض ووضعه الطبقي قُْ المجتمع . المادة الحالية هي إثبات اتحاد النفس بالبدن . 
وأنه لا نفس هناك لبدن عار.» جسد هزيل . ومعدة خاوية » وفم جائع . المادة الآن 
هي طلب الخلود للبدن . لهذا صاح أحد الثوار المعاصرين : كيف ::؛ تثبت أن النفس لا 
تموت إذا كان البدن هو الذي يسبب الموت ؟2*50 كيف نطلب خلوداً فردياً للنفس . 


(85) هذا هو موضوع الجزء الثاني من القسم الأول من ١‏ التراث والتجديد » بعنوان « فلسفة الحضارة » ( من 
النقل الى الابداع ) . 


141 


درجة عالية في السماء 34 ونحن نقامي من الأوضاع الطبقية في الأرض . 


والأمثلة كثيرة أيضاً من التصوف القديم على ضرورة إسقاط المادة القديمة التي 
نشأت في ظروف معينة ‏ وأمام بيئة ثقافية خاصة . فقد نشأ التصوف أولاً كحركة زهد 
وعبادة » وكدعوة للاخلاق الحميدة كحركة توازن حضاري أمام حركة البذخ والترف 
والمجون, وكحركة مقاومة سلبية خالصة ترى التغيير في الداخل قبل الخارج » وإلى أعلى 
وليس إلى أسفل . والى الوراء وليس الى الأمام . ودعا الى الزهد والبكاء والخوف 
والحزن . في حين أن مادة التصوف الحالي لا تستلزم بالضرورة أن تكون من هذا 
النوع ؛ فقد ينشأ تصوف كحركة إيجابية لمقاومة تيار الظلم 0 والوقوف أمام 
الطبقات المستغلة المترفة فيكون تصوفا الى الخارج وليس الى الداخل » إلى أسفل وليس 
إلى أعلى ؛ الى الامام وليس للوراء . ومادة التصوف الخالية بالنسبة 5 العصر قد 
تدعو الجماهير المعدمة الى المطالبة بحقوق البدن لا الى الزهد لأنه ليس لديها ما تزهد 
فيه » والى الشجاعة لا الى الخوف لأن الناس خائفون من قبل » والى المرح لا الى البكاء 
لأخهم يولولون ليل نهار والى الفرح لا الى الحزن لأغهم يصبحون حزان ويمسون حزان 
برغم ما يبدو عليهم من مظاهر البهجة أو التفريج عن النفس بالنكتة2*) . فم ثبل عن 
الاشراقيات في الفلسفة يقال هنا أيضاً عن العلوم الكشفية في التصوف القديم . فقد 
نشأت العلوم الكشفية في التصوف كرد فعل على بيئة معينة يسودها العقل ى) وضح في 
الفلسفات العقلية وفي التيارات الكلامية العقلية. وظهرت الأحوال النفسية في التصوقف 
من قبض وبسط ء وغيبة وحضور . وصحو وسكر . وفقد ووجد . وهيبة. وليمست 
وبقاء وفناء..» كرد فعل على المقولات العقلية من كيف وكم . وجهة وإضافة . وزمان 
ومكان . وجوهر وعرض . وفعل وانفعال . وكلى وجزئي . وعام وخاص . وظهرت 
المقامات من توبة وزهد . ورضا وقناعة » وصير وتوكل . وشكر وصدق كرد فعل على 
الجبشع والطمع » والطموح والرغبة » والمنافسة والكسب . ولكن هذه البيئة القديمة قد 
تغيرت ولا نقامى نحن الآن من سيادة العقل والعلوم العقلية حتى ننحو نحو الكشف 
.والعلوم اللدنية » و نعاني من سيادة المقولات العقلية وسيادة انفعالات النفس . وليس 
أزمتنا الحالية في الجهد والكسب والعمل والحرص بل إن مأساتنا في الصير الطويل ٠‏ وفي 
الرضا بالقليل » وفي التوكل على الغير. وفي القناعة بالمقسوم . مادة التصوف ال حالية 
هي عقلية تدعو للعمل والحهد والمطالبة والمقاومة . وني هذه الحالة لن يكون تصوفاً 
بالمعنى التقليدي بل يكون تصوف المقاومة » وتصوف الرفض . وتصوف الثورة . 
(87) هذا هوموضوع الجزء الرابع من القسم الأول من « التراث والتجديد » بعنوان ٠‏ المنيج الصوفي » . ( الجزء 
الثالث] بعنوان : « من الفناء الى البقاء » ) . 


142 


ويأخذ التصوف هنا معتى عاماً » وهو معنى الاحساس بالرسالة والتضحية من أجلها . 
وإذا كانت مادة التصوف القديم تعلن عن اتحاد الانسان بذات مشخصة حتى يسقط 
الانسان حريته وتدبيره» ويسقط شخصه وذاته ويفنى في الكل فإِن الظروف التي تسببت 
ل نشأة هذه المادة قد تغيرت وجدت ظروف أخرى تستدعي من الانسان المعاصر أن 
يثبت حريته وتدبيره » وأن يؤكد شخصه وذاته. وأن يفني الكل فيه . لقد حاول 
الصوفي القديم تحقيق وحدة الواقع والمثال فبدل أن يحقق دلك بالفعل وفي الواقع حققه 
بالعاطفة وفي الخيال » فأحس بأن الواقع هو المثال مع أن الواقع ظل بعيداً عن المثال . 
ولكن مادة اليوم التي تفرضها ظروف العصر هي وصف لجحهد الجماهير ي حقيق مطالبها 
بالفعل وليس في الخيال » بالجهد وليس باحساسات العاطفة » وفي التاريخ وليس فيا 
وراء التاريخ . 
وهناك مشاكل تاريخية خالصة لا تلزم العصر الذي نعيش فيه حيث هي وقائع أو 
سلوك مصيب أو مخطىء . ولكن قد يهمنا فقط معناها ودلالتها مثل كل الخلافات بين 
الفرق وعلى رأسها السنة والشيعة وأي الخلفاء كان أولى بالامامة . كلذلك حوادث 
تاريخية صرفة ووقائع لا تهمنا إلا من حيث أنها تحقيق لنظم . وحتى في هذه النظم . 
يفرض واقعنا المعاصر نظمه ولا يحتاج الى شرح للنصوص أو تأويل للماضي مناف لتطور 
الحاضر ومانع له 
يكن تجديد مادة العلم القديمة باتباع مراحل ثلاث : 

أ تخليص الموضوع الأولي من كل الشوائب الحضارية التي علقت بالمعنى الأولي 
للنص سواء فيا يتعلق بطريقة عرضه أو فيم| يتعلق بنتائج فهمه وتحليله . فكلاهما مرتبط 
بفترة محدودة من تطور الحضارة وبمستواها الثقائي وكثرأ ما يضيع الوضوع نفسه داشل 
هذه الشوائب نفسها التي تحل محله وتصبح بديلا عنه وكأنها هي الموضوع . 
الشوائب إما حجج عقلية يتحول أيضاً الموضوع من خلاها الى وقائع مادية كمية . 
إظهار الموضوع يقتضي التخلص من هذه الشوائب الصورية والمادية على السواء ثم يرجع 
به الى الموضوع الأصلي . والى المعنى الأولي للنص . وقد قام الفقهاء بهذا الدور خير قيام 
إذ أنهم في كل عصر نفضوا عن عن النص ما علق به من شوائب حضارية » صورية أو 
مادية » بيئية أو مزاجية » ورجعوا الى النص الخام يحرصون على معناه بكل ما فيه من 
تصويروتخييل. فالنص ذاته أضمن من كل عمل حضاري عليه . فالفكر الفقهي أساساً 
فكر تطهري . وظيفته تخليص النص من الشوائب ال حضارية والمتاهات العقلية . وكثيراً 
ما فضل الفقهاء الضرب أو السجن على الادلاء برأي في نص لم يذكر عن الرأي شيئا** . 


(88).نخص بالذكر محنة الامام أحمد بن حنبل في رفضه القول بخلق القرآن أو بقدمه . 


103 


كا يتم توجيه النص ضد الفكر الدخيل نقد وتفنيداً وهدماً . ففى نفس الوقت 
الذى يتم فيه شرح المنطق الصوري باعتباره منطقاً ممكناً للفكر على يد الفلسفة يتم 
رفضه من الفقهاء والأصوليين باعتباره منطقاً أقل اتساعا من المنطق الشرعي وهو منطق 
الوحي . والفكر الفقهي كله هوفي الحقيقة هذا التطهير المستمر للنص » والانتقال من 
مجرذ الدفاع الى الهجوم على الثقافات المغايرة وتفنيدها باعتبارها معارضة للشرعي 
والعقلي على السواء9 ”2 . 

ب يعاد بناء ا موضوع الأول » وهو المعنى الأولي للنص . بعد أن تخلص من 
الشوائب الحضارية في الخطوة الأولى ؛ يعاد بناؤه داخل الشعور باعتباره موضوعاً مستقلا 
له بناؤه الداخلي وله وضوحه النظري ووسائل التحقق منه في داخله . في الشعور أو في 
الواقع . يتم بناء الموضوع في الشعور عن طريق البدء المطلق . ومحاولة العثور على نقطة 
بدمبية أولى وواقعة يقينية يتم عليها باقي البناء النظري » ثم يبد أ في بناء الموضوع خطوة 
خطوة ست يكم ينال كلية » ويكون : تقسيم المقال هو بناء الموضوع نفسه . وف هذه 
الحالة تكون أ سس البناء النظري نف شعورية إذ أن الموضوع يتم بناؤه في الشعور . 
ويتصب جهد الباحث حيتذاك في البحث عن اما وراء الشعوري للموضو . والصوفية 
هم الذين قاموا بهذا البناء الشعوري للموضوعات الأولية خير قيام حيث قامت المعاني 
الأواية كلها للوحي على أساس شعوري بالرغم من وقوعهم في خطأ الاتجاه. فاتجهوا الى 
أعلى بدلا من الاتجاه الى الامام . كىم) اتجهوا الى أغوار الشعور وأعماقه بدلا من الاتجاه الى 
التركيب الطبقي للمجتمع أي تحليل شعور الفرد منعزلاً عن شعور الجماعة وليس داخخالٌ 


- 


اج - إطلاق المعنى حتى يتجاوز حدود اللفظ ' نفسه » ويصبح نوعاً آخر من الوجود 
المطلق ٠‏ وتصبح ا معان مبحتاً من مباحث الوجود العام . يمكن إطلاق المعنى ابتداء من 
المعنى الاشتقاقي للفظ والذي يحتوي على المعنى الأصلي له . والذي يكشف عن الأصل 
الحسي في العالم الخارجي . والذي يمكن بعد إطلاقه تحويله الى وجود عام . وكذلك 
يمكن إطلاق المعنى المجازي للفظ والذي يحوي في باطنه إمكانية اطلاق المعنى وتجاوزه 
من المعنى الأصلي عن طريق التشابه أو الالتزام أو الاستعارة . كما يمكن ربط المعنى 
المطلق بالمعنى العرفي حيث يتم إيصال المعنى الأولي بعد إطلاقه إلى مادة العلم الحالية , 
والمعنى العرفني موجود في روح الشعب كما يتضح في الأمثال العامية والحكمة 
الشعبية" 2 . والفلاسفة هم الذين قاموا مهذا الاطلاق للمعاني خير قيام » فقد حولوا 


(89) وكان أهمهم وأعظمهم على الاطلاق هو ابن تيمية والذي منه خرجت الحركات الاصلاحية الحديثة . 
(90) أنظىو مقالنا « التفكير الديني وازدواجية الشخصية » قضايا .معاصرة ج 1 ص 1 - 127 وأيضاً « « الفلاح في 
الامثال العامية » نفس المصدر ص 269 - 280 . 


144 


عالم الاذهان الى عالم الاعيان » وتحولت المعاني الى وجود كما تحول المعبود ذاته من 
« ثيولوجيا » الى « انطولوجيا » أي من نظرية في الله الى نظرية في الوجود . ولم يعد الله 
هو الذات والصفات والافعال بل الموجود الأول القائم بذاته . فالحقائق ليست ماهيات 
بل موجودات . والله ذاته ليس ماهية بل وجود . كا أطلق الفلاسفة المعاني المجازية 
بالتأويل . وأطلقوا المعاني الأولية الى معانٍ عامة لا يدركها الا الفيلسوف7 © . 

ولا كان اللهدف من تغيير الثقافة هو اكتشاف العصر الحاضر ومكوناته ووضعه بدلا 
من العصر القديم فإنه يمكن أيضاً القيام بالخطوات الثلاثة الآتية : 

أ تحليل الفكرة القديمة بعد تخليصها من شوائبها الحضارية وإعادة بنائها في 
0 الى أقصى حد حتى يمكن أن تصبح نموذجاً للفكر, وموضوعاً 
مثالياً يمكن أن يكون نسقا لغيره من الموضوعات . ومعرفة احتمالاتها المختلفة » وأوجه 
ظهورها . ومن ثم يصبح التراث معقولاً » وليس تحرد موروث منقول من الماضي . لنا 
فيه رؤية واضحة . ونكون على علم تام به . 

ب - تحليل الواقع المعاصر وذلك عن طريق التنظير المباشر للواقع وادراك روح 
العصر من الأمثال العامية والنكات الشعبية والأعمال الأدبية خاصة شعر الأدباء الشبان 
وقصصهم والملاحظة المباشرة على رجل الشارع وعلى سلوك الجماهير , والمعاناة من مآسي 
العصر والعيش في مآسيه . والانفعال بأحزانه وأفراحه . فالباحث ابن عصره كا كان 
الصوفي ابن وقته . والاستعانة بالاحصائيات . وتحويل الواقع الى لغة كمية ولو أن 
الإدراك المباشر للواقع يكون مطابقاً أيضاً للتحليل الاحصائي اكمس . أي أن الباحث 
هنا هو ابن البلد بذكائه ولمحاته » وبصيرته وحسه المباشر . وإدراكه لمر 

ج - مقاباة الأولى بالثانية من أجل إيقاف الفكرة الأولى على أحد أوجهها طبقاً 
لروح العصر ء أو تركيب الأولى على الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع 
العصري . وإعطاء النفس بدن ؛ والروح طبيعة طبيعة » والفكر واقعاً . والله عا 0 
يبخطىء الباحث فهو ليس مسؤولاً عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته 
في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد. وإحياء التراث » وتأصيل 


العصر . 

3 هذه الخطوات الثلاثة قد تبدو شبيهة بخطوات المنبج الوصفي للظواهر الشعورية‎ 91١ 
. الرد أو الاقتضاب‎ - 1 
. البناء أو التكوين‎ 2 


حضارتين مختلفتين انظر رسالتنا الثانية . « من تفسير الظاهريات الى ظاهريات التفسير» ( جزءان ) 
بالفرنسية . باريس ًًظ1 » دار الفكر العربي ١‏ القاهرة ‏ 8غ الانجلو المصرية 3 القاهرة 8 . 


21105 


خامساً : موضوعات التحديد 4 
١‏ إعادة بناء العلوم ) 
رو7سسسسسا سسسسسس سس أي 


موضوعات التجديد ‏ إعادة بناء العلوم 


وبالاضافة الى طرق تجديد التراث التى تعم العلوم الدينية العقلية جميعاً » هناك 
طرق أخرى خاصة يمكن بها إعادة بناء كل علم على حدة / وهذه العلوم هي موضوعات 
التجديد / وإعادة بنائها هو التجديد 3 ويمكن إحمال هذه الطرق في الآتي : 


أ وصف كيفية خروج كل علم منها من النص الديني عن طريق الفهم بالحدس 
المباشر للنصوص المحكمة أو التفسير اللغوي أو الشعوري للنصوص التشابه طبقا 
لظروف العصر التي سببتها . وهوما يمكن تسميته بمنطق التفسير ») . 

ب - وصف العمليات العقلية الي حددت طبيعة الظواهر الفكرية والتي هي وراء 
بناء العلوم . وهي عمليات عقلية واحدة تنشأ في كل حضارة تبدأ من معطى مركزي هو 
الوحى ؛ وبمعرفتها يمكن إعادتها من جديد ابتداء من العصر الحاضر . وهذا ما يمكن 
تسميته « بمنطق الظواهر » . 

ج - تحديد الظواهر الايجابية والسلبية في كل علم » وفهم البناء النظري للظاهرة 
الايجابية إذ أنهبا هي التي تحدد البناء النظري العام للعلم نفسه . وكذلك فهم مصدر 
الظاهرة السلبية » وأسباب نشأتها » ومدى غربتها عن النصوص . ومقدار بعدها عن 
الظواهر الايجابية » وبيان أوجه النقص في المغالاة الفكرية أو في اختلال توازن الظاهرة 
ثم محاولة تحويلها الى ظاهرة إيجابية أو تلاشيها تماماً . وهذا ما يمكن تسميته « بمنطق 


د نقل كل البناء النظري السابق بعد نقده وتمحيصه على أساس نظري حجديد 
لاعطائه أبعادا جديدة سواء من حيث اللغة التى يعبر .ها ومن حيث الكشف عن 


مستويات جديدة للتحليل أو من حيث الادة التى يقدمها الواقع الجديد . وهذا ما يمكن 


149 


تسميته « بمنطق التجديد » . 


وإعادة بناء العلوم تتجاوز مجرد إصدار أحكام خاصة أو عامة على مشكلة أو على 
موضوع أو على من العلوم . فبدل إصدار الأحكام يقوم الوصف بمهمة تفسير نشأة هذه 
العلوم وتطورها واكتالحها في بناء نظري محكم . وبذلك يمكن تجنب الأحكام الجزئية 
والتعسفية والشخصية . وينفذ الحاكم الى صميم الموضوع بل ويتحد معه ويعاصره في 
نشأته وتكوينه » ويمكن أن يقال أن كل حكم هو نقص في الوصف 


فإن قيل :. كيف يمكن دراسة الحضارة الاسلامية أو العلوم الدينية العقلية 

وإصدار أحكام عليها أو إعادة بنائها والمفقود منها أكثر من الموجود وغير المنشور منها أكثر 

من المنشور؟ قيل :. يمكن للوصف أن يعطي صورة كاملة لبناء وتطور الحضارة 
السام بارش من ال كام الأصال تر مد ولك لا 


مادة العلوم التقليدية المنشورة حالياً يغلب عليها طابع التكرار فمثلا إذا كان 
ناك عا أصول الفقه ثلاثون كتاباً منشوراً فإن كل كتاب متأخر يكرر المادة التي في 
الكتاب الذي قبله ويزيد عليه لدرجة أنه يكن اختصار الثلاثين الى عشرة أهمها أول 
ماف نشا في العلم . وآخر مؤلف اكتمل فيه فيه العلم وأصبح له بناء نظري محكم . 
فالأعمال غير المنشورة لن تؤثر كثيرا في اكتمال الوصف الذي يمكن القيام به على أساس 
من الأعمال المنشورة كو ساس قلي لمات الاطلاع على غير المنشور فلربما كان 
فيها جرأة أكثر نظراً لظروف معينة في الماضي . وتكون هذه الحرأة معينة في إعادة البناء 
على ظروف مشابهة في العصر الحاضر . 


ب - كثير من الأعمال في نفس الوقت موسوعات إخبارية يمكن بواسطتها معرفة 
كثير من أفكار المتقدمين والمتأخرين . والأخبار الموجودة حالياً في كل علم تسمح بوصف 
كلي له بل وبوصف كلىي للحضارة ذاتها . والحاجة أمس الى معرفة كيفية الوصف منها الى 
معرفة مادة الوصف . وقد كانت الحضارة حريصة باستمرار على الحفاظ على نفسها 
بطريق التدوين» وتأريخ اللاحقين للسابقين . وذكر آراء السلف من الخلف . فالعلم 
ينشأ بتراكم المعارف والاضافات المستمرة والتفكير على التاريخ . 

ج- - يمكن التنؤ بها يمكن أن يكون عليه عمل من الأعمال أو مفكر من المفكرين 
داخل كل فط من أغاط الفكر خاصة إذا عرفنا اتجاهه الفكري ومذهبه العقائدي . 


الفكر لا يضع فكراً بل يعرض غوذجاً من فكر معروف غطه . فالشمط يساعد مل 
التنبؤٌ. والنموذج يساعد على افتراض مادة ناقصة يمكن التعرف عليها بافتراض وجودها 


1130 


خاصة اذا كان النمط من نفس العصر . أو من نفس المذهب » أو من نفس البيئة 
الثقافية . 


د إن الذي بهم في المادة العلمية هي المشاكل التي تعرضها . وليس الحلول التي 
تقدمها والمادة النشورة حالياً تعرض لنفس المشاكل التي تتكرر وإن لم تعرض نفس 
الحلول . والمشاكل هي التي تحدد البناء النظري للعلم أكثر من الحلول . » بل إن المادة 
كلها نسقطها من الحساب ونستبدل بها مادة أخرى جديدة من واقعنا المعاصر . فإن لم 
تكتمل المادة القديمة فإن ذلك لن يؤثر على نفسه . 


وإعادة بناء العلوم الدينية العقلية بإرجاعها الى أصوها الأولى التي نشأت منها هي 
في الحقيقة محاولة للتعرف على الوحي ذاته وكيف أنه تحول في التراث الى علوم عقلية 
حتى يمكن أن يكون مثاً لمحاولات الخالية لتحويل الوحي الى علم نك . فإذا كانت 
مهمة الباحث الحالية هي تأسيس الفكر الديني أو الحي نفسه باعتباره علماً حأ فإن | إتجاهه 
أمام حضارته التي يدرسها يكون محدداً على أساس البحث عن صور سابقة لهذا العلم , 
وهذا ما يجده في العلوم الدينية التقليدية : أصول الفقه . والكلام . والفلسفة . 
والتصوف. مهمته في الحضارة إعادة بناء هذه العلوم بما تسمح به فهمها في أوضاعها 
التقليدية ثم تطويرها وبنائها كعلوم محكمة في الأوضاع الراهنة وني اللحظة الحالية من 
تاريخ الحضارة . فإذا استطاع وصف هذه العلوم وبيان كيفية نشأتها ابتداء من الوحي 
وتكوينها على أسس نظرية ثابتة فإنه يمكنه الاستعانة بذلك في تكوين الوحي باعتباره علما 
محكًا2*». يكون قد استطاع الحصول على أقاط من أبنية العلوم قد يقبلها أو يرفضها 
أو يطورها فضلا عن ربط نفسه وفكره وعمله بتراثه » وأصبح باستطاعته ليس فقط 
الخلق بل أيضاً التجديد » ويكون قد حصل على نقطة إرتكاز في تاريخ حضارته . 


وني إعادة بناء العلوم يمكن أن يوضع كل شيء موضع التساؤل من جديد » ولكن 
تظل نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في كتاب . فالوحي هو الموضوع الأساسي 
لجميع العلوم . بل إن الحضارة الإسلامية كلها إن هي إلا محاولة لعرض فكري منبجي 
لهذا الوحي في مرحلة معينة » ولبيئة ثقافية معينة » وتحت ظروف وملابسات محددة . 
ويتضح ذلك من داخل أبنية هذه العلوم نفسها . فعلم أصول الفقه يبدأ بالوحي الموجود 
في الكتاب والسنة كأساس للشعور التاريخي الذي يقوم بدوره في النقل عن طريق مناهج 


(92) هذا هو موضوع القسم الثالث من « التراث والتجديد » الخاصة بموضوع « نظرية التفسير » . 


1531 


الرواية » التواتر والآحاد . وعلم الكلام يبدأ بالوحي محللا آياته وأحاديشه لاخراج 
تصور الله » ذاته وصفاته وأفعاله . والتصوف يبدأ أيضاً بالوحى متمثالٌ أوامره ونواهيه 
في السلوك . والفلسفة تبدأ بالوحي وفهمه بحيث يمكن بواسطته إحتواء البيئات الثقافية 
لمتامة . فالبدء بالوحي ضمان واقعي وعلمي وحضاري في العثور على نقطة بداية لها 
يقبن مطلق . ونقطة ارتكاز للعلوم التي تأسس في العقل وفي الواقع . والوحي ذاته ليس 
موصوع تساؤل » إنما هو كيفية عرضه وبنائه النظري . وقبول الوحي قائم على واقعة 
وهو وجود كتاب لا يدعي أحد أنه مؤلفه بل هناك فقط المعلن عنه . ويمتاز الكتاب بأنه 
وثيقة تاريخية صحيحة لم يصبها التحريف أو التغيير, نقصاً أو زيادة . لا يتطلب إثبات 
الوحي البداية بنظرية في النبوة لآأنه موجود بالفعل في كتاب يمكن التثبت من صحته 
التاريخية أو من صدقه متطابقه مع الواقع من خلال التجربة الانسانية ومن خلال فاعليته 
في التغيير وفي إعطاء أبنية مثالية للعالم يجد فيها العالم كاله . 


وكل المشاكل التي تعرضها العلوم التقليدية تحتاج إلى إعادة بناء . فكشير منها 
مشاكل خاطئة سببتها ظروف معينة أو نشأت ردا على بدعة تناقلها الناس وانتشرت . 
وذاعت الردود عليها . مهمة الباحث إذن أخذ موقف من هذه المشاكل إما بإلغائها إن 
كان وضع المشكلة وضعاً غير شرعي أو بإعادة بنائها إن كانت موضوعة وضعاً خاطتاً : 
أو بإيجاد دلالة جديدة ها إن كانت موضوعة وضعاً شرعياً . مئال ذلك كل مسائل علم 
الكلام التي ظهر فيها الله كطرف للانسان مثل الخبر والاختيار . والحسن والقبح . 
والوعد والوعيد ؛ فهي مسائل موضوعة وضعا خاطتا لأن الله ليس طرفا في فعل الانسان 
بل العالم » والحسن والقبح يحددان علاقة الذات بالموضوع وليس علاقة الموضوع بالله : 
والوعد والوعيد يحددان آثار الفعل في هذا العالم وليست آثاره المترتبة عليه في عالم آخر . 


وغالبا ما تدرس العلوم الاسلامية في التراث ولا تتجاوز مرحلة الخلق الأولي : 
وإن تعديناها فعلى أكثر تقدير نذهب حتى عصر الشروح والملخصات . وننسبى كلية 
الحركات التجديدية المعاصرة الي حاولت من قبل إعادة بناء العلوم التقليدية في صورة 
جزئية لأنها كانت دعوات إصلاحية أكثر منها دعوة للبحث الخالص . فهناك محاولة 
“تادة بناء علم أصو ل الدين في «رسالة التوحيد». وهناك محاولة أخرى لاعادة بناء 
الفكر الفلسفى في « الرد على الدهريين » . وهناك محاولات أخرى عديدة لاعادة بناء 
علوم التصوف والفقه والأصول . هذه الحركة التجديدية جزء من التراث , ومحاولات 
سابقة لتجديده يجب أن تؤخذ في الاعتبار بالرغم من قصر مدتها أو تناولها بعض أجزاء 
هذه العلوم دون أن تتناولها في حملتها . 


152 


فإذا ا ي أنه 

يعنى اللجوء الى النص 3 أو تكثير المكلمين بل بيان نشأة لكر ارا في حت 
المعاصرة . وهجومنا على علم الكلام القديم ليس بدعة في تاريخ هلا العلم ذ فهو أكثر 
العلوم تعرضاً للهجوم نظرا لقدم مادته وعدم توازن حلوله » وخطورة نتائجه » ووعورة 
مناهجه وحججه. ولكن هجومنا عليه ليس بتفكير أصحابه أو بمجرد نقد أفكارهم بل 
ببيان نشأته وحلوده وعيوب مناهحه . وخطورة نتائجه » أي بإعادة وصف نشأة هذا 
العلم وتطوره ابتداء من أصوله الأولي في الوحي . أي ىٍِ أننا نعيذه الى محكمة التاريخ . 
والظروف التي أدت الى نشأة علم الكلام التقليدي هي ظروف مستجدة في كل عصر . 
باجم الحضارة من حضارات مجاورة » ويراد القضاء عليها أو على الأقل يراد بها 
التشويش والخلط فتنشأ حركات داخلية للدفاع عن الحضارة وللقيام بعمل هجوم مضاد 
على الأفكار الدخيلة . ما زال الحجوم قائمأ على التوحيد وعلى العقائد وعلى النظم . بل 
إن الهجوم قد زاد وتجاوز الفكر الى الأرض والشعوب والثروات . فيمكن إذن أن يبقى 
على علم الكلام مع نجديد مادته كدفاع عن الحضارة وتأصيل لها وكهجوم مضاد على 
الحضارات الغازية » وفي نفس الوقت يكون مقدمة الدفاع عن الأرض والشعوب 
والثروات 4 وهذأا هوالسبب الخارجي 2 : 

وبالرغم مما يبدو على الموضوعات الكلامية من طابع تقليدي إلا أن هذا الطابع 
يظهر في طريقة عرضها أو في المادة القديمة وليس في الموضوعات ذاتها . فطريقة العرضص 
القديمة تجعل الله طرفا في كل مشكلة . ويكون مع الانسان الله المشخص المريد . 


الفاعل ( العاقل 6 القادر 3 2 3 0" الخ ولكن التوحيد ذاته موصوع مستقل بذاته . 
فالتوحيد يعنى وحلة البشرية ووحلة التاريخ » ووحلة الحقيقة » ووحلة الانسان . 
ووحذلة الجماعة , ووحلة الأسرة . ء. الخ . والحرية موضوع كل عصر ولكن تتغير 


أطراف ا حرية. مرة تتحدد الحرية بالنسية للسلطة ومرة ثانية بالئسسة للآخرة, ومرة ثالثة 

بالنسبة للعقبات . والعقل مشكلة كل عصر إذ تتهدده المخرافات 5 والأساطير . 

والغيبيات » والأسرار . والأوهام ؛ والانفعالات . والأهواء » والمصالح . والرغبات . 

(93) هذا هو مشروع «التراث والتجديد » كله » فالقسم الأول موقفنا من التراث القديم تأصيل للقديم وإعادة 
الحضارات الغازية وعلى رأسها الحضارة الغربية . 


1033 


والسياسة هي حياة كل عصر . والشورى نظام كل جماعة . والأمر بالمعروف والنبي عن 
المنكر قوام الحياة السياسية . إنما المهم هو إيجاد الدلالة المعاصرة للموضوع القديم 
وتخليصه من شوائبه اللاهوتية والتاريخية والنظرية » وإعادة وضع المشكلة الوضع 
الصحيح . وهو الوضع الانساني الاجتماعي . وتكون مهمتنا مثلاً في إعادة بناء علم 
الكلام التقليدي هو التركيز على التوحيد كعملية توحيدية » وعلى الحرية كعملية تحرر . 
وعلى العقل كعملية تنوير » وعلى العمل كعملية تحقيق وتغيير شامل . وعلى الشورى 
لتغيير النظم التسلطية » وعلى الطبيعة من أجل إدخال بعدها في الشعور المعاصر وعدم 
الاستنكاف منها بناء على عواطف التطهر والتطهير. قد تكون مهمتنا أيضا إحياء التراث 
الاعتزالي الذي توقف منذ القرن الخامس . ولم يظهر إلا في بؤرات متفرقة لم تستطع أن 
تعيد ما توقف الى حياة الناس والى الروح المعاصرة . 


نشأ التراث من مركز واحد وهو القرآن والسنة .ولا يعنى هذان المصدران أي 
تقديس لما أو للتراث بل هو مجرد وصف لواقع . فلولم يكن هناك قرآن لا قام التراث 
القديم ولا نشأت الحضارة الاسلامية . لذلك يمكننا التفرقة بين نوعين من الحضارات : 
حضارة مركزية تدور حول مركز واحد هو في الغالب كتاب مقدس سواء كان وحياً أو 
تاريخاً . وتنشأ حوله . وتستمد وجودها منه » وتنسج علومها العقلية عليه » وتتطور في 
حلقات حوله تتسع شيئاً فشيئاً » متداخلة فيا بينها على مر العصور . وحضارة أخرى لا 
مركزية. وم تنشأ حول نقطة محورية . ولم تصدر علومها عنه . تذهب في كل اتجاه , 
وتجب كل مذهب . لا يجمعها جامع . وتظل مذبذبة بين الاتجاهات والمذاهب فاقدة 
عنصر التوازن فيها » وباحثة عن شيء لا تعلمه أين هو. ويظل البحث الانسانٍ 
مستمراً ؛ يتغير بتغير العصور والأزمان . وأصبح البحث عن الىء أهم من الثىء 
نفسه . لذلك قويت فيها المناهج وكثرت فيها مذاهب النقد والشك . وتعددت فيها 
الانجاهات كي تغطى هذا النقص المحوري في نشأتها . ولكن الغالب أن كل الحضارات 
المعروفة حتى الآن حضارات مركزية نشأت من مركز واحد هو الدين » سواء كان ذلك 
في الأساطير اليونانية بالنسبة للحضارة اليونانية أو في الإنجيل بالنسبة للحضارة الأوروبية 
أو في التوراة بالنسبة للتراث اليهودي أو في كتاب الموق والأساطير المصرية بالنسبة 
للحضارة المصرية القديمة . أو في قوانين حمورابي بالنسبة للحضارات السامية القديمة , 
أو في وصايا كونفوشيوس بالنسبة للحضارة الصينية القديمة أو في الفيدانتا بالنسبة 
للحضارة الهندية » أو في القرآن والسنة بالنسبة للحضارة الاسلامية . 


1534 


نشأت الحضارة الاسلامية إذن حول الكتاب والسئة . ونسجت حوفا العلوم 
الاسلامية العقلية الأربعة : الكلام والفلسفة والتصوف والأصول . وبصرف النظر عن 
ترتيب ظهورها زمانياً» فقد ظهر الكلام والتصوف معاصرين للفتنة بعد ظهور أصول 
الفقه معاصراً لزمن الرسالة ثم ظهرت الفلسفة أخيراً بعد عصر الترجمة في أواخر القرذ 
الثان . إلا أنه من الناحية الفكرية الخالصة نشأت العلوم التقليدية الأربعة كالآتي : 


1 كان علم الكلام أول عمل عقلٍ في النص الديني » فقد كانت مهمة المتكلم 
تحويل النص الى معنى . والآية الى فكرة . فكان الكلام أول محاولة للعثور على نظرية 
عقلية خالصة للنص الديني . وقد تم تحويل ذلك بجهد داخلي خالص دون أدن اتصال 
على الأقل في نشأة العلم » بحضارات أخرى » إذ تم ذلك قبل عصر الترجمة بكثير ٠‏ وم 
يكن هناك واقع محدد لذلك ». مثل الرد على الزنادقة أو الملاحدة بل كان العلم حركة 
طبيعية في تجاوز النص الديني الى المعنى العقلي لا سيها وأن النص بطبيعته يرتكز على 
العقل ويقوم عليه . فالعقل كا ظهر فيا بعد هو أساس النقل . كان علماء الكلام 'أشبه. 
بوزراء الداخلية في العصر الحاضر . مهمتهم المحافظة على الأمن العقلي الداخلي 
والمحافظة على النظام الداخلي للحضارة الناشئة . وكان علم الكلام أشبه 'بالدائرة 
الفكرية الأولى التى نسجت حول النص الديني » وأخذ طابعاً نظرياً خالصاً . لذلك 
حكم عليه البعض بأنه يمثل الفكر الأصيل الذي يعبر عن جهد الجماعة الأولى » دون أية. 
مؤثرات خارجية2**؟ . ولما تطورت الحضارة . وتمئلت الأديان المنتشرة على الواقع 
الثقافني » انجه العلم للدفاع عن التصور الجحديد للعالم والرد على الديانات التاريخية ٠»‏ . 
ومن ثم حول العلم الى تاريخ أديان في جزء كبير منه . وكان الرد على الفرق غير 
الاسلامية إحدى مقدماته وأحياناً في صلبه في عرض وصف الواحد من أوصاف الذات 
الستة . ولكن الرد لم يكن على بيئّة خارجية بل على أفكار ومذاهب وملل ونحل انتشرت 
في البيئة المحلية » وذاعت على الصعيد الثقاني . فكان العلم يعمل أيضا في الجهة 
الداخلية0””© . ولما ظهر خطر علوم الحكمة والفلسفات النظرية على العلم انبرى العلم 
للدفاع عن التصور الأصيل متعاملا مع علوم الحكمة متمثلاً ما يتفق منها مع هذا 
التصور رافضا ما يختلف معه . ولكن هذا الرد لم يكن ضد الفلسفة اليونانية بل كان صد 
علوم الحكمة التي انتشر ت وذاعت في البيئة الثقافية المحلية . وبالتالي ظلت مهمة علم 


(94) د . على سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام . 
(95) كتب الأشعري قسما من « مقالات الاسلاميين » عن مقالات غير الاسلاميين , وكذلك ذكر الباقلاني في 
«التمهيد» عديدا من الفرق غير الاسلامية : ويتضح ذلك أكثرفي « الفصل » لأبن حزم وفي « الملل والنحل » 


155 


الكلام داخلية محضة لا شأن ها بالمعارك الخارجية؟”2 . وإذا كان علم الكلام قد 
استطاع في مراحله الأخيرة الانتقال من علم العقائد الى علم تاريخ الأديان وإلى 
علم الحضارة . فإنه استطاع أيضاً أن يتحول الى علم حضارات مقارن عن طريق وضع 
الحضارة الاسلامية مع الحضارات الانسانية حينذاك مثل حضارة الحنك والفرس والروم . 
ومع ذلك ظلت مهمة العلم داخلية محضة لأن هذه الحضارات كانت قد دخلت البيئة 
الثقافية الاسلامية وكانت تمثل جزءاً من الجبهة الداخلية ولو أنه في نشأتها كانت 
وافدة227 . وقد خسرنا نحن الآن بالرجوع الى النص الخام في اعتمادنا على قال الله وقال 
الرسول. وعجزنا عن تحويله الى معنى . وعدم قدرتنا على أن نعيش في عالم المعانٍ 
أصبحنا أسرى للنصوص بعد أن كانت النصوص أسرى لعقول القدماء . 

2 - وحول هذه الحلقة الفكرية الأولى وابتداء منها » وباستعمال وسائل التعبير 
المتاحة بعد عصر الترجمة نشأت دائرة فكرية أخرى أوسع نطاقاً وأشمل تصوراً مهمتها 
تحويل هذه المعاني الأولية التي صاغها علم الكلام الى نظريات عامة وتصورات شاملة 
للكون لمواجهة نظريات وتصورات أخرى دخيلة . فحين ظهر علماء الكلام كوزراء 
للداخلية من أجل المحافظة على النظام العقلى الداخلي للحضارة الناشئة » ظهر 
الفلاسفة كوزراء للخارجية مهمتهم التعامل مع حضارات أخرى غازية » وفي مقدمتها 
الحضارة اليونانية وكحأة للحدود الحضارية المتاحمة . ويعيدون بناء دائرتهم الفكرية 
الأولى التي ورثوها عن علماء الكلام على أساس من المفاهيم الجديدة من الحضارات 
الغازية » مستعملين نفس أسلحتهم التصورية فهم هذا حراس حدود أيضا أو 
تجددون . حاولوا إعادة بناء العلم النظري القديم 5 وهو علمٍ الكلام 5 الى علم نظري 
جديد وهو الفلسفة . وهذه تشارك علم الكلام في كونها فكرأ نظرياً خالصا ولكنهٍ أكثر 
شمولا وأوسع. نطاقاً . ومن ثم فإن الفلسفة من جنس علم الكلام . ونجد كثيراً من 
المتكلمين فلاسفة وكثيراً من الفلسفة متكلمين990) , وقد نجحوا في ذلك الى حد كبير 
وذلك أنهم استطاعوا : 


3 نخحويكل اللاهوت 9إع126010 الى أنطولوجيا عامة لإع02]010© وم يتحدثوا عن 
الله بل عن واجب الوجود أو الواحد وبالتاللي استطاعوا القضاء على ظاهرة الضمور في 


(96) يتضح هذا في المؤلفات المتأخرة ابتداء من القرن السادس عند الرازي في « معام أصول الدين » وفي 
«المحصل» وعند البيضاوي في « طوالع الأنوار» وعند الايجي في « المواقف » وعند التفتازاني في 
و المقاصد » . 

(97) يتضح ذلك خاصة في « الملل والنحل » للهشرستاني . 

(98) المتكلمون الفلاسفة مثل الرازي » والفلاسفة المتكلمون مثل الكندي وابن رشد . 


136 


علم الكلام ذلك باعادة فتح الفكر الديني وضمه الى الوجود العام . وقد كان اوائل 
الفلاسفة متكلمين ثم تركوا الكلام الى الفلسفة . وقد خسرنا نحن الآن بالرجوع إلى 
القكر الديني الضامر الذي وصل الى درجة التشخيص .» ونكصنا عما طوره القدماء الى 
ملم ل ا 

الاستغناء عن منهج النص السائد في علم الكلام » والعثور على معنى متسق 
مع نفسه يحتوي على ضهان صدقه ووسائل التحقيق من هذا الصدق في نفسه . فالفلسفة 
من هذه الناحية تمثل تطوراً في العقلانية أكثر مما يمثله علم الكلام الذي ما زال يقيم يقينه 
في صياغاته لمعانيه على يقين آخر خارجي عنه هو يقين النص . ونحن قد رجعنا الى 
الوراء وألغينا هذه الخطوة التي نعرض فيها المعنى المستقل الذي يحتوي على يقينه 
الداخلي » ورجعنا الى قال الله وقال الرسول . 

ج ‏ كشف الجانب الرمزي في النص الديني » وأسلوب الخيال والصور الفنية » 
وبالتاللي تكون مهمة الفيلسوف النفاذ الى ما وراء الخيال » والتخلي عن الصور الفنية . 
والقضاء على حرفية المعنى في حين أن في علم الكلام ما زال التيار الحرفي سائداً عن 
المشبهة والمجسمة والمؤهة . لذلك تعتير الفلسفة تطويرا للفكر الاعتزالى وللتنزيه الآغهي . 
ونحن قد آثرنا البقاء على التفسير الحرني للنصوص . وعزونا الى الصور الفنية أشياء 
حسية » وفقدنا القدرة على التخيل » والتزمنا بالحس الفج والمادية المعلنة . ورجعنا 
بالتالى خطوة أخرى الى الوراء . 

د التخلي عن لغة اللاهوت الخاصة من اله » ورسول . وثواب » وحساب , 
وعقاب . ملاك . وشيطان . وهي اللغة المغلقة التي ما زالت خاضعة للرمز الديني. 
واستعمال لغة أخرى أكثر عقلانية وانفتاحاً وإنسانية يمكن لأي فرد أي كانت ثقافته أن 
يعقلها مثل الانسان » والعقل . والنظر.» والعمل . والفضيلة . في حين أن علم 
الكلام ظل خاصاً . ويعبر عن مضمونه بلغة خاصة في مقابل الفلسفة التي استطاعت أن 
نتجه نحو العام . ونحن الآن قد رجعنا خطوة أخرى الى الوراء . وألغينا التطور, وآثرنا 
لغة الللاهوت المغلق على لغة الفكر المفتوح0 2 . 

- استطاعت الفلسفة ضم النظريات المبعثرة التي تركها لنا علم الكلام في 
التوحيد » وخلق الأفعال . والحسن والقبح » والنبوة » والمعاد . والامامة . . . . الخ 
في نظريات شاملة وفي أقسام عامة هي : المنطق . والطبيعيات . والالهيات . فإذا كان 
المنطق آلة لعلوم كلها وليس جزءاً منها بقيت لدينا الطبيعيات والالهيات . أصبح 


(99) أنظر ما قلناه من قبل عن « منطق التجديد اللغوي » . 


1537 


موضوع الفلسفة بوضوح هو الله والعالم » والانسان متأرجح بينه| » فهو موجود طبيعي 
من حيث هو بدن ( قوى عادية وحاسة وعاقلة ) » وهو موجود الي من حيث هو نفس 
( الاتصال بالعقل الفعال عن طريق المخيلة أو النور القدسى ) . ونحن الآن قد رجعنا 
خطوة أخرى الى الوراء بإيثارنا البقاء على النظريات مبعثرة دون تصور كوني عام وشامل 
نعرضه على مستوى الشعور دون أن نتركه يعمل في اللاشعور . 


و القضاء على تشت الفرق وتشعبها » وسيادة روح فلسفية واحدة . فإذا كان 
علم الكلام أساساً نظرية في التشعب . والتفرق . وتضارب الآراء » وتعارض 
المذاهب . وتنافر الاتجاهات . فإن الفلسفة ترمي الى الوحدة الشاملة » والنظرة الكلية 
الواحدة التي تلم مها شتات الظواهر والتي تمنع بها تعارض الآراء . وإذا كان لدينا في 
علم الكلام ثلاث وسبعون فرقة فإننا لا نملك ثلاثة وسبعين تياراً فلسفياً , وإذا كان 
لدينا مئات من علماء الكلام فإن الفلاسفة لا يتجاوزون أصابع اليد . والوحدة تمثل 
تطوراً نحو مزيد من العقلانية أكثر ما تمثل الكثرة . ونحن الآن ما زلنا ضحية التنافر 
والتضاد ولم نستطع أن نعطي نظرة واحدة وشاملة على الكون . 


ز- تمثل الفلسفة أفقاً أوسع من علم الكلام . ففي حين أن علم الكلام يغلب 
عليه الرفض وضيق الأفق والتحيز المسبق والتعصب أحيانا » نجد أن الفلسفة يغلب 
عليها القبول » باستثناء الكندي وابن رشد . وتمثل كل شىء . ووضعه في صورة أكمل 
وأشمل . فلم الكلام يبحك عن الأصيل ضل الخيل , والفلسفة تريد تمثل الدخيل 
في الأصيل في نظرية عقاية أ وسع وأحب » عالم الكلام يعارض الخصم ويكفره في حين 
أن الفيلسوف رة يضم الخصم في حقيقة أعلى منه . ونحن الآن نسلك مسلك علماء ء الكلام 
في تكفير بعضنا دون أن نحاول البحث عن حقيقة واحدة أعم وأشمل . 


ح ‏ تعتمد الفلسفة أساسا على البرهان » وتبحث عن البقين الداخلي ٠‏ العقل أو 
الطبيعي » في حين أن علم الكلام ' ما زال يعتمد على الجدل وعلى التسليم بمقدمات 
الخصم أو على البدء بمقدمات مشهورة أم مظنونة . غايته إفحام الخصم وليس الوصول 
الى الحقيقة . فالفلسفة تمثل تطوراً أكثر تقدمأ من علم الكلام . ونحن في واقعنا المعاصر 
قد رجعنا بهذا التقدم الى الوراء وآثرنا الجدل على البرهان . والظن على اليقين , 
والتسليم بالمقدمات على البرهنة عليها . 


3 - وقد يكون علم أصول الفقه هو أول العلوم الاسلامية ظهوراً نظراً لاحتياج 


138 


المجتمع الجديد للتشريع سواء في عصر الرسالة أو فيها بعدها . فقد حاول المسلمون 
بجهدهم الخاص استنباط أحكام جديدة للوقائع التي عرضت لهم والتي لم يرد فيها أصل 
من كتاب أو سنة نظرا لوجود الوالي في صقع بعيد عن الرسول أو بعد عصر الرسالة . 
فلكي لا يخضع استنباط الأحكام للهوى أو المزاج الشخصي حاول الاصوليون وضع 
قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية من الأصول الأربعة : الكتاب والسنة , والاجماع , 
والاجتهاد ؛ فنشأ علم أصول الفقه عجار لي إنجاد منهج إسلامي خارجي من منطق أو 
فلسفة أو حكمة . فقد نشأ التشريع قبل عصر الترجمة مواكبا لنشأة الحياة الاسلامية في 
صورها الأولى . 

ويتفق علم الأصول مع الكلام والفلسفة في أن كليهما نظرية عقلية أو إعمال 
للعقل في النص إلا أنه يختلف عنه) في الآتي : 


أ ظهور الواقع كطرف مقابل للنص » وأصبح لدينا عناصر ثلاثة تكون المنطق 
الديني وهي : النص أو الوحي » والعقل . والواقع . لم يعد موضوع الفكر هو الايمان 
أو الدين أو الوحي أو النص كا هو الحال في علم الكلام أو الفكمة الغازية والحضارة 
الدخيلة ى] هو الحال في الفلسفة » بل أصبح موضوع الفكر هو الواقع الذي تعيشه 
الجماعات الأولى ولا سي) وأن النص بطبيعته يحتوي على الواقع في باطنه ى) بين 
الأصوليون ذلك في طرق استنباط العلل الثلاث من النص : تحقيق المناط » وتخريج 
المناط ٠»‏ وتنقيح المناط . لذلك حكم البعض على الأصول بأنه الفكر الأصيل الذي 
استطاعت الجماعة الأولى وضعه . والذي يدل على جهدها وإعمال عقلها 2299 . أما 
نحن فقد فصلنا النص عن واقعه واعتبرناه مستقلاً بذاته يحتوي على حكم بصرف النظر 
عن الواقع الذي يمكنه أن يتقبل هذا الحكم . 

ب - ظهور المنطق الحسى المباشر » وطرق البحث عن العلة » ومنطق التحليل 
والحصر . وجوانب المنطق الاستقرائي . وهوما لم تكتشفه الحضارات القديمة . ويكون 
هذا مساهمة للحضارة الاسلامية في تطور الحضارة العامة » مع أن الباحثين الغربيين. 
يتحدثون: عن الواقعية المسيحية في مقابل المثالية اليونانية دون أن يتحدث أحد عن 
الواقعية الاسلامية في مقابل المثالية اليونانية المسيحية . ونحن ما زلنا على تأسيس الفقه 
الافتراضي » ولم نستطع تطوير هذا المنطق الاستقرائي القديم من أجل تأسيس العلم . 


ج ‏ ظهور طابع آخر للفكر الاسلامي وهو الفكر المنبجي في مقابل الفكر النظري 


(100) د . علي سامي النشار : مناهج البحث عند مفكري الإسلام ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي : 


1539 


الخالص في علم الكلام والفلسفة . ففي حين أن النص الديني قد تحول الى الكلام 
والفلسفة الى معنى أو إلى نظرية أو تصور شامل للعالم فإنه تحول في أصول الفقه الى منبج 
عقلي واقعي . استنباطي استقرائي . أوطبع الفكر الاسلامي كله بهذا الطابع 
المنبجي . من ثم يكون هذا العلم من أوائل المحاولات التي ظهرت في تراثنا القديم من 
أجل تحويل الأصول الأولى . الكتاب والسنة » الى منبج عام للحياة . ويعجب الانسان 
في واقعنا المعاصر من غياب الفكر المنبجي . وهو أخص وأروع ما أبدعه علم أصول 
الفقه في تراثنا القديم . 

- خلو أصول الفقه من اللغة الكلامية والفلسفية » وقيامه على لغة بسيطة 
وسهلة » مستمدة من الواقع 5 وخلوه من الأفكار الميتافيزيقية . والنظريات 
المستعصية » وا حجج ا التي كثيرا ما سادت الكلام والفلسفة . فالأصول مبذا 
المعنى علم وضعي . دون الآثار الوخيمة للوضعية الأوربية التي اجتثت جتثت أصوفا الفكرية 
لعدم ثقتها بها » وبيان زيفها وعدم صدقها . صحيح أن هناك بعض مدارس الفقه 
الافتراضي الذي يقوم على افتراض واقعة من الخيال لم تحدث بالفعل ولكنها تمثل تيارا 
واحدا في الفقه وليس جميع التيارات كا أنها أقرب الى مادة الفقه منها الى علم الأصول . 


ه- ظهور الانسان بوضوح تام على أنه ا موضوع الأول للفكر الديني .» وظهور 
الانسان العامل :1806 110700 بوجه خاص ليس بعنى الصنعة ولكن بمعنى الجهد . 
والنشاط . والعمل . والتحقيق في حين كان الانسان مطحوناً قُْ علم الكلام داخل 
الا ميات . وكان مشنناً في الفلسفة حائراً بين الطبيعيات والالهيات . وظهور أبعاد 
الانسان من حيث هو شعور تاريخي . وشعور لغوي . وشعور عملي . وما زلنا نحن في 
واقعنا المعاصر يتمركز فكرنا القومي على الله ٠‏ ولم نطور المكتسبات الانسانية في تراثنا 
القديم » بالرغم ثما نحن فيه من مآمبي الإنسان التي كان يمكن أن تجعله محوراً أساسياً في 
فكرنا القومي . 

4 - وفي نفس الوقت الذي ظهر في الأصول . ظهرت اتجاهات منعزلة في الجماعة 
الاسلامية لا تشارك في حياتها مشاركة إيجابية فعالة . لم تلفظها الجماعة لأنها كانت لا 
قثل خطراً عليها بل قد يأ منها الخير نظراً لسلوكها الفاضل وحياتها الروحية الصافية . 
وبعد الفتنة إزدادت هذه الماعات المنعزلة وتكائرت كمظهر من مظاهر العجز عن 
مقاومة نظم الحكم القائمة على اللاغتصاب والبطش مثل مثل الحكم الأموى . فظهر التصوفه 
كظاهرة إنعزالية في نشأته وتطوره كرد فعل على تكالب الناس على الحياة » وبعد اشتداد 
وطأة المعارك الحزية والتناطح بين الفرق . وبعد فشل كل محاولات تغيير الأمر الواقع 


100 


بالقوة » واستشهاد الأئمة من آل البيت . ولا يقال أن نشأته ترجع الى حياة الرسول . 

فقد كانت حياته حياة الانسان الكامل كما كانت حياة الجيل الأول حياة الجماعة 
الكاملة . واستمر هذا التيار يقوى حتى ظر كاتجاه عام يدعي تفسير الأصول . ويتميز 
بالآتي : 

أ كانت الاتجاهات الفكرية حول النص حتى الآن عقلية جدلية في علم الكلام 
أو عقلية نخالصة في الفاسقة أوعة عقلية واقعية في الأصول . ولكن ظهر التصوف يمثل تيارا 
مضاداً . ويضع أ سس تجاه قلبي لا يعترف بالعقل . وإن اعترف به فلمستوى معين 
وليس لجميع المستويات وأعمقها . ومن ثم وقع التضاد في العالم الاسلامي بين 
مغبجين : العقل والقلب . النظر والذوق » وبذلك انكشف بعد الوجدان أو الشعور 
لأول مرة بوضوح في تراثنا القديم . واعتبر الحب محور الشعور وعاطفته الأولى. وأعطى 
الأولوية للعمل على النظرء فالعلوم ثمرة الأعمال . وهوما زال سائدا في واقعنا المعاصر 
بالرغم من أنه لا وجود لعقل جدلي أو لعقل برهاني أو لعقل منطقي يمكن أن يحدث عنه 
رد فعل وجداني . ومن ثم فنحن نعيش رد فعل قديم في عالم معاصر ١‏ ولو أننا أردنا أن 
نبدأ من رد فعل معاصر , لأعطينا الأولوية للعقل على القلب . وللنظر على الذوق . ولا 
كان عصرنا الحاضر غارقاً في الاشراقيات القديمة الى أذنيه يجد فيها عزاء وتعويضاً عن 
مآسيه وأحزانه . 

ب - يمثل التصوف مع الأصول فكراً منهجياً وليس فكراً نظرياً كما هو الحال في 
الكلام والفلسفة» ويضع نفسه كطريقة عملية وليس كبحث نظري . ومن ثم هناك نظران : 
فكر نظري في الكلام والفلسفة وفكر منبجي في الأصول والتصوف. ويصير 
الاختيار حتميا على سؤال : هل الكتاب يحتوي على نظرية أم على منهج ؟ ولما كان 
الحاضر يعاني من كليهما من غياب النظرية والمبج معا ويعاني من غياب المهجم أكثر 
فغياب المنبج هو سبب غياب النظرية » كان اختيار عصرنا هو إحياء الفكر المنبجي 
وإعطاؤه الأولوية على الفكر النظري . 


ج - ظهور التضاد أيضاً بين الأصول والتصوف . فمع أن كليها منبج إلا أن 
التصوف يدعي أنه منيج التأويل أي الرجوع بالنص الى مصدره الأول وشو مصار 
الوحي . في حين أن الأصول منوج التنزيل يريد إرسال النص الى غايته وهو الواقع 
السلوك البشري . ومن ثم كان المنبج الصوفي صاعداً من العالم الى الله في حين كان 
الممبج الأصولي نازلاً من الله الى العالم . وما زال عصرنا يختار التأويل دون التنزيل . وما 
زال يرجع العالم الى الله دون أن يجعل الله قريبا من العالم في حين أن متطلبات العصر 


161 


تحدم الاختيار الآخر بإيثار التنزيل على التأويل . والانتقال من الوحي الى العالم . 

د وضوح نظرية متكاملة في التفسير . تشترك مع الفلسفة في إيجاد مستويات 
جديدة للنص حسب فهم السامع أو القارىء . فهناك العامة التي لا تدرك إلا بالحمس 
والخيال » ويقوم إيماها على الترغيب والترهيب . ثم هناك الخاصة التي تدرك جوهر 
الأشياء بالعقل الاستنباطي ويقوم إيمانها على الحصول على المعقولات والمعارف الذهنية . 
ثم هناك خاصة الخاصة التي تدرك جوهر الأمور بالقلب ويقوم إيماها على الحصول على 
السعادة القلبية والمعرفة المباشرة وهي مستويات ثلاثة لليقين : علم اليقين » وحق 
اليقين » وعين اليقين . وقد رجعنا نحن خطوة للوراء بوقوعنا في حرفية التفسير أو ماديته 
وردنا الوقائع المادية الى النصوص أو بلجوئنا الى التفسيرات الخرافية والاسطورية التي لا 
سند لها من حس أو عقل أو قلب ونحن أحوج الى التفسيرات الوجدانية الاجتماعية التي 
تقوم على تحليل التجارب الاجتماعية22970 . 

ه- ظهور كثير من القيم السلبية التي تدعو الى القيام بمعركة مع النفس قبل أن 
تقام مع العالم الخارجي والتي تدعو الى النكوص عن العالم والتراجع الى الذات لا الى 
الدخول في العالم والاقدام من الذات . فالصير والخوف . والخضوع والرضا ء والحزن 
والبكاء إلى آخر ما هو معروف من الأحوال والمقامات تدل كلها على انجاهات سلبية نحو 
الواقع . وهي القيم التي ما زالت تفعل في عصرنا الحاضر دون ما رد فعل لتغييرها الى قيم 
إيجابية مثل العمل . والثورة . والجهاد , والمقاومة » والرفض . والنضال . والصراع . 

و الحصول على معنى جديد للتوحيد . واعتباره عملية فردية هو الحلول أو 
الاتحاد أو عملية كونية ذاتية وهي وحدة الشهود أو عملية كونية موضوعية هي وحدة 
الوجود. وتصور العالم كله بعين الوحدة فلا فرق ولا جمع . فإذا كان الكلام والفلسفة 
والأصول كل ذلك يقوم على القسمة العقلية فإن التصوف يقوم على التوحيد بين 
المتايزات . وقد آثر عصرنا الحاللي توحيد المتكلمين وترك توحيد الصوفية مع أنه كان 
بإمكانه تطوير توحيد الصوفية إلى عملية إجتماعية تاريخية توحد فيها الشعوب والاجناس 
وتتوحد فيها الطبقات الاجتّاعية . وتتوحد فيها قوى الانسان من فكر. ووجدان 
وقول » وعمل » وبالتالي يعبر التوحيد عن متطلبات العصر22922 . وتبدو صلة العلم 
التقليدية الأربعة بعضها بالبعض الآخر كالآي(2)192 . 


(101) أنظر مقالتنا الثلاثئة وهل لدينا نظرية في التفسير» ؟ « أيهما أسبق نظرية في التفسير أم منهج في نحليل 
الخبيرات ؛؟ « عود الى المنبع أم عود الى الطبيعة » ؟ في قضايا معاصرة ج 1 ص 165 176 ١‏ 
(102) أنظر مقالنا ه التفكير الديني وازدواجية الشخصية » قضايا معاصرة ج 1 ص 111 - 127 . 


1062 


1 - الكتاب والسئة محور الحضارة ومركزها ومنشأ العلوم العقلية الأربعة . 

2 - علم أصول الدين . أي علم الكلام كدائرة أولى حول المركز للتأسيس 
الداخلي . 

3 علوم الحكمة أو الفلسفة كدائرة ثانية حول المركز أوسع وأشمل للتأسيس 
الخارجي . 

4 - علم أصول الفقه أو التنزيل كمنبج نازل من الوحي الى العالم . 

5 علوم التصوف أو التأويل كمنبج صاعد من العالم الى الله . 

أما العلوم الرياضية فهي لا تعتبر علوماً دينية عقلية بل هي علوم عقلية خالصة إذ 
أنها تخضع لنظرية في العقل الخالص ولو أننا نستطيع أن نجد بواعثها وموجهاتها في 
توجيهات الوحي . وف تصورات الله خاصة في التنزيه . فنظريات الضوء عند ابن 
الهيئم مثلا ترتبط الى حد ما بتصوره العام للنور, وتعريف الله من حيث هو نور وتصور 
الرياضيين للأعداد وحساب اللامتناهي يرتبط أيضا. . بتصورهم للتوحيد وبوجه خاص 
للواحد . فالعلوم الرياضية تمثل عقلانية خالصة استطاعت أن تزدهر بفضل التنزيه » 
وتضع مشكلة مستقلة عن العلوم الدينية العقلية الأربعة التي رجت من الكتاب والسنة 
والتي ترتبط بالانسان » حياته وسعادته . وهي مثل التيار الصوري الذي تمثله العلوم 
الرياضية في التراث الغربي . إعادة بناء هذه العلوم لا يتم إلا عن طريق التكامل في 
النطرة لها , إذ لا يمكن بير جانب . براد التركيز عليه » وإعطاء الأولوية له على حساب 
جانب آخر يراد نسيانه وتجاهله بل والتنكر له والقضاء عليه . فلا يمكن النظر لابن افيثم 
باعتباره رياضياً فقط ومحاولة تفسير أعماله بأنها علمية أو موضوعية إذ أن تحليلاته للمناظر 
جزء من موقف فكري عام تدخل فيه الرياضة وغيرها كأحد مكوناته . ولا يمكن اعتبار 
الخوارزمي رياضياً فقط بل تدخل تحليلاته في علم الجبر كجزء من موقف أعم وأشمل . 


163 


يكون الجبر فيه أحد عناصره التكوينية » ولا يمكن اعتبار الكاشاني عالماً رياضياً فقط بل 
إن تحليلاته في علم الحساب جزء من موقف أعم وأشمل يكون الحساب أحد عناصره 
الأولية . والمطلوب منا ليس فقط إحياء التراث الرياضى بل محاولة إدخاله ضمن هذا 
الموقف الحضاري العام والكشف عنه . ويكون السؤال : هل تعبر هذه العلوم عن 
مستوى صوري خالص للتحليل تجد العلوم الدينية العقلية بها ذاتها وموضوعيتها العقلية 
وهو ما نشعر بامكانه ؟ وبتعبير آخر هل يمكن رد الصوري الى الانساني أم الانساني الى 
الصوري ؟ وبتعبير ثالث : هل يمكن رد التنزيه الى التشبيه أم رد التشبيه الى التنزيه ؟ 
وبتعبير آخر هل يفهم الله بالرجوع الى الانسان أم يفهم الانسان بالرجوع الى الله ؟ 
وماذا يعني التوحيد إلا أننا أمام حقيقة واحدة تظهر على مستويات عدة , مستوى 
صوري مجرد . ومستوى آخر إنساني حي ؟ 


والعلوم الطبيعية أيضاً كالعلوم الرياضية لم تخرج مباشرة من الكتاب والسنة و1 
تنم نموا علمياً خالصاً . ولوأننا نستطيع أن نجد بعض البواعث عليها مستمدة , من نواة 
الحضارة مثل التجريب والدعوة الى التأمل في الطبيعة ع والتوجيه نحو اكتشاف العالم . 
فهذه العلوم أيضاً جزء من موقف حصاري عام . فلا يمكن مثلا رؤية جابر بن حيان 
باعتباره كيميائياً فقط إذ ذ أن موقفه كعالم كيمياء ما هو إلا جزء من موقف أعم وهو موقفه 
كمفكر مسلم حتى ني الميادين التي تبدو لآول وهلة بعيدة كل البعد عن الأصول الأول في 
الوحي ؛ كالرياضيات والطبيعيات . خاصة إذا فهم الوحي نظرياً باعتباره بناء فكريا 
موضوعياً مكوناً من القبلي وهو الشرعي . والمقل ب" ٠‏ والواقعي . وهوما يظهر في اللغة 
كنظرية للمعاني الثلاثة للفظ : الشرعي أو الاصطلاحي . واللغوي أو الاشتقاقي . 
والعرني أو الشائع » وما يظهر في بعض جوانب التفكير الاسلامي من إتفاق صحيح 
المنقول مع صريح المعقول . أو كوحدة النقل والعقل . أو وحدة ما في الأذهان وما في 
الأعيان . فإذا كانت الرياضة قائمة على إتساق العقل فهي إذن تخرج من العقل الموجود 
في الوحي . وإذا كان العلم قائأ على اتساق الواقع فهو يخرج إذن من الواقعي الموجود في 
الوحي . وإذا كانت العلوم الدينية العقلية كالكلام والفلسفة والأصول والتصوف قائمة 
على الشرعي فهي تخرج من القبلي أو الشرعي المعطى في الوحي . ويكون المطلوب ليس 
دراسة العلوم الطبيعية منفصلة عن العلوم العقلية الأربعة بل إدخاها ضمن موقف 
عام . ويكون السؤال : هل العلوم الطبيعية يمكن ردها الى العلوم العقلية الأربعة أم أن 
العلوم العقلية الأربعة يمكن تطويرها بحيث تكون علوماً طبيعية ؟ وبتعبير آخر : هل 
دراسة الطبيعة هي في حقيقة أمرها دراسة للانسان بصورة غير مباشرة أم أن دراسة 
الانسان هي في حقيقة أمرها دراسة للطبيعة بصورة أقل جرأة وعلمية ؟ وبتعبير ثالث : 


104 


أما ما يسمى بلغة العصر العلوم الانسانية فهي أيضاً مستقلة عن العلوم الدينية 
العقلية الأربعة حسب نوعية كل منها فالجغرافيا مثلا م| وضحت عند الادريسي وغيره 
من الخغرافيين المسلمين مستقلة نسبياً عن العلوم الدينية العقلية ولو أننا نستطيع أن نجد 
البواعث عليها من توجيهات الوحى العامة لاكتشاف الأرض والسياحة فيها » والتأمل 
في السماء » والاهتداء بنجومها . وكثيراً ما يتحدث الوحي عن المطرء والجبال. 
والأنهار.» والزرع » والاشجار. والريح . والدواب . وهي كلها موضوعات في 
الجغرافيا بأنواعها المتعددة وفروعها المختلفة . أما التاريخ فإن الوحي يشير إليه باستمرار 
لا سيا وأن الوحي نفسه نظرية في تطور التاريخ وحركته كما هو واضح في قصص 
الأنبياء ٠‏ يحتوى على وصف لتطور التاريخ وتتابع الأمم وأسباب قيامها وسقوطها . وقد 
كان الوحي بالفعل أساسياً عند المؤرخين المسلمين في الاستشهاد به » وبالاعتماد على 
قوانينه » وفي توجيه حوادث التاريخ به . ويمكن القول بالمثل في علوم اللغة والأدب . 
وعلم النفس . وعلم الاجتماع . وعلم الأخلاق . وعلم القانون » وعلم السياسة . 
وعلم الاقتصاد . وعلم المنطق . وعلم الجمال . كلها علوم مرتبطة بالوحي وإن لم تظهر 
كعلوم مستقلة مثل العلم الدينية الأربعة المذكورة . بل إن كثيرا من هذه العلوم قد 
تدخل في أحد العلوم الأربعة . فالمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع يدخل في 
الفلسفة . وعلم السياسة وعلم الاقتصاد يدخل في الفقه . وعلم الجمال أدخل ف الأدب 
وفنون الشعر والنثر والخطابة . وهي أيضاً فنون ارتبطت بالوحي لا سيما أن الوحي ذاته 
نظرية في الفن بالاضافة الى أنه عمل فني . وتكون مهمتنا نحن في وصف الوحي 
باعتباره علا كليا يشمل كل هذه العلوم » وإرجاع هذه العلوم الانسانية الى مصدرها في 
الوحي . ويكون الوحي بالتالي هو العلم الانساني الشامل . 


أما العلوم الدينية التي قامت من أجل ضبط الوحي كتابة فهي علوم مؤقتة تنتهي 
بانتهاء دورها مثل علوم القرآن والحديث فهي مرتبطة بالأصول ذاتها » وتحرص على 
0 في كليتها بعيداً عن التحريف واللحن . فهناك علم القراءات واللهجات الذي 
من أجل ضبط قراءة النص . وعلم الحديث الذي نشأ من أجل ضبط الرواية . 

وهي علوم انتهت بانتهاء مهمتها أو باقية ببقاء مناهج النقل التاريخي وعلوم التاريخ 
وطرق التوثيق وإن شئنا إقامة علوم أخرى مثل العلوم الانسانية نظرأ لأن الدين يتناول 
قُْ جيمع قضاياه مشاكل من العلوم الانسانية . بل إن الدين نفسه موضوع للعلم 


1065 


الانساني » وهو تاريخ الأديان المقارن . وعلم التفسير نش من أجل ضبط معاني 
النتصوص والحصول على معاني الوحي طبقاأ لحاجات كل عصر وبناء على اتجامات 
المفسر . فهناك التفسيرات اللغوية » والتاريخية » والجغرافية » والفلسفية . والكلامية ‏ 
والصوفية ‏ والفقهية. وهناك التفسيرات الاجتاعية » والتفسيرات الثورية » والتفسيرات 

من أجل الابقاء على الأوضاع القائمة . والتفسير علم متجدد لأنه يعبر عن حاجة كل 
عصر . وهو مرتبط بعلوم القرآن . ومع ذلك يمكن إعادة بناء العلوم النقلية الخالصة 
مثل علوم القرآن والتفسير وعلم الحديث والسيرة وعلم الفقه من أجل إكتشاف دلالاات 
جديدة للعلوم القديمة مثل المي والمدني (التصور والنظام)» وأسباب النزول » (أولوية 
الواقع على الفكر) . والناسخ والمنسوخ ( الزمان والتطور ) أو من أجل إعادة بناء هذه 
العلوم طبقاً لحاجات العصر مثل نقد الحديث من حيث المتن ( الاتفاق مع العقل 
والحس ) . وإرجاع السيرة الى الحديث من أجل القضاء على التشخيص في الوحي . 
وإعطاء الأولوية لفقه المعاملات على فقه العبادات وتأسيس الدولة الاسلامية . 


ب العلوم العقلية باعتبارها ظواهر فكرية : 
نشأت لعلو الدينية العقلية وتطورت واكتملت داخل الحضارة الاسلامية مكونة 
جزءاً منها في أ بنية نظرية يمكن تحديدها بالنسبة الى الأسس النظرية التي تقوم عليها 
وتقييمها بالنسية الىى مصادرها الي نشأت منها منها أي باللسية الى نصوض الوحي . فعندما 
يتحول النص الديني الى فكرة والوحي الى حضارة ٠‏ تظهر العلوم العقلية كأبنية نظرية 
تقوم على فهم نظري للوحي ابتداء من تفسير عقلي للنص . فبناء العلوم العقلية يرجع 
في نشأته وتقييمه الى مصدره وهو النص الديني . فهذه العلوم ليست مواد تاريخية نشأت 
من وقائع محددة تتحول الى موضوعات ., ولكنها ظواهر فكرية نشأت في عقول 
المفكري- 2940 . نشأت أولاً كظاهرة فكرية في عقل مفكر واحد . عبر عنها في عمل 
فكري 2. ثم تلاه آخرون, ينهجون :بجه . ويطورون فكره . ويكملون مادته 2199 . . 
العلم العقلٍ إذن ظاهرة فكرية وليس ظاهرة موضوعية » خرجت من النص الديني عن 
طريق الفهم والتفسير . 
وتخضع هذه الظواهر الفكرية لبعض العمليات العقلية والحضارية التي تحدد 
طبيعتها وتكوينها . فالظاهرة الفكرية ظاهرة حية بالسبة للنص نفسه باعتباره موقفاً 
(104) أنظر ما قلناه سابقاً عن المتبج التاريخي . 
(105) وهذا مثل الشافعي في وضعه علم أصول الفقه في « الرسالة » ومثل الكندي في بدايته للفلسفة في « رسالة 


الكندي الى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى » . 


166 


إنسانياً فى أصله أو بالنسبة لشعور المفكر الذي تعيش فيه الظاهرة أو بالنسبة للبيئة 
الثقافية الداخلية والخارجية التي يعمل المفكر بها لها أو ضدها . ففي علم أصول الفقه 
مثلا تحول النص الديني الى حكم شرعي عن طريق القياس » وتحول دحي كله الى 
منبج . وني علم أصول الدين تحول النص الى معنى عن طريق الفهم أو التفسير . وفي 
التصوف حول النص الى سلوك خلقي عن طريق الزهد والرياضة روس وف 
الفلسفة تحول النص الى نظرة للكون وتصور للعالم لاحتواء نظريات كوي وتصورات 
العال من بيئة ثقافية أخرى . وهذه العمليات إما أغفل الباحثون عنها أو أساؤوا فهمها 
وأصدروا أحكاماً تعسفية تهبدف إلى إفراع الظاهرة من مضمونما ىا حدث ذلك في 
الدراسات التي تبنت المنيج التاريخي . مهمة الباحث إذن هو العثور على منطق لهذه 
العمليات يمكن أن يكون قانوناً لهذه الظواهر الفكرية » ويمكن أن يكون عناصر لبعض 
جوانب المنبج الاسلامي » وهوالهدف الأقصى لكل باحث في العثور عليه . وهو أيضاً 
الهدف الأقصى من « التراث والتجديد » كله . قد تظهر هذه العمليات في أحد العلوم 
بصورة أوضح مما تظهر في علم آخر ء ولكن مهمة الباحث هي تقصي هذه الظواهر في 
كل علم على حدة . والتعرف على عمليات عامة خضعت للا العلوم كلها بلا استثناء . 


فعند المناطقة مثلاً سواء كانوا شراحاً أم فلاسفة نجد أن هناك عملية معينة سادت 
تفكيرهم المنطقي بالنسبة للمنسطق الأرسطي وهي عملية « الاحتواء » . فالوحي أو 
النص الديني جنوي على عناصر ثلاثة : الشرعي ., والعقلي . والواقعي . الشرعي هو 
الجديد الذي أتى به الوحي كمعطى قبلي سابق » وقد جاء بناء على دعوة العقل 
والواقع ؛ ومتكيفاً طبقاً هما . والعقلي هو البديبي الذي يرتكز عليه الوحي في العقل 
الانساني . والواقعي هي الواقعة التي يرتكز عليها الوحي في العالم خاصة وأن النص 
أساساً إن هو إلا حل فكري وعملي لموقف معين. وهومايسمى «بأسياب 
النزول225696. فإذا تبنى المناطقة المسلمون قسمة المنطق الأرسطية الى تصور وتصديق» 
التصور ينال الدع والتصديق ينال بالشرهان . فلأن هذه القسمة كانت من البداهة 
العقلية والتجانس المنطقي ضمن العقلى » وهو العنصر الثاني من عناصر الوحي . 
بعدها يمكن تأيبد النظرية بحجج جديدة عقلية أو حتى بشواهد من النص . ؛ كما يمكن 
استخراج نتائج جديدة منها بل وتضخيم البناء النظري لما دون أن يكون هناك أثر أو تأثر 
بالمنطق الأرسطي . كل ما حدث هو« احتواء » . بل إنه يمكن عرض القسمة الأرسطية 


(106) أنظر رسالتنا : 769616 كصدمل 1ل 011ىم 2 عتناأع ناد ,3 رك رعناعهم 2 عوفع6 0*8 وعل0 طانم وعب1آ 
-309 .ص2 


167 


للمنطق باعتباره نظرية عقلية خالصة وهو العنصر الثان للوحيى7"') 


وعند الفلاسفة حدثت عملية حضارية أخرى يمكن تسميتها «التشكل الكاذب» 
يتم بواسطتها التعبير عن مضمون إسلامي أصيل في صورة لفظية من بيئة أخرى 
متاحمة . فالمعنى الذي ينتج في الغالب من فهم لنص أو تفسير له يعير عنه بلفظ أجنبي 
أصبح شائعاً ومألوفاً » وصار جزءاً من ثقافة المفكر العامة(2)199 فمثلاً « العقل الفعال , 
اصطلاح من بيئة ثقافية مغايرة هى الثقافة لمواتية : يمكن التعبير به عن المعنى العقلٍ 
لله فيإحدى صفاته وهو العلم في نظرية النبوة أو القدرة في نظرية الخلق . فمن يطلق 
عليهم اسم ١‏ المشاؤون المسلمون » هم في الحقيقة مفكرون قاموا بالتعبير عن مضمون 
إسلامي أصيل في قالب لفظي إنتشر في بيئتهم » وتشبعوا به من ثقافتهم ٠‏ واستعملوه في 
لغتهم . فالتشكل الكاذب ظاهرة لغوية محضة خاصة بالاصطلاحات ٠‏ ويعني التعبير 
عن معنى من البيئة الثقافية الأصلية بلفظ مستعار من بيئة ثقافية أخرى دخل الى البيئة 
الأصلية عن طريق الترجمة وأصبح شائعا مألوفا. والتشكل هنا يعني التعبير عن مضمون 
أصيل . وهو المعنى في صورة مغايرة له مستعارة هي اللفظ . وهو كاذب لأنه لا يمس 
الجوهر أو المضمون ولا يمس إلا العرض وهي الصورة . إغفال هذه العملية الطبيعية 
التى نحدث كلما التفت حضارتان » حضارة ناشئة » وحضارة قديمة » واستعارة معان 
الأولى لألفاظ الثانية يؤدي إلى إصدار أحكام خاطئة عن الأثر والتأثر كما حدث في المنبج 
التاريخي . في حين أن الله هو واجب الوجود . والواحد , والمحرك الأول . 
والمعشوق . والخير الأقصى . والعقل . والعاقل . والمعقول . والعلة الأولى » الى آخر 
هذه الألفاظ التى تعبر عن المضمون الواحد وهو الله . ومنطق التجديد اللغوي إن هو 
إلا محاولة لاعادة هذه العملية من جديد ليس مع الثقافة القديمة كا كان الحال عند 
القدماء بل مع الثقافة المعاصرة لنا وهي الثقافة الاوربية التي أصبحت مشاعة بيننا الآن 
ومتداولة عن طريق الترجمة التي أصبحت وبدأت من قبل منذ قرنين من الزمان2"9 . 


(107) الامثلة على ذلك كثيرة منها ابن حزم في « التقريب لحد المنطق » والغزالي في مقدمة « المستصفى » . 

(108) قرأت الاصطلاح لأول مرة .وعرفته بالمصادفة وآنا بصدد قراءة كتاب الدكتور . عبد الرحمن بدوي عن 
«اشبنجلر» ونظريته في إلتقاء الحضارات وما سماه التشكل الكاذب . ومنذ ذلك الوقت وأنا استعمل اللفظ. 
دون تطبيق نظرية أشبنجلر أو غيره ٠‏ للتعبير عنمضمون ظاهرة لاحظتها وأنا بصدد الكشف عن العلاقة بين 
الفلسفة الاسلامية والفلسفة اليونانية قديماً . عنع010طم:20-ه0ناءوم 1.8 . ش 

أنظر أيضاً رسالتنا «ن -ع«لعمدآ .وم رعوقع 86 "ل وعلم طامط وم1 . 
(109) أنظر ما قلناه سابقاً عن منطق التجديد اللغوي . وكذلك ما قاله الفارابي في كتاب « الحروف » . 


168 


فالفلسفة إدن تمثل غطأ واحدأً من أنماط الفكر الإسلامي في التاريخ هو الفكر 
الحضاري الذي يعمل على حافة الحضارة الاسلامية .» ويجحرس حدودهاء, ويجدد 
مفاهيمها بالاتصال بالبيئات الثقافية الأخرى9١'؟2‏ . وغير صحيح على الاطلاق أنها 
دوائر منعزلة عن الفكر الإسلامى أو أنها تابعة للفلسفات المترحمة من بيئات ثقافية مغايرة 
وأنها لا تتعدى حدود شرح بعض جوانبها المنطقية أو الطبيعية أو الميتافيزيقية أو بلغة 
عصرنا أنها تمثل تبعية فكرية للغرب ووكالة حضارية له . وهو حكم قائم على مجرد التشابه 
أو التقارب اللفظي أو المعنوي الذي قد يظهر بين الفكر الاسلامي والميئة الثقافية المغايرة 
كاليونانية مشلا مما يؤدي الى إطلاق أحكام الأثر والتأثر أو التقليد الكامل . وهذا غير 
مطابق للواقع وعدم معرفة بطبيعة العمليات الحضارية الناشئة عن إلتقاء حضارتين » 
إحداهما ناشئة ئة والأخرى قديمة . والواقع يبين أولا أنه إبتداء من عصر الترحمة الذي يعد 
فتحاً جديدا للحضارة الاسلامية بل وبدايتها مثل عصر التدوين أو مثل الفتوحات 
الفعلية » ظهر الفكر الإسلامي باعتباره أوسع نطاقاً وأقل حدوداً من الكتب المترحمة . 
ويدل على ذلك طرق الترحمة ٠.‏ وكيفية ترجمة لفظ أجنبي بعدة ألفاظ عربية ' فالترجمة لم 
تكن تلهفاً على الفكر الأجنبي ولكنها كانت فتحاً جديداً للفكر الاسلامي . وموقفا 
أصيلا باعتباره اختياراً لمواضيع معينة كالفلسفة والمنطق والعلوم الرياضية والطب 
والكيمياء دون مواضيع أخرى كالشعر الغنائي أو الشعر المسرحي بالرغم من أن الثقافة 
الاسلامية قامت في مجتمع يجد تاريخه في شعره . ويبين الواقع ثانيا أن الأعمال التي قام بها 
الشراح لا تل تبعية مدهبية بل هو عرض فكري لبناء نظري ممكن لا يقف أماءه 
معارض شرعي أو عقلى . المنطق باعتباره آلة للعلوم . لم لا ؟ المنطق باعتباره إما تصور 
ينال بالحد أو تصديق ينال بالبرهان . ما المانع من ذلك ؟ الفلسفة باعتبارها محبة 
للحكمة أو دراسة للوجود بما هو موجود . ما المعارض في هذا ؟ الشرح إذن هو عرض 
من داخل الحضارة الاسلامية نفسها لنظريات عقلية ممكنة لا يؤيدها الشرع أو يرفضها 
بل هي ممكنة عقلا . وما دامت كذلك فإن الشرع يؤيدها . وكثيراً ما يؤيد الشراح 
شروحهم بمزيد من البراهين والحجج العقلية بل والنصوص الدينية » ويعطون تطبيقات 
جديدة لهذه النظريات من بيثتهم الثقافية الخاصة . ليس ذلك تلفيقاً بل هو تأكيد لبناء 
نظري ممكن . ثم يأني دور الفلاسفة ٠‏ وهم ليسوا شراحاً فحسب » بل هم مفكرون قد 
يثبتون الفكر المنقول أو قد يرفضون . فمنهم من يرقض الله كمحرك أول وأن العالم 
(110) ولذلك فلا محل لتصارع الآراء حول الاسم : الفلسفة الاسلامية . فلسفة الاسلام ء. الفلسفة في 
الاسلام . فلسفة المسلمين لأنها نمطا حضاري مستقل عن الأشخاص ويتعامل مع بيئتين ثقافتين من أجل 


إحتواء الدخيل . وتأصيل القديم نظراً لانساعه وشموله . 


169 


قديم ويثبت الله خالقاً والعالم تحلوقاً ومنهم من لا يرى غضاضة في إثبات الله كعلة أولى 
وأن العالم قديم . وكلاهما يضع في اعتباره الاحتمال العقلي . 

وتصاحب هذه العمليات الطبيعية بعض الظواهر الايجابية والسلبية . فعندما 
يتحول النص الديني الى دكرة » والوحي الى حضارة . تظهر العلوم الدينية العقلية 
كأبنية نظرية تقوم على فهم نظري للوحي إبتداء من تفسير عقلي للنص . فبناء العلوم 
التقليدية يرجع في تقييمه الى مصدر نشأته وهو النص الديني . الظاهرة الايجابية هي 
الظاهرة الفكرية التي تصدر من النص الديني بعد فهمه أو تفسيره ثم تعود إليه دون أن 
يكون لها بقايا يرجع أصلها الى التاريخ أو بيئة ثقافية أخرى باستثناء الألفاظ 
والمصطلحات . وبتعبير آخر . الظاهرة الاعاية هو النص الديني نفسه بعد امتداده في 
صورة فكر . ويمكن هذا الامتداد أن يرجع الى أصله لو غاب سبب التوتر والشد . 
فمثلا في علم أصول الفقه ومن قبل في علم الحديث » تحول الحديث الى منطق تاريخي 
للنقل . التواتر والآحاد للسند . والنقل با معنى والوضع بالمعنى للمتن . ىا تحول النص 
القرآني الى منطق علة قائم على تعدية حكم الأصل . وهو حكم النص في الواقعة 
المثالية » إلى الفرع . وهو الواقعة الجديدة لاتحادهما في العلة . كما تحول النص الديني 
بوجه عام الى منطق للفعل بعد ظهوره على مستويات خمسة للسلوك . وهي أحكام 
التكليف . وفي علم أصول الدين تحول النص أيضاً الى معنى أو الى موضوع نظري مثل 
النظر والعمل . العقل والنقل . الحرية والاختيارء الذات والصفات . . . . الخ . 
وفي الفلسفة تحول النص الديني الى نظرة شاملة الى الكون . والى تصور فلسفي عام . 
والى وضع الانسان بين عالمين . الفكر والواقع » وهي قسمة الفلسفة الى منطق , 
وطبيعيات » والهيات . وفي التصوف تحول النص الديني الى بناء وتطوز للشعور , والى 
علم وصف للمعطيات الشعورية . فالظواهر الايجابية هي التي تكون البناء النظري 
للعلم وهي التي يجب البحث عنها واستقصاؤها وذلك بالرجوع الدائم الى النص الديني 
ثم بالخروج منه . فالظاهرة الفكرية هي هذا الشد والارخاء من النص الديني وإليه . 


أما الظواهر السلبية فهي الظواهر التي لا أصل ها في النصوص الدينية والتي لا 
كن ا ترجع اليها . وبتعبير آخر هي الظواهر المتبقية والتي يرجع أصلها إما الى 
التاريخ أو إلى أصول أخرى والتى لا يمكن إرجاعها الى النص الديني . ونحدث هذه 
الوا السلبية عندما تفقد الظاهرة الفكرية تكامل عناصرها أو نتيجة لعمل الفكر 
نفسه . فإذا كان تحول النص الدينى الى معنى عقلى ظاهرة إيجابية لحياة حضارية ناشئة 
فإن ترسّب؛ هذا المعنى وسكونه في حضارة ما ظاهرة سلبية لحياة منتهية . ففي علم 


10 


أصول الفقه تحول النص الى حكم عن طريق منطق استقرائي ذي طابع عقلي صارم . 
متشبع بقسمة عقلية تتشعب الى قسمة عقلية أخرى » وهكذا الى ما لا نهاية . فظاهرة 
التشعب الفكري ظاهرة سلبية وذلك لأن النص لم يعد معنى حدسياً عن طريق الفهم . 
وفي علم أصول الدين تحول المعنى المستخرج من النص إلى حجة عقلية » تنقسم الى 
حجج ثانية » وهذه الى ثالثة إلى ما لا نهاية . فظاهرة الاستدلال المستمرة ظاهرة سلبية 
ل لعن لم يعد مستخرجا من النص بالفهم الخندسي المبار . صحيح أن التنظير ظاهرة 
إيجابية » ولكن تشعب التنظير وصوريته ظاهرة سلبية . وي التصوف حول معنى النص 
الى وجدان على وجدان حتى انتهى الى تحليلات 31 تنتهي للشعور الانساني في أدق 
جوانبه في حين أن النص الديني شعور ولكنه شعور يتجه نحو الفعل . وتشخيص 
العواطف والانفعالات وتجسيمها وتجسيدها ظاهرة سلبية كذلك لأن المعنى الشعوري 
يظل معنى ولا يتشسخص إلا من عاجز عن تحقيق هذا المعنى كبناء مثالبي للعالم . والرجوع 
الى الداخل أو الصعود الى أعلى ظاهرة سلبية ثالثة لأن معنى الوحي وإن كان يبدأ من 
الشعور الداخلي ! إلا أنه يتوجه نحو الخارج كي يتحقق كبناء إجتماعي . وهدفه هر تحقيق 
ذلك الى الأمام وليس إلى أعلى . وقد يكون التصوف هو أكثر العلوم إحتواء على الظواهر 
السلبية . وأخيرأ في الفلسفة تحول النص الى تصور للعالم محدد بالزمان والمكان » والنص 
الديني لا يساوي هذا التصور فإنه أقل حكاً على العالم 5 وأكثر شمولا لجوانب أخرى . 

معنى السلب إذن هي المغالاة في الطابع العام للنمط الفكري ». رهي نتيجة للفكر 
نفسه . فلا توجد حضارة تقدم ظواهر إيجابية دون أن تقدم معها ظواهر سلبية » وهذا 
هو معنى نتحول الوحي الى حضارة . 

وقد ترجع الظاهرة السلبية الى نقص في توازن الظاهرة الفكرية باعتبارها ظاهرة 
متكاملة تعبر عن معنى النص الديني وعن الوحي باعتباره بناء نظرياً شاملا . كما تنتج 
أيضاً من عمل الفكر ني النص » والتاريخ في الوحي . فالنص في طبيعته حقيقة متكاملة 
تحوي تحليلاً موضوعياً لحوانب الواقعة التي يتعلق بها . والفكر بطبيعته ذو جانب واحد 
مهما دنا من نظرة متكاملة للامور . يظل الفكر وجهة نظر ورأياً شخصياً مها قيل في 
موضوعيته وحياده . ومعظم الانتقادات التي توجه من علم تقليدي إلى علم آخر توجه 
أساساً لهذه الظواهر السلبية باعتبارها خارجة عن معنى النص أو عن المعاني العامة 
للنصوص أي عن روح الشريعة وجوهر الوحي . فمثلا في علم أصول الفقه تحول 
مجموع النصوص الى قوانين وأحكام مع أن المعاني العامة لهذه النصوص ليست مقصورة 
على ذلك . ومن هنا أىق هجوم التصوفٍ على الفقه كله باعتباره حرفياً » خارجياً . 
مائتاً ٠‏ فارغاً » عقييا . سطحياً . ساكناً . . . الخ . وفي التصوف تحول النص الى 


1/1 


وجدان وقلب . وحب وعشق , واتحاد وحلول مع أن النص ليس مقصوراً على ذلك » 

ومن هنا أتىق هجوم الفقهاء عليه باعتباره ذاتية » وظناً » وتجسيا . وتشبيهاً . ولي علم 
أصول الدين . تحول النص الى معنى نظري أقل إتساعاً من النص . أكثر تحديداً لما ل 
يحدده النص مثل : الله » وخلق الأفعال . . . . الخ . ومن هنا جاء الرفض للفرق 
الكلامية باعتبارها لا تمثل إلا أمزجة شخصية لمفكريها أو اختيارات سياسية لمواقف 
محددة . وفي الفلسفة تحول النص إلى معنى وإلى تأمل يؤدي إلى التقوى العقلية التي يتم 
بواسطتها تحويل النص كله الى خاصة العقلاء وليس إلى جمهور المؤمنين . ومن هنا أق 
هجوم الفقهاء على الفلسفة باعتبارها إعلاء للعقل على الحس . وللتقوى الباطنية على 
الأعمال الخارجية . فالعلوم العقلية تصحح ظواهرها السلبية بعضها بالبعض الآخر مع 
أنها كلها ردود فعل مشتركة بينها جميعاً . وتكون مهمة ١‏ التراث والتجديد » حينئذ إبراز 
الظواهر الإيجابية » والقضاء على الظواهر السلبية في العلوم العقلية . 


ج ١‏ التراث والتجديد » وقضية توحيد العلوم 

بالرغم من أن التراث أعطانا علوماً عقلية أربعة متمايزة هي الكلام والفلسفة 
والتصوف وأصول الفقه إلا أن الغاية النبائية من « التراث والتجديد » هو توحيد العلوم 
كلها في علم واحد يكون مرادفاً للحضارة نفسها . فالعلوم كلها تحاول فهم الوحي 
مويله الى نقرية كيا عو اك ني الكلام واشلسفة أو الى منوج كا هو امال في الأصوا. 
والتصوف . ولكن الغاية النبائية هو تحويل الوحي ذاته الى نظرية أ والى علم أو الى منيج 
أو إن شئنا الى « مهاج » . 


وتوحيد العلوم أمر تمكن لأن كل علم يشير الى العلوم الأخرى بالمقارنة وغالباً 
التفنيد والنقد . ففي علم الكادم نقد للفلسفة خاصة فيما يتعلق بالافلاك والمعاني 
والعقول وقدم العالم . وفيه أيضاً نقد للتصوف وأفكاره عن الزهد والاتحاد والحلول . 
ويتضمن أحياناً بعض اللمباحث الفقهية والأصولية في خير الواحد. والمباحث اللغوية. 
والقياس والاجتهاد . وفي الفلسفة نجد إشارات مقتضبة الى علم الكلام بالرفض لأنه 
ما زال عام تقليديا لا يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد » يقوم عل النص وليس على العقل 
الخالص ٠‏ ما زال واقعأ في التشبيه والتشخيص . ولم يستطع أن يتصور الله على أنه 
وجود . كا تشير الفلسفة الى التصوف وتتحد بها في الاشراقيات خاصة عند الفارابي 
وابن سينا . ولكنها نادراً ما تشير الى المباحث الآصولية إلا فييها يتعلق بمنهاج التفسير , 
وأخذ جانب المجاز . والمتشابه » والمجمل » والمؤول . والمطلق وتفضيله على جانب 
الحقيقة » والمحكم . والمبين . والمقيد » والظاهر حتى يستطيع الفيلسوف تأويل النص 


1/2 


بما يتفق مع العقل . وي التصوف نجد إشارات مستمرة الى الكلام والفلسفة والأصول 
بالرفض والتفنيد . فالله ليس كما تصوره علماء ادم منزهاً ‏ والمحقيقة ليست كم 
والحقيقة قلبية . والمعرفة كشفية . وأخيراً قُْ أصول الفقه نجد إشارات أخرى الى 
التصوف فيا يتعلق بالأحوال وكيف أنها لا تصح أن تكون سلوكاً عام للناس جميعاً أو 
إشارات ثالثة الى الفلسفة في بعض المباحث المنطقية . فوحلة العلوم ممكنة من خلال 
صورة كل علم في العلم الآخر . 


وكثيراً ما يند عديد من المفكرين عن التصنيف مثل الغزالي . فهو ليس متكلا 

فقط ولا أصولياً فقط ولا منطقياً فقط ولا فيلسوفاً فقط ولا صوفياً فقط بل هو كل ذلك في 

نفس الوقت 3 وكأن وححجلة الحضارة وعلومها تظهر من خلال وحدلة الفكر وثقافته . 
كذلك ابن تيعة؛ فهر يي أصوايا فط ا بيط او طن قط أر كا قف ار 
بلسوف فقط بل هو كل ذلك في آن واحدا''» . وكذلك ابن سينا . هل هو فيلسوف 
وحذلة الحضارة مكنة إذن من خلال و وحدة المؤلف . 


وتوحيد العلوم أمر يكن ؛ فالتراث والتجديد مع أنه دراسة في الفكر إلا أنه يقوم 
على منبج فقهي بمعنى أنه يطبق على الفكر القياس الفقهي , ويعتمد على الاجتهاد في 
الفكر . فكل ما يتفق مع الصالح العام في التراث القديم يبقى ويثبت . وكل ما يخالف 
الصالح العام يرفض وينقد . فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع . بل إن 
الشرع ذاته قائم على أساس المحافظة على المصلحة التي ساها الأصوليون الضروريات 
الخمس : الدين . والحياة » والعقل . والعرض . والمال . « التراث والتجديد » دراسة 


(111) قد يكون من العجيب اعتبار ابن تيمية أكثر من فقيه . يمثل فكره فكر الفقهاء . وهو الفكر الحسارس 
للثراث , والمطهر للنص . والمخلص له من كل الشوائب الحضارية التي تعلق به على مر العصور . لكن ابن 
تيمية هو أصولي ومتكلم وفيلسوف بقدر تناوله هذه العلوم العقلية بالنقاش والنقد والتمحيص دون أن يلتزم 
بوضع معين لهذه العلوم في تاريخ الحضارة . فهو متكلم وأصولي بدرجة مناقشته هذه العلوم حتى إن لم 
يتبناها كلها أو إحداها في صورتها التاريخية » وبدرجة إعطائه الحلول الشرعية للمسائل التي أثارتها هذه 
العلوم مثل التوحيد » والأفعال ؛ والإيمان . والامامة في الكلام . والاجماع والقياس والمباحث اللغوية في 
الأصول . والحب . والكرامة ٠‏ والولاية » والكشف . والخلول في التصوف . ولمعاني الكلية والأساليب 
المجازية في الفلسفة . 


1/3 


قهية يقوم بها فقيه في الحضارة الاسلامية ككل وليس في الفقه وحده . وقد كان هذا 
ملوك الفقهاء من قبل عندما كانوا يفتون في الفقه » ويضعون قواعد الأصول ثم 
طبقون القياس الشرعي في الأفكار المتداولة في بيثتهم الثقافية في الكلام أو الفلسفة أو 
لتصوف . وببذا المعنى كان الفقهاء حراس المدينة » وكانوا هم الحريصون على أصالة 
لقديم وجدته المستمرة . فتوحيد العلوم إذن قائم لحساب الفقه والأصول أي لحساب 
لصلحة العامة التي هي في نفس الوقت مقياس التراث » وأساس الوحي . ومطلب 
لعصر . 
وتوحيد العلوم أمر ممكن وذلك بأخذ كل ما أعطته العلوم التقليدية وما لبى 
طالب العصر . فتأكيد الحرية في علم التوحيد » والعقل . والعمل . والشورى . كلها 
فكار تعبر عن أهم ما أعطى علم التوحيد القديم وما يلبي نداءات العصر . وتشوقه 
حو التحرر والعقلانية . والعمل » وحكم الشعب لنفسه . وتأكيد العقل وإمكانياته 
لني لا حدود لها في التفسير والفهم وهو أهم ما أعطته الفلسفة وهو في نفس الوقت تلبية 
“حتياج العصر الى عقلانية وتنظير . وتأكيد رسالة الانسان في الحياة وإحساسه بالدعوة 
الغاية » وعمله لتحقيقها » ووهب حياته كلها لذلك . وهو أهم ما أعطاه التصوف » 
مو أيضاً تأكيد لمطلب العصر ء. وتحقيق إحساسنا الرسالة » وقضاء على الترهل 
,الانسياب والخواء السائد في العصر . توحيد العلوم إذن أمر ممكن بناء على ما أعطته 
هذه العلوم في التراث وبناء على احتياجات العصر . 

وإذا كان التراث القديم قد أعطانا علوماً عقلية أو علوماً دينية أو علوماً شرعية أو 
علوماً نقلية أو علوماً شرعية عقلية أو دينية عقلية إلى آخر هذه التسميات التي توحي بأن 
العلم بمعناه القديم كان مجرد إعمال للعقل في النص الديني » فإن العصر الحاضر هو 
عصر العلوم الانسانية . وبالتالي تكون مهمة « التراث والتجديد » هي نحويل العلوم 
العقلية القديمة الى علوم إنسانية » وأن يصبح الكلام والفلسفة والتصوف والأصول . 
كل منها علم) إنسانيا » قد يسهل ذلك في أحدها . ويصعب في الآخر. ويتحدد. ذلك 
بدرجة قرب العلم التقليدي أو بعده هو ذاته عن العلم الانساني . فمثلا من السهل 
تحويل علم أصول الفقه الى مناهج بحث . والفقه الى علم إقتصاد وتشريع وسياسة . 
والتصوف الى علم نفس وأخلاق » وعلم الحديث الى علم نقد تاريخي . ولكن يعصب 
الأمر قليلا إذا أتينا الى الكلام والفلسفة . هل يمكن تمحويل « الثيولوجيا» إلى 
( أنثروبولوجيا » ؟2)0120 ولكن الانثروبولوجيا المعاصرة دراسة لنشأة الانسان وليس 


(112) سمح لأنفسنا ف أقل الحدود باستعهال الكلمات المعربة كما سمح القدماء لأنفسهم بذلك فقالوا : 


114 


لاهية الانسان . كما أنها دراسة للبدن وللتطورات التي طرأت على الهيكل العظمي عبر 
التاريخ » وليست دراسة للفكر أو الحضارة إلا في الانثروبولوجيا الحضارية . ولكن 
كثيراً من مشاكل علم الكلام يوجد حلها في العلوم الأخرى . فالامامة تدخل في العلوم 
السياسية . والعقل والنقل يدخلان في نظرية المعرفة ومناهج البحث لأنها مشكلة 
منبجية » وخلق الأفعال يدخل في علم النفس . والتوحيد في علم النفس الاجتماعي . 
والفلسفة أيضا يمكن تحويلها الى علم إنساني وذلك بوصف وضع الانسان في العالم » 
وتحليل الخيرات الشعورية عند الانسان وإدراك معانيها . يمكن أن يدخل المنطق في 
الفلسفة القديمة كجزء من مناهج البحث . والطبيعيات كجزء من علم الطبيعة » وترد 
الألحيات الى علم النفس الاجتماعي أو الى علم اجتماع المعرفة . 

وإذا كان التراث قد أعطانا علوم عقلية عبر فيها عن آخر ما وصلت اليه قدراته 
من تعقيل للنص . وتنظير للوحي » وإذا كان التجديد باستطاعته تحويلٍ هذه العلوم 
التقليدية الى علوم ! إنسانية » فإن العصر الحاضر يود القيام بخطوة أكثر تقدماً وهي نخويل 
العلوم الانسانية وريثة العلوم التقليدية الى أيديولوجية . وتلك هي الغاية القتصوى من 
و التراث والتجديد». فإذا قال القدماء: الانسان حيوان ناطق فإننا نقول : الإنسان 
حيوان أيديولوجي . فالعلوم العقلية القديمة بتحويلها الى علوم إنسانية معاصرة يمكن 
بعد ذلك نحويلها الى أيديولوجية تجيب مطالب العصر . والأيديولوجية ليست مجرد 
مجموعة من الآراء والنظريات تعطينا تصوراً للعالم قائ) على أساس التاريخ والطبقة . ولا 
تطابق الواقع في شيء بل الايديولوجية علم . وعلم نظري وعملي على السواء . 
الأيديولوجية علم نظري لأنها تعبير نظري عن مطالب الواقع » وعلم عملي لأنها تعطي 
وسائل تحقيقها بفعل سلوك الجاهير . فإذا كانت بداية العلوم العقلية التقليدية هو 
الوحي فإن نباياتها هي الأيديولوجية . « التراث والتجيد » في النهاية إن هو إلا تحويل 
للوحي من علوم حضارية الى أيديولوجية أو ببساطة تحويل للوحي إلى أيديولوجية . 
وارتباط الأيديولوجية بالواقع » وتعبيرها عن عصر معين لا يعني أنها متطورة ومتغيرة 
باستمرار.» فالوحي أيضا علم للمبادىء العامة التي يمكن بها تأسيس العلم ذاته 
وتأسيس العلوم الحزئية » والتي يمكن أن تكون الأساس العقلي للأيديولوجية . تكون 
مهمة « التراث والتجديد » إذن تحويل الوحي الى علم شامل يعطي المبادىء العامة التي 


- الموسيقى . الانالوطبقا . . . . الخ وذلك من أجل التقابل بين « علم الله » « وعلم الانسان » أنظر مقالنا 
4 -233 .مم ,عتعمامممعطاصف ننه عتعهل!مفط 1 
أنظر أيضاً ما قلناه من قبل عن الاشتباهات, في منطق التجديد اللغوي ‏ الشذوذ اللغوي . 


1/5 


هي في بفس الوقت قوانين التاريخ وحركة المجتمعات . فالوحي هو منطق الوجود . 
د الخطة العامة لمشروع «١‏ التراث والتجديد ) 
«التراث والتجديد» هو العنوان العام للمشروع كله لأنه لا يعالج فقط مناهج 
البحث في التراث القديم بل يعالج التراث ذاته كمشكلة وطنية هي مشكلة الموروث وأثره 
النفبى على الجاهير وموقفنا بالنسبة له » ووسائل تطويره وتجديده . فالمعركة الحقيقية 
الآن معركة فكرية وحضارية ولا تقل أهمية عن المعركة الاقتصادية أو المعركة المسلحة إن 
لم تكن أساسها . وإن الهزيمة المعاصرة هي في جوهرها هزيمة عقلية كا أنها هزيمة 
عسكرية . وإن الخطر المداهم الآن ليس هو فقط ضياع الأرض بل قتل الروح وإماتتها 
الى الأبد ٠‏ وانجرارنا الى نقد الأصالة في تراثنا القديم ونقدنا المعاصرة التي حاوهها تراثنا 
القديم مع الثقافات المعاصرة له . « التراث والتجديد » هو مشروع الأصالة والمعاصرة 
التي لم نستطع أن نحققها حتى الآنء وبعد توالي الهزائم » ولم نكن نلمسها إلا دعاية أو 
إدعاء . 
ويشمل « التراث والتجديد » ثلاثة أقسام . تعبر عن موقفنا الحضاري ال حالي 

الذي يحدد إنجاهات الدراسة والبحث . 


القسم الأول : موقفئا من التراث القديم 


وهدف هذا القسم إلى إعادة بناء العلوم التقليدية ابتداء من الحضارة ذاتها , 
بالدخول في بنائها » والرجوع الى أصوطا لبيان نشأتها وتطورها . سواء بالنسبة الى كل 
علم أو بالنسبة لمجموع العلوم . ويتم ذلك بالاشارة الى هذه الأصول نفسها . والبدء 
منها واستعمال لغتها . والتفكير مع مؤلفيها بدون أية إشارة الى عوامل خارجية من 
ظروف أو تأثرات إلا إذا اعتيرت هذه الظروف كمثيرات وهذه التأثرات كتشكل 
كاذب . وهي العملية التي تتم بين اللغة والفكر ء التعبير عن مضمون الفكر بلغة 
جديدة . فلا توجد أية إشارات الى حضارات أخرى معاصرة قديمة أو حديثة لأن هذا 
القسم الأول يعيد العلوم التقليدية من الداخل وليس بإرجاعها الى مصادر خارجية عنها 
أو تطويرها بتعليقها على علوم في حضارات أخرى . كل ما يدف اليه هذا القسم هوأن 
تدور عملية الحضارة . وأن تسير من جديد حتى يعاد ربط الفكر بالواقع . والعلوم 
بالتاريخ . أما ما يبدو وكأنه صدر لا محالة من حضارة أخرى سواء في اللغة أو في 
المفاهيم أو في المناهج . وكان الأمر كذلك فإن ذلك كله له أصوله في التراث وله واقعه 
في واقعنا المعاصر إما من حيث المطلب أو من حيث الثقافات الشائعة المتداولة السارية في 


1/6 


ثقافتنا المعاصرة . لقد أصبح ذلك كله نجزءا من وجداننا المعاصر, ول يعد دخيلا عليه . 
واستععال ألفاظ الفكر. والواقع » والشعور . كل ذلك له ما يرادفه في التراث القديم . 
وله ما يبرره في تحليلات الواقع وإن كان لا ما يشامهها في الثقافات الأخرى المجاورة التي 
دخلت ثقافتنا المعاصر ة بفعل التقاء الحضارات . وذلك لا يتعدى استعمال أساليب 
العصر وليس استعمالا لأساليب مستعارة . 


ويشمل القسم الأول من « التراث والتجديد » وهو «١‏ موقفنا من التراث القديم 1 
ثهانية (سبعة) أجزاء » كل جزء خاص بعلم قديم , (ثم جزء ثامن على النحو الآتي) : 
الخزء الأول : علم الانسان١‏ من العقيدة الى الثورة ) 

وهو محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين التقليدي . وقد بدأنا بهذا العلم لأنه 
أول العلوم الإسلامية من حيث الظهور » ومرتبط بالبيئة الإسلامية أشد ارتباط » ولم 
يبخضع لأي أ 9 ثر خارجي في نشأته ٠‏ بل كان الدافع عليه الأحداث السياسية التي زخر بها 
العالم الإسلامي منذ الفتنة ما حدى بالبعض الى اعتبار هذا العلم هو الفكر الإسلامي 
الأصيل . كا أنه أخطر العلوم التقليدية على الإطلاق على الإنسان والحياة . والفلسفة 
ذاتها تمثل تقدماً بالنسبة له , وأقل خطورة منه . وهو العلم الذي يمكن بواسطته سد 
النقص النظري في واقعنا المعاصر . والذي يمكنه أن يمدنا بأيديولوجية عصرية » تشمل 
على لاهوت الثورة . ولاهوت الأرض . ولاهوت التحرر . ولاهوت التنمية » ولااهوت 
التقدم ٠.‏ وهو العلم الذي يعرض للوحي 2 أساسه النظري . والذي يمس لب الدين 
وجوهر العقيدة . والذي يعرض لحقيقة الايمان. لذلك سمه القدماء الفقه 
الأكير(112) . 
الجزء الثاني : فلسفة الحضارة ة (:من النقل الى الابداع ) 

وهي محاولة لإعادة بناء الفلسفة التقليدية » وتوضيح طبيعة العمليات الحضارية 
التي حدثت في الفلسفة الاسلامية القديمة نتيجة لتقابل الحضارة الإسلامية الناشئة مع 
الحضارة اليونانية الوافدة مع تناول ما حدث في عصرنا الحاضر منذ القرن الماضي من 
موقف مشابه من التقاء الحضارة الاسلامية الناهضة مع الحضارة الاوربية الغازية . ومع 
أن الفلسفة الاسلامية آخر العلوم التقليدية في الظهور لأها لم تنشأ إلا بعد عصر الترجمة 
في القرن الثاني إلا أننا قد ثنينا مها لأنها تشارك علم أصول الدين في طابعه النظري في 


(117) هو أبو حنيفة في كتابه المشهور « الفقه الأكبر» بالنسبة الى الفقه الأصغر وهو الفقه . ( صدر بهذا العنوان 
بين قوسين في خمسة مجلدات . مدبولي القاهرة 1988 , دار التنوير » بيروت 1988 ) . 


177 


في الالهيات وفي الطبيعيات, لأنما معأ . الكلام والفلسفة . متصلان من حيث النشأة 
عند الكندي . فالفلسفة إن هي إلا علم كلام متطور . ومن حيث النهاية عند الايجي 
حيث ابتلعت المباحث الفلسفية المباحث الكلامية » ولأن الفلسفة بثنائياتها تمثل خطورة 
كبرى على التوحيد . 
اللجاهء الثالث ٠‏ الممميح الأصولي (إ من النص الى الواقع ) 

وهى محاولة لإعادة بناء علم أصول الفقه التقليدي7؟'') . وهو سابق على 
استطاع تحويل الوحي الى منهج استنباطي استقرائي من حيث هو ١‏ علم التنزيل » . 
وهو أفضل ما أخرجته الحضارة الاسلامية من حيث هو علم مستقل . بلغة علمية 
عقلية . ويتضح فيه تكوين الانسان الداخلي من حيث هو زمات ونية 3 والخارجي من 
حيث هو فعل وسلوك . وقد يكون له ملحقان : الأول عن ١‏ الفقه الاجتماعي » أو 
« فقه الوجود »وفيه, تتغير مادة الفقه التقليدي التي تغلب عليها الأحوال الشخصية الى 
مادة أخرى عصرية يغلب عليها الطابع الاجتماعي 3 وتثار فيه مسائل التنمية , 
والتحرر . والتغير. والتقدم . والملحق الثاني عن ١‏ الفكر الأصولي الفقهي » الذي 
حاول تصفية كل مظاهر الفكر الحضاري في الكلام والفلسفة والتصوف على حد سواء . 
الخراء الرابع 1 امنيح الصوؤى (١‏ من الغناء الى المقاء ) 

وهي محاولة لاعادة بناء علوم التصوف باعتباره الممثل للمنبج الوجداني 2 وظهور 
الانسان أخيرا فيه كبعد مستقل . واكتشاف الشعور كنقطة بداية لتأسيس العلم . ويجيء 
التصوف أخيراً لأنه كان رد فعل على أصول الفقه والفقه والمناهج العقلية بوجه عام في 
الكلام والفلسفة . كا أنه لم يتأسس كعلم قبل القرن الرابع » ولو أنه من حيث النشأة 
ظهر مبكرا كحركة زهد وعبادة وبكاء وتحسر أيام الحكم الأموي كحركة مقاومة سلمية 
للداخل ومتجهة الى أعلى وليس الى الخارج ومنطلقة الى الأمام . والأصول والتصوف 
كلاهما يمثلان الفكر المنبجي في مقابل الكلام والفلسفة اللذين يمثلان الفكر النظري . 
والتصوف يمثل خطورة كبرى على وجداننا المعاصر وسلوكنا القومي 5 تعادل خطورة 
الكلام , بما يمثله من قيم سلبية من صبر ء وتوكل. ورضاء وقناعة ,» وخوف ,» 
وخشية 3 وبكاء 4 وحزن الى آخر ما هو معروف من مقامات وأحوال . 
(118) قمنا هذه المحاولة من قبل سنة 1965 في رسالتنا 5غ8 0126 216110065 1.65 . ( وقد يصبح هوالخجرء 

الرابع ويتقدم المنبج الصوفي الى الجزء الثالث خشية من قصر العمر وخطورة التصوف ) , 


1/8 


البزء الخامس : العلوم النقلية ( من النقل الى العقل ) 

وفيه تتم إعادة بناء العلوم النقلية الخمسة : علوم القران والحديث والتفسير 
والسيرة والفقه . من أجل 3 المادة القديمة النني أصبحت بغير ذي دلالة مثل الآيات 
التي نسخت قراءاتها وحكمها أو تاريخ المصاحف وجمعها وإبراز الموضوعات ذات 
الدلالة مثل أسباب النزول ( أولوية الواقع على الفكر ) الناسخ والمنسوخ ( الزمن 
والتطور) . . . الخ . أما علم التفسير فإنه أيضاً يُعاد بناؤه بحيث يتم تجاوز التفسير 
الطولي ( سورة سورة وآية آية ) وتجاوز التفسيرات اللغوية والأدبية والفقهية . . الخ , 
وبداية التفسير الموضوع بوصف بناء الشعور ووضعه في العالم مع الآخرين ووسط 
الأشياء . أما علوم الحديث فإنه يتم فيها تحليل الشعور . شعور الراوي من خلال 
مناهج الرواية ثم تجاوزها الى النقد العقليٍ والحسي للمتن . وفي علوم السيرة يتم 
الانتقال من الشخص الى الكلام حتى يتم القضاء على التشخيص وعبادة الشخص في 
حياتنا العامة . أما علم الفقه فإنه يتم إعادة بنائه بحيث تعطى الأولوية للمعاملات على 
العبادات ولنظم الدولة على قانون الأحوال الشخصية . 


الخزء السادس : العلوم الرياضية والطبيعية( الوحي والعقل والطبيعة ) 


وفيه يتم إعادة بناء العلوم الرياضبة من جبر وحساب وهندسة وفلك وموسيقى 
بحيث يتم اكتشاف موجهات الوحي للشعور, التي أدت الى الاكتشافات النظرية في 
هذه العلوم . وبالتالي تتم معرفة وظيفة التوحيد في الشعور في البحث عن المفارق والمتعالي 
وما يعنيه من تقدم مستمر في البحث العلمي . انعم إلى العلوم الطبيعية من 
كيمياء وطبيعة وطب وتشر يح ونبات وحيوان وصيدلة من أجل معرفة وظيفة الوحي 2 
توجيه الشعور نحو الطبيعة وتحليل قوانينها ‏ وهي ما سمي بي دراساتنا الحديثة تاريخ 
العلوم عند العرب وهي العلوم الاسلامية التي نشأت أيضاً بتوجيه الوحي نحو العقلي 
ونحو الطبيعي . وتكون مهمة هذا الجزء تجاوز الصوري والمادي والعودة الى 
الشعوري . 


الكزء السابع : العلوم الانسانية ( الانسان والتاريخ ) 


وفيه يتم إعادة بناء علوم النفئس والاجتماع والسياسة والتاريخ والحغرافيا واللغة 
والأدب بحيث يتم التعرف من خلاها على وظيفة التوحيد في الشعور وتوجيهه إياه نحو 
الانساني» الفردي والاجتاعي 2 وبالرغم من أن هذه العلوم قد ظهرت من قبل في العلوم 


1/9 


الدينية الأربعة إلا أنبا حاولت أن تكون علوماً مستقلة تعتمد على البحث والاستقصاء 
دون الاعتّاد عل الحجج النقلية ؛) مهمة هذا الجزء هو معرفة كيفية توجيه الوحي 
للشعور نحو الإنساني وكيفية تحويل الوحي ذاته الى علم إنسانيٍ . 

١‏ الخراء الثامن 1 الإنسان والتاريخ 


وهي محاولة لوصف بناء الحضارة الاسلامية وتطورها مع تأسيس وحدة العلوم في 
التراث القديم ء» ونقل الحضارة الاسلامية الى طور جديد . وتحويل صورتها في التاريخ 
من حضارة الكهف إلى حضارة السهم . ومن الدائرة الى الخط . ومن الأعلى الى 
الأمام2270 . والإنسان والتاريخ هما البعدان المستتران في تراثنا القديم والواضحان في 
العصر الحاضر 2122 . غاية « التراث والتجديد » هو الكشف عن الانسان في التراث 
القديم وتثبيته في وجدان العصر ووضعه في التاريخ . وسينظر الى الحضارة كلها في 
طورها الأول الذي نشأت وتطورت فيه . ثم في طورها الثاني الذي بدأت تعيش فيه على 
ذاتها في عصر الشروح والملخصات ثم في دورها الثالث منذ عصر الاصلاح الديني في 
القرن الماضى . وإحياء التراث في هذا القرن . وإقامة نهضة شاملة تتمثل في ارهاصات 
الاصلاح والاحياء ) . 
القسم الثاني : موقفنا من التراث الغربي 
ويدف هذا القسم إلى إعادة الكرة مرة أخرى. وإقامة حضارة إسلامية جديدة 
بالاضافة الى الحضارة الإسلامية التي ورثناها . وذلك لأننا في عصر مشابه للعصر 
القديم عندما واجه تراثنا الناشىء التراث اليوناني الوافد . ونحن منذ أوائل القرن 
الماضي في مواجهة مفتوحة مع التراث الغربي . والخال أسوأ لأن الوفود قد تحول الى 
غزوء ووعينا بأنفسنا وبأصولنا وبنموذج الماضى ضعيف ومترهل . فتحديد موقفنا من 
الثراث الغربي جزء من حركة التاريخ وتطور الحضارة واستمرار لما بدأناه في العصر 
القديم . كا أنه تحليل لواقعنا المعاصر الذي أصبح التراث الغربي جزء من تكوينه 
الثقافي . كما أنه واجب وطني وقومي من أجل تأصيل موقفنا الحضاري ؛ والقيام بالحركة 
التي لم نقم بها حتى الآن وهي معركتنا مع الثقافة الغربية الوافدة » وهو ما نذكره أحيانا 
باسم الاستعرار الثقافي . ولا تعني الثقافة الوافدة هنا ما تروج له الدوائر الرجعية في عصرنا 
هذا من اعتبار الماركسية خاصة ثقافة وافدة لأن الماركسية وإن ظهرت في واقع معين إلا 


(119) هذه هى صور « اشبنجلر » في كتابه المشهور « أقوال الغرب » . 
(120) أنظر مقالتنا : العرب والفكر التاريخي ( تحت الطبع ) قضايا معاصرة ج 3 (تم ضم هذا الجزء الى الجزء 
السابق ) . 


160 


أنها نظرة علمية للواقع » وتعبر عن متطلبات البلاد النامية لا عن طريق الوفود بل 
بتحليل واقعها المعاصر . مهمة هذا القسم بيان حدود الثقافة الغربية ومحليتها بعد أن 
إدعت العالمية والشمول » وإخراج أوروبا من مركز الثقل الثقافي العالمىي » ومن محور 
التاريخ وردها الى حجمها الثقافي الطبيعى في الثقافة العالمية الشاملة27!0 . وهذا القسم 
هوي نفس الوقت عرص للحضارة الاسلامية ولكن ابتذاء من حضارة أخحرى إما بالنقد 
أو بالتأكيد - لا بالتأييد 0 لان علوماٍ مماثلة قد نشأت في حضارات أخرى . 
وتطورت في روف مشابهة أو مختلفة ونظرا لوجود 0 ل المتاخمم لحضارات ٠‏ عدة فإنه 
التقليدية . هذا القسم الثاني مائل للقسم اي 0 الحضارة ككل إما 
ابتداء من حضارة الباحث أو ابتداء من الحضارات المتاحمة له . 

ويشما هذا القسم خحمسة ( ثلاثة ) أجزاء ؛ كل جزء خاص بفترة حضارية معينة لحضارة 
ذات طابع تاريخي خالص لا مركز لاني الوحي إلا من حيث قوة الطرد الذي يمثله ها : 
الجزء الأول : عصر آباء الكئيسة ( مصادر الوعى الأوربي ) 


وهي محاولة لدراسة نشأة الفكر الغربي في الفترة الأولى من القرن الأول حتى 
القرن السابع . وتتم فيه دراسة تاريخ ا ل الأولى ومنذ نشأته عند 
آباء الكنيسة اليونان ثم الرومان واي هذه الفترة ترجع إلى أن الوحي الاسلامي قد 
أصدر أحكاماً عليها فيا يتلق بصحة الكتب المقدسة ا العقائد الدينية أو سلوك 
أهل الكتاب . فدراسة هذه الفترة تكون فق نفس الوقت نوعاً من تفسير الوحي 
الاسلامي بالعثور على الوقائع التاريخية التي يشير اليها . وليس أن الوحي الاسلامي هو 
المروج لبعض الكتابات المنتحلة وبعض العقائد الزائفة التي لفظتها الكنيسة خارج كتبها 
المقننة وعقائدها الرسمية(2)222 , 


الخراء الثاني : العصر الدرسي ( مصادر الوعي الأوربي) 


(121) أنظر مقالنا : موقفنا من التراث الغربي في قضايا معاصرة ج 2 ص 3 - 33 وأيضاً مقالنا : « ثقافتنا 
المعاصرة بين الأصالة والتقليد » » قضايا معاصرة ج 1 ص 51 - 69 (مقدمة في علم الاستغراب) . 
(122) وقد قمنا مبذه المحاولة من قبل في رسالتنا في 1966 . 
وحتى الآن تحت الطبع لع ضع أكلناء عنان تناع لع مطعط عسصدخل تحددء رعوغوةعط '1 عل علع 220116010 عام هآ 
الانجلو المصرية . القاهرة 1988 . نمو201017 ندل عتامهم 3ق ع1 
أنظر أيضا كتابنا 5 .مم 7277011311082 2020 عناع 01310 كناملعتاع ]1 


181 


العصر الوسيط المتأخر. وأهميتها أنها هى الفترة التى كانت وعاء للحضارة الاسلامية 
بعد أن تمت ترجمتها » وتعرف عليها اللاتين » وتأثروا بها » ونشأت لديهم الفلسفات 
العقلية والاتجاهات العلمية » واهتزت الْسلطة الدينية والعقائدية . وفي نفس الوقت 
ظلت السلطة الدينية ممثلة للدجماطيقية والمدرسية حتى حدث بعدها وبفعل التنوير 
الإسلامي أكبر رد فعل عنيف عليها في العصور الحديثة . وهي أيضاً الفترة التي ظهرت 
فيها الفلسفة اليهودية العقلية لأول مرة في تاريخ اليهود .» ضمن إطار الفلسفة 
الاسلامية . وهي الفترة التي تواكب إزدهار الحضارة الاسلامية وبلوغها أوجها . 


المزء الثالث : الإصلاح الدينى وعصر الغبضة ( بداية الوعي الأوربي ) 


وهي محاولة لتاريخ الفكر الأوربي إبان الإصلاح الديني وعصر النبضة في القرنين 
الخامس عشر والسادس عشر . وفيها تمت . بعد عصر الاحياء في القرن الرابع عشر . 
أول محاولة لرفض سلطة القديم في العصر المدرسي . واحتكار الفكر » ورفض السلطة 
الدينية » وبداية إثبات الحرية » والعقل . والانسان كحقائق أولية » وبداية كشف 
الانسان بجهده الخاص للعلوم والفئون والصناعات » ورفض تغليف الواقع باسم 
الدين أو باسم السلطة . ولكنها أيضاً هي الفترة التي بدأت فيها أوروبا في الخروج عن 
حدودها والاستيطان على سواحل آسياء وأفريقيا وأمريكا . وما سمته الكشوف 
الجغرافية . وهى بالنسبة لنا بدايات الاستعار الاستيطاني . وهى الفترة التى تعادل بداية 
التوقف في حضارتنا بعد ابن تيمية وابن خلدون. وبداية عيش الحضارة الاسلامية على 
تاريخها . وظهور الموسوعات الكبيرة » وحركة الشروح والملخصات . فبين| يبدأ الفكر 
الغربي في النبوض تبدأ حضارتنا نحن في التوقف والانحسار» وتنشغل بالتأريخ 
الخزء الرابع : العصر الحديث ١‏ بداية الوعي الأوربي ) 

وهي محاولة لبداية تاريخ الشعور الأوربي في القرنين السابع والثامن عشر ابتداء 
من واقعة الكوجيتو. وبداية الفصم في الشعور الأوربي بين الاتجاه العقلي الصوري 
والاتجاه المادي الحسبي . وهذان الخطان اللذان سيظلان منبعجين منفرجين حتى يلم 
شمله| من جديد في القصدية الشعورية . وهو العصر الذي يحاول فيه الشعور الخاص 
اكتشاف الحقائق العامة مثل : التنزيه » والعقل . والحرية » والتقدم . والانسان . 
والفردية » والغائية » والمثال » كما وضح ذلك في الفلسفة العقلانية في القرن السابع 
عشر وفلسفة التنوير في القرن الثامن عشر وهما دعامتا الليبرالية الأوربية . وهي الفترة 
التي تواكب استمرار توقف حضارتنا وعيشها على ذاتها وتدويما لتاريخها . 


2ظ1 


الجاء الخامس : العصر الحاضر ( نهاية الوعي الأوربي ) 


وهي محاولة لتاريخ الشعور الأوربي في لحظته الأخيرة في القرن التاسع عشر 
والقرن العشرين حيث تحاول مذاهب القرن التاسع عشر ضم الاتجاهين السابقين 
اللذين أفقدا الشعور الأوربي توازنه في رؤية الظواهر حتى أتت الفينومينولوجيا فاكتملت 
المثالية الأوربية وعاد الخطان المنفرجان الى الشعور من جديد . وتحول الموضوع داخل 
الذات حتى قضى نبائياً على الصورية والمادية . ولكن بدايات الانهيار ظهرت أيضا في 
القرن التاسع عشر ء بانتشار الوضعية . وظهور فلسفات التاريخ التي تعبر عن 
العنصرية » والقوة والسيطرة من أجل المجال الحيوي للقوميات العرقية . وهي الفترة 
التى بدأت فيها حركاتنا الاصلاحية في القرن الماضى محاولة نقل حضارتنا الى طور 
جديد » بادئه بالاحياء ثم الإصلاح . ْ 


فإذا كان القسم الأول من « التراث والتجديد » وهو « موقفنا من التراث 
القديم » . قد أعلن بداية شعور العالم الثالث كطليعة للتاريخ فإن القسم الثاني « موقفنا 
من التراث الغربي ) يعلن نباية الشعور الأوربي 43 وتخليه عن دور القيادة للعاريخ 
البشري(125١)‏ 


وهدف هذا القسم إلى إعادة بناء الحضارتين معاً في القسمين السابقين » والبداية 
من جديد ابتداء من أصوها الأولى في الوحى أي في كتبها المقدسة . « فالتراث 
والتجديد » هو في الحقيقة محاولة لإعادة بناء الحضارة بالرجوع الى مصدرها في الوحي أو 
إعادة تفسير الوحي كما هو بالرجوع الى الحضارة الإنسانية الحالية وتخليصها من الركود 
التاريخي القديم ؛ وهوما يعادل « علوم القرآن » في تراثنا القديم . فالغائية النهائية هو 
الوحي ذاته وإمكانية تحويله الى علم إنساني شامل , وهذا لا يتم إلا عن طريق « نظرية 
في التفسير) تكون منطقا للوحي . وقد بان من القسمين الأولين أن الأفكار البشرية 


(124) جعلنا القسم الثاني عن « موقفنا من التراث الغربي » لا عن اختيار عشوائي لتراث دون غيره ولكن لآن هذا 
التراث يمثل التحدي لنا . وهو الذي أثر فينا » وهوالذي قلدناه » وهوالذي أخحيذ زمام الريادة » وهوالذدي 
أدعى العالمية . ويمكن بعدها إعادة اكتشاف الحضارات التى طواها الغرب وتجاهلها مثل حضارات الشرق 
وإعادة الارتباط بها كما كان الحال في ترائنا القديم . وقد قمنا بهذه المحاولة في 1965 من قبل في رسالتنا . 

-قعتآممة مهك اء عناوتع10ممغسرممغطم علمطتفط ها عل أعطاعة غهغة'! ,رعنعه1ممغسممعطم دا عل عوغعوة8:<6 :1 


عالاعلعتاء: عمعتمممغطم بده دمل 


3ظ16 


كلها تخضع في الحقيقة الى نظرية في التفسير , تفسير النص أو نفسير الواقع . وإذا كانت 
هناك أبنية حاطئة في العلوم التقليدية أو في المذاهب الغربية فإنها ترجع أساساً الى أخطاء 
في نظرية التفسير . التفسير إذن هو النظرية التي يمكن بها إعادة بناء العلوم والتي يمكن بها 
تحويل طاقة الوحى الى البشر » وصبها في الواقع وتحديد اتجاهنا الحضاري بالنسبة 
للثقافات المعاصرة . ويكون هذا القسم أيضاً محاولة لعرض التراث القديم لا باعتباره 
حضارة وجدت في الزمان والمكان مستقلة بذاتها أو متالحمة لحضارات أخرى ولكن 
باعتباره فكرأ مستقلا أو نابعاً من أصوله في الوحي أو في أسس العقل 'أو في بناء الواقع 
فإذا كان القسان الأولان من « التراث والتجديد » قد عرضا لحقائق الوحي ىا ظهرت 
في التاريخ فإن القسم الثالث يعبر عن حقيقة الوحي ذاتها دون نظر الى تحققاته في 
التاريخ . وقد يكون هذا التعبير نفسه نوعاً من التفسير له ١:‏ انه مول 1+ في الزمان قي 
هذا العصر . بمفاهيمه . ومناهجه . ولغته . وتصوراته . وبالتالي يكون أقرب الى 
القسم الأول الذي يحاول فهمه ابتداء من التراث القديم بإرجاعه الى أصوله أو بإعادة 
بنائه في العقل وفي الواقع . ومن ثم يظل القسم الثالث فير في الزمان, وتظل نظرية 
التفسير محرد إمكانية واستفهاما يستحيل تحقيقها بالفعل أو تطبيقها ما دامت نتيجة 
للجهد البشري . ولكن قد تظل النظرية أيضاً فطأً مثالياً خالصاً ويتحقق في كل زمان 
ومكان ؛ إذا ما توصلت الى علم المبادىء العامة للوحي 18 ع0 عنا2)1 متك .]1 
6610 . 7 

ويشمل هذا القسم ثلاثة أجزاء طبقا لوضع الوحي في التاريخ . 
الجزء الأول : العهد الخديد 


وهي محاولة لتحقيق صحة الوحي في التاريخ ابتداء من مراحل الوحي السابقة 
حت المرحلة الأخيرة أعني التوراة والإنجيل . أو كما يقال بلغة أهل الكتاب . العهد 
القديم والعهد الحديد سواء من حيث فهم النصوص أو من حيث سلوك أهل الكتاب » 
وهو مساهمة منا للبحث عن الوحى السابق وإعادة التحقيق من صحته . واستعمال 
مناهج النقل التاريخي ِ الشفاهي أو الكتابي - من أجل الوصول الى درجة من درجات 
اليقين بالنسبة للنصوص الدينية » مساهمة منا لأهل الكتاب ف التعرف على كتبهم 
اذلفل سي محيصاً وفهاً وسلوكا ؛ وفي نفس الوقت يكون تحقيقاً للمروض الاسلامية 
الخاصة ! » فروض التحريف والتغيير والتبديل والاخفاء والزيادة والنقصان . وقد نشأ 
النقد. التاريخي الأوربي للقيام بهذه المهمة وانتهى الى نفس الفروض الإسلامية(2225 . 


(125) قد حاولنا ذلك من قبل في 6 في الجزء الثاني من . سالتنا رع5غع 86 ”1 عل عذع068015ممعطم 12 
65122061 1 لله820109 لال عتأمهم ذ ملاع تامعاكلدء عناوتأ ناعم ة سوعط عصيكل تهدوء 


4ظ10 


وفي هذا الجزء تتم مراجعة العهد الجديد نشأة وتكويناً والتمبيز بين أقوال المسيح وأقوال 
الحواريين 2 والفصل بين الكتاب المقكدس والتراث الكنبي . وهوونواأة التراث الغربي . 
فالتراث الغربي كله ما هو إلا رد فعل على هذه النواة الأولى . 


وفيه يتم تحليل العهد القديم الكتاب المقدس عند اليهود والتمييز يين كتبه وكتب 
التوراة » وكتب التاريخ ( كتب الملوك وكتب القضة ) وكتب الأنبياء وكتب 
الحكمة . . . . الخ ومعرفة ما قاله الانبياء وما قاله الأحبار والملوك ثم دراسة تطور 
العقائد عند بنيى اسرائيل الذي لا ينفصل عن تاريخهم القومي "عصر الإطاركة: عصر 
الأنبياء. عصر التدوين» والعصر الوسيط والعصر الحديث . وقد كانت هده سنئة علائنا 
القدماء في التعرض الى نقد الكتب المقدسة . وما زال المطلب قائأ . فنحن ما زلنا في 
مواجهة أهل الكتاب بمواجهتنا لمخاطر الاستعمار والصهيونية . 


الى ء الشاللمث 8 المهاج 


وهي محاولة لتجاوز مناهج التفسير التي عرفها تراثنا القديم » الكلامية والفلسفية 
والفقهية والصوفية وتراوحها بين مناهج نصية أو عقلية أو واقعية أو وجدانية » ثم محاولة 
وضع نظرية جديدة للتفسير تكون جامعة لما كلها .» تبدأ من الواقع الشعوري الذي 
يقدم لنا التجارب الحية التي يقوم العقل بتحليلها ويصل الى معانٍ تكون هي معاني 
النص والتي يمكن أيضاً | إدراكها بالحدس الموجه الى النص مباشرة أو الى الواقع المباشر . 
وبالتالي يمكن تقنين المداخل الى النص . ومعرفة أخطاء التفسير مسبقا بمعرفة أخطاء 
المنبج » ويكون التفسير في نظريته الحديدة دعامة التجديد , والمدافع عن شرعيته 2 
والهادم لأية محاولات أ.خحرى للتفسير تود الإبقاء على الأوضاع القائمة » والحد من حركة 
التغير الاجتماعي وإيقاف مسيرة التاريخ . فالبحث عن ١‏ المنهباج » هو نهاية « التراث 
والتجديد » وبغيته الأول . محاولة للعثور على منهاج إسلامي عام لحياة الفرد والجماعة » 
ووصف الإنسان قُْ الوحي 5 علاقاته بقواه النظرية والعملية . وفي علافته مع 
الآخرين ٠‏ ومع الأشياء . ويكون بمثابة الايديولوجية الي يمكنها تنظير الواقع وتطويره . 
وهي في الحقيقة نفسها التي حاول الجميع البحث عنها سواء في تراثنا القديم ابتداء من 
الوحي أو بالجهد الانساني, الخالص في التراث الغربي . وقد نذكر منه بعض جوانبه في 
القسم الأول لبيان إلى أي حد استطاعت العلوم التقليدية الاقتراب منه أو قُْ القسم 


155 


حدسنا الأول الذي حدث لنا في مقتبل حياتنا الفلسفية والذي ظل موجها لنا في كل 
هذا هوجزء الوداع 2272 . 


(126) أنظر 0111 ,بممتيله16 اء سساعنوتاء 1 عداعملة101 . 
ولفظ المنهاج مذكور في القرآن «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً » 48:5 . ( وقد نبدأ بهذا الجزء خشية من 
قصر العمر) . 

(127) قد تحدث بعض تعديلات طفيفة في العناوين » ولكن يظل المشروع العام كما هو دون تغيير. وفي نمس 
الوقت يعبر « التراث والتجديد » عن حياة المؤلف وخيرة عمره » وعن اللحظة التاريجية الي تمر مها 
حضارتنا » كيا يعبر عن حياته بالجامعة وعمله بها » ويقدم خطة عمل للاساتذة والطلاب على حد سواء . 

وقد تأخر تنفيذ المشروع ما يقرب من عشر سنوات نظرأ لظروف العمل في مصر داخل الجامعة وخارجها . 

فقد كان المفروض أن يخرج هذا الجزء الأول « علم الإنسان » بعد رسالتنا عن « مناهج التفسير ‏ التي هي 

تحقيق للجزء الثالث عن المنبج الأصولي ولكن تآخر للآتي : 

1 ضرورة إخراج كتاب في الفلسفة المسيحية هوه تماذج من فلسفة المسيحية في العصر الوسيط » الذي صدر 
سنة 1969 كي يساعد الطلاب على قراءة النتصوص . 

2 - ضرورة تعريف المثقفين والباحثين والمواطنين بأبحاث الغير وجرأتهم الفكرية على السلطة دينية أو سياسية 
والتي جعلتنا نقدم نصا آخر هوه رسالة اللاهوت والسياسة » لسبينوزا والذي صدر سنة 1971 . 

3 - ضرورة مخاطبة الشعب في مقالات عدة خاصة بعد هزيمة يونيو والتي جعلتنا نقضي ما يقرب من عامين 
لتحقيق هذا الغرض والتي جمعناها في قضايا معاصرة , ج 1 في فكرنا المعاصر , ج 2 في الفكر الغربي 
المعاصر سنة 1976 . 

4 - سفرنا الى الولايات المتحدة الأمريكية هرباً من الإرهاق في كتابة المقالات ورغبة في التفرغ للجزء الأول 
من « التراث والتجديد » على مدى أربع سنوات قمنا خلاها بعدة مقالات نشزناها في « الحوار الديني 
والثورة » بالانجليزية في 1977 . 

5 إنشغالنا من جديد منذ رجوعنا من الخارج في 1975 وعلى مدى حمس سنوات في التصدي لقضايا التنوير 
من أجل الحفاظ على الثورات المعاصرة واستمرارها وإقالة عثراتها وإعدادنا ذلك الآن في قضايا 

معاصرة ج 3 « في الثقافة الوطنية » , ج 4 « في اليسار الديني » ؛ ( الدين والثورة في مصر ٠‏ ثانية أجزاء » 

مدبولي » القاهرة 1989 ) . 

6 - استمرارنا في إعطاء تماذج من الفكر الغربي للتنوير الديني في « تربية الجنس البشري » للسنج ولبداية 
الوعى الأوربي ونبايته في « تعالي الأنا موجود » لسارتر 1977 تمهيدا لأفكار « التراث والتجديد » : 

7 هذا الجزء من « التراث والتجديد » كان في الأصل مقدمة أولى للجزء الأول « علم الانسان ) . وقد نشر 
في طبعة مستقلة نظراً لأنه يحتوي على المقدمات النظرية للمشروع كله ويكون أشبه بمقدمة ابن خلدون 
بالنسبة لكتابه « تاريخ العرب والبربر . . . » ولكنه هذه المرة عن النبضة وليس عنن الاخبيار . 


1056 


أولاً ‏ تحقيق وتقديم وتعليق : 
1- أبو الحسين البصري : المعتمد في أصول الفقه » جزءان . المعهد الفرنبى بدمشق 
1965-3 . 1 
2 الحكومة الاسلامية للامام الخميني . القاهرة 1979 . 
3 جهاد النفس أو الجهاد الأكبر للامام الخميني . القاهرة 1980 . 
انياً ‏ إعداد وإشراف ونشر : 


1 - اليسار الاسلامى » كتابات قُْ النبضة الاسلامية » العدد الأول » المركز العربي 
للبحث والنشر , القاهرة 1981 . 

الثا - ترجمة وتقديم وتعليق : 

1- نماذج من الفلسفة المسيحية ( المعلم لاوغسطين . الايمان باحثاً عن العقل 
لانسليم ٠‏ الوجود والماهية لتوما الاكويني ). الطبعة الأولمى . دار الكتب 
الجامعية » الاسكندرية 8 . الطبعة الثانية » الأنجلر المصرية . القاهرة 
8 »٠ه‏ الطبعة الثالثة » دار التنوير » بيروت 1981 . 

2 - اسبيئوزا : رسالة في اللاهوت والسياسة . الطبعة الأولى . الطيئة العامة للكتاب , 
القاهرة ٠‏ 3 0ه الطبعة الثانية » الانجلو المصرية . القاهرة » 1973 . الطبعة 
الثالثة » دا الطليعة . بيروت 1981 . 

3- لسنج : تربية الجدنس البشري وأعمال أخرى . الطبعة الأولى » دار الثقافة 
الجحديدة » القاهرة 1977 . الطبعة الثانية » دار التنوير » بيروت 1981 . 

4- جان بول سارتر : تعالى الانا موجود . الطبعة الأولى » دار الثقافة الجديدة , 


157 


القاهرة 1977 . الطبعة الثانية » دار التنوير » بيروت . 1982 . 

رابعاً ‏ مؤلفات بالعربية : 

1 قضايا معاصرة . الجزء الأول . في فكرنا المعاصر . الطبعة الأولى » دار الفكر 
العربي ء القاهرة 1976 . الطبعة الثانية . دار التنوير. بيروت . 1981 . 
الطبعة الثالئة » دار الفكر العربي . القاهرة 1987 . 

2 - قضايا معاصرة . الحزء الثاني » في الفكر الغربي المعاصر . الطبعة الأولى » دار 
الفكر العربي » القاهرة 1977 . الطبعة الثانية » دار التنوير» بيروت 1982 . 
الطبعة الثالثة . دار الفكر العربي . القاهرة 1988 ., الطبعة الرابعة » المؤسسة 
الجامعية » بيروت . 1990 . 

3 - التراث والتجديد , موقفنا من التراث القديم . الطبعة الأولى المركز العربي للبحث 
والنشرء القاهرة 1980 » الطبعة الثانية دار التنوير » بيروت 1981 . الطبعة 
الثالثة » الانجلو المصرية القاهرة 1987 . الطبعة الرابعة . المؤسسة الجامعية » 
ببروت . 1991 . 

4 - دراسات إسلامية . الطبعة الأولى . الانجلو المصرية . القاهرة » 1981 ». الطبعة 
الثانية » دار التنوير » بيروت ء» 1982 . الطبعة الثالثة » المؤسسة الجامعية » 
ببيروت . 1991 . 

5 من العقيدة الى الثورة » محاولة لاعادة بناء علم أصول الدين ( خمسة مجلدات ) 
الطبعة الأولى . مدبولي » القاهرة 1988 . الطبعة الثانية » دار التنوير . 
ببيروت , 1988 . 

6 دراسات فلسفية . الانجلو المصرية . القاهرة 1988 . المؤسسية الجامعية . 
ببروت . 1991 . 

7 الدين والثورة في مصر 1981-1952 . ثانية أجزاء » مدبولي . القاهرة 1989 . 


8 مقدمة في علم الاستغراب 3 مدبولي » القاهرة 1 . المؤسسة اللجامعية ٠‏ يروت 
91 . 
خامسا ‏ مؤلفات بالفرنسية والانحليزية : 


-20م) 12 ع0 5اسمعتضعلهم1 و5عل ععمعة 12 كناد تدوده عوذع فير '0 1460065 5ع[ -1 
5 ,ع315) ع1 رطو1ط-21 أناكنا لقلا رممأاكسعطقع2م 

-1262011680م 2261100 12 عل اأعداءة أماط'1 رعاع1262010مسغطم 15[ عل عوغع6<ظ .1 -2 

عمط .(1965 ,كلعوم) <ناعزونآء؟: ع16202260م 211 1621012آمم3 ترمد أء ,عناواع10 


158 


.1980 ,رع031 
-15]62ء 1011نا111611ع2آ عمنكل نوووء عقغع قود '[ ع0 ,عنالأع62010تسموعفطط هج[ -ة 


. 1988 رعقتنة) عن]آ ,(1966 قلكة) ,راقع م تداذع1 ننوع 9نان11 بال عتامدم 3 علاعن) 
لطة لاتمةتقمطت ,لسكنج 30ل 8 553(5© ,1668011016108 320 عناعه10121 دداوتوتاءع -4 


007 ,800151202 صم نامرع ط-0اومة ,نتصذأ1؟1 
عمآ رومطم !ه80 ممنامبوع 15-م1اعدم 1[ .1701 169011105 اء ساعزونتاء ]1 عدع 71210 -5 


(50115-21655) 1988 عنل2 © 
ر230) ,إمطكك[ه800 ومتاميوع 8-واعمم ع 102م10ء 102 لصة نزوم1امهء10 ,ممزلوناءعه -6 


1992, )12 2112(٠ 


159 


'مقدمة الطبعة الرابعة 0 
مقدمة الطبعة الثالئة 0 


مقدمة الطبعة الأولى ع ع ا 


أولاً : ماذا يعنى « التراث والتجديد » اا 
1 - تحديد معنى التراث جع 0( 
أ مستويات التراث للعم م مممة 
ب - إعادة الاختيار بين البدائل 
جا_التراث قضية وطنية ‏ ...... 
2 - الوضع ا حالي للمشكلة اه 
أ- الإكتفاء الذاتي للتراث لللمة 
ب - الاكتفاء الذاتي للجديد .... 
ج - التوفيق بين التراث والتجديد . 


ثانياً : أزمة التغير الاجتماعى فلل 
1 أزمة التغير في واقعنا المعاصر .... 
أ التغيير بواسطة القديم لللة 


ب - التغيير بواسطة الحديد 3 07 207 


1090 


ههه اله له اه اله اه م الهو ان# #0 الله اهس لهج "خم مام 


##هال الهو لو # له الهو # ## لو### هه 


#س ه هو ا ‏ ا # ساهو# ل #0 


#هو اله الهو اه لو #سا ه# ا #0 


هوه # ه و سو # لسو “#0 


له هه © الس اله اله له الج الع لج الس عم مه سم م م # 


هه اله الهو الهو اله الهو لهو وشاا # اش شا هت خا اخ ## 


0# # اله الهو اله الهو الهو و ه#و# ه # #9 #9 


### هش اش اه # ه#ه # ## #0 


##وسهو هط ا ش # هن 


الموضوع 


2 قضية البلاد النامية مل ءءء مم ممء 


3 - شبهات ومحاوف مادعا عا قاع قاقد هد راق قافا هد قداقاة د قد قاقد قا ها مام نان قافا ف ماه 
أ- شبهات في المقدمات 00 


رابعا : طرق التحديد اا 
1 منطق التجديد اللغوي مع ةم العامة 

أ- قصور اللغة التقليدية ا | 

سد مميزات اللغة الجديدة ...... لم ملة 

ج - اللفظ والمعنى والشىء | 

2 - إكتشاف مستويات حديثة للتحليل ( الشعور) 

3 تغيير البيئة الثقافية ا 00 


خامساً : موضوعات التحديد ( إعادة بناء العلوم ) 006 
أ العلوم الاسلامية الأربعة 0 
ب العلوم العقلية باعتبارها ظواهر فكرية . . . 


ج  ١‏ التراث والتجديد » وقضية توحيد العلوم 


د الخطة العامة لمشروع التّراث والتجديد ... 


1 -علم الانسان اا 


#ه ه# ‏ اشا # # اق#ا# #0 


#ااس ا # اه ا وا #ف ”فال هوه 


## ا # الس اله الس##الس # اه 0# هه #0 


1 النعرة العلمية | 


اه اه ها لو و ل #9 هه ا له شه 
# الس ا# #0 له اله اله # الهب #لول# ا ##©# 
و # # ### لشو هن 
#ه ‏ و  #‏ #0 


ا# ا # وا ا لوط 


. 
## له ها اله اه اله الها # هل ههه #8 


ا موضوع 


2 فلسفة الحضارة ص 0 


3 - المنبج الأصولي ع 00 
4-المنبج الصوفي ع | 
5 العلوم النقلية 0 
6 العلوم الرياضية والطبيعية ... 
7 العلوم الانسانية 0 
8 - الآنسان والتاريخ 0 


1 - عصر اباء الكنيسة فأقاه ا قا قاعا. د .دقام عا قاقد قدا نا عد م لاز فاو ها فاه 
2 - العصر المدرسى ا 0 


4 العصر الحديث 00 


1[ العهد الحديد ع ع 0 


1922 


## ا # # #9 # الهو # له 6ش اله #0 


© © اليه #00# 6ه اه 3 # #0 و ا« الع" ها هوه اس اماس 


#9 # #0 # #0 #9 #9 # # #0 اقوه #0 


# الهو اه س## ## #  #‏ # فاه هه 


© ## ال# ا# ا # اله ‏ 9# ا ا لا اه هوه له 


# #0 #0 #0 اه # #0 اه هاه #5 #0 اله اهس اهس 


© #له# # هه # # ل ال ل 6# 6ه له 0 ته 


© # #0 اله اله ها هوا اا شا ا س # اله لهو له © 


## سه # # فا اال هن 


# الس # سا ا #اا # # #8 و 


#ا# ا اله ال# ا # سا لاه لهو اه له لوه اله شه 


#اه ا# # اه ### اا# # # # ات ههه 


## # لشفا هت © 


## ا # # # # # ###ا## لهو 0ه #ه 


## # الا # سها ا # ا # # طش هوا سه اه © 


## #ل ## # ##### ا 


التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضى داخل الحضارة السائدة» فهو إذن 


قضية موروث وني نفس الوقت قضية معطى حاضر عرٍ, عديد من المستويات . 


وليست القضية هي «١‏ تجديد التراث » أو « التراث والتجديد » لأن البداية 
هي ١‏ التراث » وليس ١‏ التجديد » من أجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة 
الوطنية .» وتأصيل الحاضر . ودفعه نحو التقدم . والمشاركة في قضايا التغيبر 
الاجتماعي . التراث و نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية ع والتجديد هو 
إعادة تفسير التراث طبقاً لحاجات العصر . فالقديم يسبق الجديد . والأصالة 
أساس المعاصرة . 'والوسيلة تؤدي إلى الغاية . التراث هو الوسيلة . والتجديد 

هو الغاية وهي المساهمة في تطوير الواقع » وحل مشكلاته ,» زالقضاء على 
بات معوقاته . وفتح مغاليقه التى تمنع 3 محاولة لتطويره . والتراث ليس 
قيمة في ذاته إلا بقدر ما يعطى من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على 
تطويره . فهو ليس متحفاً للأفكار نفخر بها وننظر إليها بإعجاب . ونقف 
أمامها في انبهار وندعو العالم معنا للمشاهدة والسياحة الفكرية بل هو نظرية 
للعمل . وموجه للسلوك . وذخيرة قومية يمكن إكتشافها واستغلاها واستثارها 
من أجل إعادة بناء الآانسان وعلاقته بالأرض وهما ححرا العثرة اللتان للمحضيه 
عليها كل جهود البلاد النامية في التطور والتنمية . لالصمعم والاصلاح 
الزراعي قد يتحطان لأن الإنسان وهو العامل والفلاح . لم تتم إعادة بنائه 
ووضعه في العالم. وظل متخلفاً عن مظاهر التقدم . فالثورة الصناعية 
والزراعية في البلاد النامية لا تتم إلا بعد القيام بثورة إنسانية سابقة عليها وشرط 
ها . لذلك تعثر العمل السياسي في البلاد النامية وفشلت الجهود لقيام أحزاب 
تقدمية وتنظييات شعبية تملأ الفراغ بين السلطة والجاهير فالنبضة سابقة على 
التنمية وشرط ها . والاصلاح سابق على النبضة وشرط ها . والقفز إلى التنمية 
هو تحقيق لمظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه . 
1 « التراث والتجديد » إذن يحاول تأسيس قضايا التغير الاجتماعي على نحو 
0/0 طبيعي و وفي مره تاريضي » يبدأ بالأساس - قبل المؤسس والمشروط . 
الللع مب سب 1-1 


لمؤسسة لجامعة لداسان ولنشو اننع 


تصميم الغلاف : «ماكيت» /116عنانهالا